أبرزهم جورديمر وكلود سيمون ويوسا وكويللو

كبار كتاب العالم في بيت نجيب محفوظ
%d9%83%d8%a8%d8%a7%d8%b1-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d9%81%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d8%aa-%d9%86%d8%ac%d9%8a%d8%a8-%d9%85%d8%ad%d9%81%d9%88%d8%b8
القاهرة: «الخليج»

منذ أن تعرض نجيب محفوظ لمحاولة الاغتيال الآثمة في أكتوبر/تشرين الأول عام 1944، إلى أن توفي في أغسطس/آب سنة 2006، ظل الكاتب محمد سلماوي يلتقي به لمدة 12 سنة، ليجري معه حواراً أسبوعياً ينشر كل يوم خميس بجريدة «الأهرام»، وكثيراً ما كان سلماوي يتلقى طلبات من بعض الشخصيات العربية والأجنبية لمقابلة أديب مصر الكبير، والذي أصبحت زيارته جزءاً من برنامج زيارة كبار الضيوف للقاهرة.
وكما يحكي محمد سلماوي في كتابه «في حضرة نجيب محفوظ» فإنه كان يرتب لمثل تلك اللقاءات، حتى إن نجيب محفوظ أطلق عليه لقب «وزير الخارجية»، ويقول «حدث ذات مرة أن فرنسا قررت منح محفوظ أعلى وسام في مجال الآداب والفنون وهو برتبة «قائد» وقال السفير الفرنسي لسلماوي إن هذا الوسام عادة لا يمنح إلا على أرض فرنسية، فإما أن يسافر محفوظ إلى فرنسا أو أن يقلده السفير الوسام في السفارة الفرنسية بالقاهرة».
ولم يكن محفوظ من هواة السفر حتى إنه لم يذهب إلى السويد لتسلم جائزة نوبل، وعرض سلماوي الأمر على السفير، الذي قال: «إن نجيب محفوظ شخصية استثنائية، كذا يجب أن نعمل له الاستثناء الواجب، ونسلمه الوسام في بيته» وتمت بالفعل مراسم التسليم في بيت محفوظ بالعجوزة.

من بين من التقوا محفوظ نادين جورديمر كاتبة جنوب إفريقيا الحائزة على جائزة نوبل عام 1991، وكان ذلك يوم عيد زواجها، حتى إنها قالت لمحفوظ: في مثل هذا اليوم من 51 سنة تزوجت وأخذني زوجي الراحل في رحلة إلى مصر، التي كانت أول دولة أزورها في حياتي، والآن أشعر بأنني أتلقى بمقابلتك هذه التي كنت أسعى إليها منذ سنوات هدية ثمينة بهذه المناسبة.

كانت جورديمر ضيف شرف معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته ال37 عام 2005، وقالت لمحفوظ الذي زارته بعد ساعتين من وصول القاهرة، «إنها تحتفظ لديها بكل كتبه التي صدرت بالإنجليزية، وأنها كلما قرأت كتاباً له دفعها إعجابها به إلى قراءة كتاب آخر» وأهداها محفوظ كتاب «أحلام فترة النقاهة» بينما كانت تحمل في حقيبتها «رحلة ابن فطومة» وأخرجته لتحصل على توقيع محفوظ عليه، وأهدت إليه كتابين، الأول مجموعة قصصية وقدمتها له قائلة: «إلى نجيب محفوظ تقديراً لعظمته، وحباً وعرفاناً بالنور والسعادة التي أدخلتهما في نفسي قراءاتي لأعماله». أما الكتاب الثاني فقالت أنه لا يحوي إلا قصة واحدة لها ضمن مجموعة من 20 أديباً، وتابعت: «بعضهم من الحاصلين على جائزة نوبل مثلنا وهم: جونتر جراس الألماني، وجابريل جارسيا ماركيز الكولومبي، وكينزا بورو أوي الياباني، وخوسيه ساراماجو البرتغالي، والباقون لا يقلون عظمة عنهم مثل آرثر ميللر، جون أبدايك، مارجريت آتود، حنيف قريشي، وقصة هذا الكتاب أنني في العام الماضي فكرت أننا ككتاب علينا أن نفعل شيئاً من أجل المصابين بمرض فقدان المناعة المكتسبة «الإيدز» وأرسلت إلى 20 كاتباً من أكبر كتاب العالم أطلب إليهم أن يقدموا إليّ قصة قصيرة دون أجر، وقلت إنني سأبحث عن ناشر لهذا الكتاب يقبل أن يتبرع بنشره لصالح مرضى الإيدز، وتصورت أنني لو تلقيت موافقة من 10 إلى 15 كاتباً فهذا يكفي لنشر الكتاب، لكنني فوجئت بأن جميع الكتاب ال 20 الذين خاطبتهم وافقوا، وأرسلوا لي على الفور قصصهم، فكان هذا الكتاب الذي يضم 20 قصة لأكبر كتاب العالم، والذي بيع منه حتى الآن- عام 2005- نحو 50 ألف نسخة، كما صدر حتى الآن ب15 لغة ويسعدني أن أهديه لك هو الآخر».
أما الكاتب البرازيلي «باولو كويللو فحين دخل على نجيب محفوظ في منزله، انحنى وقبّل يده اليمنى المضمومة إلى صدره، ولما لاحظ أن محفوظ أخذ قليلاً، اعتذر كويللو بسرعة قائلاً:«أرجو ألا أكون قد آلمتك، لكنه كان عليّ أن أقبل تلك اليد التي أنتجت لنا بعض أعظم الإبداعات الروائية في العالم»، وقال كويللو: «لقد غزت كتبك نفسي بلا مقاومة، فكلما قرأت أحد أعمالك وجدت في نفسي استسلاماً كاملاً لها، بينما كثيراً ما أجدني أقاوم بعض الكتب الأخرى التي أقرأها». وتحدث كويللو عن السمات المشتركة بينه وبين محفوظ قائلاً: «إننا نسعى لبناء الجسور بين الناس من خلال الاهتمام بالبشر، قبل الأفكار أو العقائد أو الأيديولوجيا، فأنا مثلاً أهم شيء عندي في أي دولة أزورها هو التعرف إلى شعبها ومخالطته، وكلما كان أمامي الاختيار في أي بلد أزوره بين أن أذهب إلى المتحف أو أذهب إلى مقهى، فأنا أختار المقهى بلا تردد».
ودار حديث بينهما عن رواية «الخيميائي» فقال كويللو: «لقد قرأت أخيراً روايتك العظيمة «الطريق» ووجدت أنك سبقتني في قصة البحث هذه، فروايتك هي الأخرى تدور حول البحث، فالبطل عندك يبدو أنه يبحث عن والده، لكنه في الواقع يبحث عن الحقيقة، ويبحث من خلالها عن نفسه، وهذا هو حال بطلي أيضاً».
وقال كويللو: إن هناك شيئاً ثانياً مشتركاً بينه وبين نجيب محفوظ وهو:«ذلك القرار الصعب الذي ينبغي على كل كاتب حقيقي أن يتخذه، وهو أن يتفرغ للكتابة، وهو قرار شجاع لأنه يعني أن الكاتب سيعيش حياة من الوحدة، بحكم اختلافه عن بقية البشر، وأنا أعوض ذلك بأن ألتحم بالبشر كلما استطعت، وأعلم أن محفوظ كان يفعل نفس الشيء أيضا».
وقال كويللو إنه يتمنى أن تصل كتاباته إلى الحالة التي تشبه فيها الصحراء في بساطتها، وفي خباياها، وقال أيضاً: إنه زار مصر عام 1987 وتأثر جداً لرؤية الأهرام، وعاد إلى البرازيل، بيد أن رواية «الخيميائي» قد تخلقت في ذهنه، فبدأ على الفور في كتابتها، وأوضح: «هذه هي زيارتي الثانية لمصر، وأعتقد أن أهم ما فيها هو مقابلتي لك التي أشعر أنها قد تلهمني عملاً جديداً مثلما فعلت الأهرام في الزيارة الأولى».أما الكاتب الفرنسي إريك إيمانويل شميت، صاحب رواية «مسيو إبراهيم وزهور القرآن» فقد قال: «لحظتان لي في مصر لن أنساهما أبداً، اللحظة الأولى كانت وقت زيارتي للأهرام ووقوفي بين قدمي أبي الهول، الذي يجسد تاريخ مصر القديم، ومجدها الغابر، واللحظة الثانية حين مثلت بين يدي الأديب العالمي الكبير نجيب محفوظ الذي يجسد ثقافة مصر المعاصرة وضميرها الحي». ويتبادل نجيب محفوظ وضيفه دور المحاور، فيسأل: وماذا عن حركة الرواية الجديدة أو الرواية الضد؟ هل عاد أحد يذكرها الآن في فرنسا؟ وماذا عن بعض كتابها الكبار مثل ناتالي ساروت؟ فيقول شميت: «إن الرواية الجديدة أصبحت الآن قديمة كما تعرف، أما ناتالي ساروت فهي ما زالت كاتبة كبيرة، لها مكانتها، لكن لأسباب شخصية تتعلق بأدبها، ولا تتعلق بانتمائها إلى حركة الرواية الجديدة، وهذا وضع سليم في رأيي، لأن قيمة الكاتب يجب أن تنبع من خصائصه الشخصية، وليس من أنه ينتمي إلى حركة فنية، معينة، وتلك هي قيمة الكتّاب الكبار الذين عرفناهم في فرنسا، الذين أنت منهم يا أستاذ محفوظ، فقد أسهمت رواياتكم في إعادة ثقتنا في الرواية، كما نعرفها، وفي تذكيرنا بقيمتها بعيداً عن سطوة الرواية الجديدة».

في عام 2010 فاز ماريو بارجاس يوسا بجائزة نوبل، وقال إنه حين علم بفوزه بالجائزة تذكر نجيب محفوظ، وهناك حكاية وراء ذلك ففي عام 2000 قام ماريو بارجاس يوسا بزيارة لمصر مع زوجته وطلب أن يلتقي محفوظ الذي وصفه قائلاً: «كان محفوظ يجلس على أريكة تحيط بها مقاعد وثيرة، جلس عليها عدد من أصدقائه»، وقد دهشت لضآلة حجم الكاتب المصري العجوز الذي كانت صوره القديمة تظهر جسده أكبر من ذلك، لكنني أدركت أنه الزمن، ذلك اللص اللعين الذي يستولي على كل متاعنا بالتدريج، دون أن نلحظ إلى أن نكتشف يوماً أن أجسادنا لم تعد هي أجسادنا التي كانت تظهر في صورنا القديمة.
استمر اللقاء لأكثر من ساعة وفي نهايته قال له محفوظ: دعني أقول لك صادقاً أنك تستحق نوبل، وأنك حتماً ستفوز بها، لذلك كان محفوظ أول من تذكره يوماً عقب إعلان فوزه بالجائزة وكان محفوظ قد قال له «إنه سعيد لأنه لم ينجح في انتخابات الرئاسة في بلاده، لأن ذلك كان سيأتي على حساب إنتاجه الأدبي، وقال له أنت أكبر من كل رؤساء بيرو الذين لا أعرفهم، لكني أعرف اسمك ويعرفه العالم أجمع».
يضم الكتاب لقاءات وحوارات دارت بين محفوظ وعدد من كبار كتّاب العالم، ومنهم كلود سيمون الفائز بجائزة نوبل عام 1985، حيث عقدت للكاتبين ندوة مشتركة بمعرض القاهرة للكتاب عام 1990 والتقى محفوظ أيضاً الشاعر تد هيوز وأرثر ميللر وروبير سوليه.

You may also like...