أحمد أمين.. من العمامة إلى الطربوش

%d8%a3%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85%d8%a7%d9%85%d8%a9-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b1%d8%a8%d9%88%d8%b4

القاهرة: «الخليج»

كان أحمد أمين وهو يكتب سيرته الذاتية تحت عنوان «حياتي» يدرك تماماً أن هناك مزالق قد يكون نفسه منجراً إليها، فالنفس إما أن تغلو في تقدير ذاتها، فتنسب إليها ما ليس لها، أو تبالغ في تقدير ما صدر عنها، أو تبرر ما ساء من تصرفها، وإما أن تغمطها حقها، ويحملها حب العدالة على تهوين شأنها فتسلبها ما لها، أو تقلل من قيمة أعمالها، أو تنظر بمنظار أسود لكل ما يأتي منها، أما أن تقف من نفسها موقف القاضي العادل، والحكم النزيه، فمطلب عز حتى على الفلاسفة والحكماء.

وهنا يقول أحمد أمين: «ثم إن للنفس أعماقاً كأعماق البحار، وغموضاً كغموض الليل فالوعي واللاوعي والعقل الباطن والظاهر والشعور البسيط والمركب والباعث السطحي والعميق كل هذا وأمثاله يجعل تحليلها صعب المنال وفهمها أقرب إلى المحال، وقد يخدع الإنسان فيكون من السهل اكتشاف الخديعة والوقوف على حقيقتها وتبين أمرها، وتفهم بواعثها ومراميها، أو أن يخدع الإنسان نفسه فأمر غارق في الأعماق، ومغلق بألف حجاب وحجاب من أجل هذا كان قول سقراط:«اعرف نفسك بنفسك»تكليفاً شططاً، وأمراً يفوق الطاقة، ولكن على المرء أن يبذل جهده في تعرف الحق، وتحري الصدق، ليبرئ نفسه، ويريح ضميره ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها».

تردد أمين قبل أن يكتب سيرته، فهو ليس بالسياسي العظيم ولا بذي المنصب الخطر، الذي إذا نشر مذكراته أبان عن غوامض لم تعرف، إلى أن يصل إلى أن حياة المغمورين مهمة كحياة المشهورين، فلماذا إذن لا يؤرخ لحياته لعلها تفيد اليوم قارئها، وتعين غداً مؤرخاً.

نبتت الفكرة لأحمد أمين منذ أول عهد الشباب، فقد كان يدون مذكراته اليومية عن رحلاته، وعن حياته وأسرته منذ أيام الزواج، ووجد أنه يسجل في المفكرات أهم أحداث السنة، ما يسوء منها وما يسر، وكان ذلك يحدث على فترات متقطعة، ويقول: «ثم نمت الفكرة وشغلت بالي في العام الماضي (1949) فكنت أعصر ذاكرتي لأستقطر منها ما اختزنته منذ أيام طفولتي إلى شيخوختي وكلما ذكرت حادثة دونتها في إيجاز ومن غير ترتيب، فلما فرغت من ذلك كله ضممته إلى مذكراتي اليومية، ثم عمدت إلى ترتيبه وكتابته من جديد على النحو الذي يراه القارئ، من غير تصنع ولا تأنق».
يتحدث أمين عن إلمامه بالإنجليزية، وأنه بدأ يستغل ما تعلمه، فصارت له مكتبتان يشتري منهما الكتب، مكتبة عربية بحي الأزهر، ومكتبة إنجليزية في الحي الإفرنجي، فأما المكتبة العربية فصاحبها رجل غريب الأطوار من أصل أناضولي، أما الإنجليزية فكانت مرتبة منظمة، ليس فيها موضع لجلوس ولا قهوة ولا تدخين وكان يقضي وقتاً طويلاً فيها، يتصفح الكتب، ويشتري منها ما يروقه وقد كون منها نواة لمكتبته الإنجليزية، وأكثر ما اشترى منها كتب علم الأخلاق والاجتماع ومبادئ الفلسفة، وقرأ فيها أيضاً كتب شبلي شميل.
وذات يوم وجد أمين في هذه المكتبة كتيباً صغيراً عنوانه «مبادئ الفلسفة» تأليف رابوبورت، يقول: «قرأته فأعجبني لسهولته وبساطته وشموله، كتبه مؤلفة لطلبة المدارس الثانوية، يعرفون به معنى الفلسفة وموضوعها فشغفت بترجمته، وكنت أقف في جمل كثيرة منه رجعت فيها إلى صديق لأستوضحه ما غمض حتى أنهيت ترجمته وبذلت فيه جهداً كبيراً، إذ كان أول عهدي بالترجمة، ثم طبعته ونشرته فكان هذا أول نتاج لي وكان ذلك سنة 1918 وقوبل الكتاب بما شجعني أن أعيد النظر في مذكراتي التي أعددتها للطلبة في علم الأخلاق، وأزيد عليها وأحولها إلى كتاب سميته كتاب الأخلاق، وطبعته بعد مبادئ الفلسفة بقليل.

تزوج أمين بعد عناء شديد في اختيار العروس، وقد ذهب إلى مصور بعد الزواج ليلتقط له صورة تذكارية كتب على ظهرها:»هذه صورتي أخذت يوم الجمعة 7 إبريل/نيسان سنة 1916 وسني تسع وعشرون سنة وستة أشهر، عقب عقد زواجي بأربعة أيام وقد اتخذت الكتب شعاراً لي في الصورة، فوضع المصور أمامي كتباً من عنده، وأمسكت بيدي اليسرى كتاب «مبادئ الفلسفة» وكنت قد عربت أكثره، وأوشك على الانتهاء، وقد لاحظت أن أصور صورة في غاية البساطة، فلم أفتعل شيئاً إلا اختيار الثوب الذي اخترته، يوم عقد الزواج، وربما كان الباعث لي في هذا التصور ما أشعر به من أني قادم على حياة جديدة ومرحلة جديدة، فقد أنهيت حياة الوحدة، وسأقدم على حياة الأسرة، وأنا مقتنع أن هذه البيئة الجديدة سيكون لها أثر كبير في نفسي وجسمي وعقلي».

كان أمين عند تخرجه من مدرسة القضاء، قد انتدب مدرساً للأخلاق بمدارس الأوقاف الملكية، ولما عين قاضياً، انتدب مدرساً بمدرسة القضاء، فلم يكن يعاني أزمات مالية حين تزوج، لكنه يعترف بأنه كان قاسياً على أولاده الأولين، شديد المراقبة لهم في دروسهم وأخلاقهم، يعاقبهم على انحرافهم ولو قليلاً، ولا يسمح لهم بالحرية إلا في حدود، حسب عقليته إذ ذاك، ويقول:»لكنها على كل حال قسوة لا تقاس بجانب قسوة أبي علي، وكلما تقدمت في السن واتسع تفكيري، أقللت من تدخلي وأكثرت من القدر الذي يستمتعون فيه بحريتهم فلم أجد كبير فرق بين الأولين والآخرين لشدة تأثر من لحق بمن سبق».
وانتقل أمين من العمل بالقضاء إلى الجامعة، بعد أن اتصل به د. طه حسين سنة 1926، وعرض عليه أن يكون مدرساً بكلية الآداب، وينقل إلينا حواراًً دار بينه وبين عبد الرزاق السنهوري، الذي قال له: لماذا تصر على لبس العمامة والعمامة رمز لرجل الدين، ولست الآن رجل دين، إنما أنت تعلم اللغة العربية والأدب العربي كما يعلم الفرنسي اللغة الفرنسية والأدب الفرنسي وهذه أمور مدنية لا دينية؟ ومع افتتاح الدراسة في العام الجديد خلع أحمد أمين العمامة وذهب إلى الجامعة مطربشاً، وكان يتعثر في مشيته في الشارع والكلية خجلاً من الناس.

يتحدث أمين عن مشروع بحثي كبير وضع أسسه طه حسين وعبدالحميد العبادي وهو، وخلاصته أن يدرس الثلاثة الحياة الإسلامية من نواحيها الثلاث في العصور المتعاقبة من أول ظهور الإسلام، فيختص طه حسين بالحياة الأدبية، والعبادي بالحياة التاريخية، ويختص أمين بالحياة العقلية، وهنا يقول أحمد أمين: «أخذت أحضر الجزء الأول الذي سمي بعد ذلك فجر الإسلام، وصرت فيه ما يقرب من سنتين، فرسمت منهجه ورتبت موضوعاته، وكنت إذا وصلت إلى الموضوع أجمع مظانه في الكتب، وأقرأ فيها ما كتب على الموضوع، وأمعن النظر، ثم أكتبه مستدلاً بالنصوص التي عثرت عليها، حتى أفرغ منه، وأنتقل إلى الموضوع الذي بعده وهكذا».
يصف أحمد أمين نفسه قائلاً: لي نزعة صوفية غامضة، فأشعر في بعض اللحظات بعاطفة دينية تملأ نفسي، ويهتز لها قلبي، وأكبر ما يتجلى هذا عند شهود المناظر الطبيعية الرائعة، كالمزارع الواسعة، والأشجار اليافعة، والنجوم اللامعة وطلوع الشمس وغروبها، ويقول أيضاً: ومزاجي يميل إلى الفلسفة أكثر من الأدب، حتى في الأدب أنثر ما يعجبني منه ما غزر معناه ودق مرماه، فيعجبني الجاحظ وأبو حيان التوحيدي وابن خلدون أكثر مما يعجبني الحريري والقاضي الفاضل والصاحب بن عباد وطريقته، والعماد الأصفهاني ومدرسته، ويعجبني المتنبي لولا إغرابه أحياناً وتكلفه، والمعري لولا تعالمه، وأفضلهما على أبي تمام، ولا يعجبني البحتري إلا قصائد معدودة، ولا يهتز قلبي لأكثر شعر الطبيعة في الأدب العربي، لبنائه على الاستعارة والتشبيه لا حرارة العاطفة، ولهذا كان لي ذوق خاص في تقدير الأدب فضلت اتباعه مجتهداً – ولو كنت مخطئاً – على تقليد غيري في تقديره، ولو كان مصيباً».

 

You may also like...