أرق السينما في مذكرات المخرج الياباني أكوروساوا

%d8%a3%d8%b1%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d9%86%d9%85%d8%a7-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b0%d9%83%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ae%d8%b1%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%a8%d8%a7%d9%86%d9%8a

القاهرة: «الخليج»

«في سنوات الحرب عندما كانت الشوارع تغص بالباعة المتجولين، سرت مع هؤلاء حكاية مرهم الضفدع لعلاج الجروح والحروق، وسمعت أن هذا المرهم السحري كانوا يحضرونه بالطريقة الآتية: بعد أن يصطادوا الضفدع يضعونه في صندوق صغير، تغطى جدرانه بالمرايا، الضفدع المسكين المرعوب لتوه، يرى صورته منعكسة على هذه المرايا، فيبدأ بإفراز مادة دهنية، شبيهة بالعرق، يجمعون فيما بعد هذا»العرق الإجباري» عن جلده بكشطه، ويغلونه لبضعة أيام، وهكذا يستخرجون مرهماً ثميناً، لا تجود به الأوقات دائما».
هذه العبارات تتصدر مذكرات المخرج الياباني «أكير أكوروساوا» وعنوانها «ما يشبه السيرة الذاتية» وفيها يذكر: «أعتقد أن تكتب عن نفسك تماما، هذا يعني أن تجلس بين أربعة جدران مغطاة بالمرايا وأن تحدق فيها، تريد أو لا تريد، تجلس وتراقب نفسك من زوايا مختلفة، فتحس بأنك مختلف بعض الشيء عن ذاتك، هذا ما أحس به الآن وما أحسست به في الماضي البعيد، ورغم أنني لست ضفدعاً، فإنني أشعر كيف بدأت أتعرق لتوي، ولهذا أجدني أضع مقدمة لكتاب يشبه سيرة حياة أو اعترافات عابرة بكلمة أدق».
كما تقول «فجر يعقوب» مترجمة تلك السيرة، فإن الكتابة عند «أكوروساوا» أرق مثلما السينما عنده أرق، هو يتعرق خوفاً مثل ضفدع لمجرد ذكر الكتابة، ويعرف سلفا أنه ليس بضفدع، وإذا كان لا بد من تحديد طبيعة لهذا الكتاب، فإنه سيرة حياة بتخييلات فنية ورموز مصطفاة، أو لنقل اعترافات بأسلوب ياباني، يسعى فيه «أكوروساوا» إلى نضح عرق حياته بصدق، وخوف، ويخترق نظرية الصمت ويروي، وللرواية معه قصة، فنراه يكشف تفاصيل مثيرة، عن أفلامه، تصويرها، الإعداد لها، طبعاً دون أن يوضح لنا كيف يستولد هذه المخلوقات، أو ما هو المعنى المستغلق فيها، لا يناقشها حتى بعد تصويرها، ولا يتورع عن إدانة نفسه لو قدم تفسيرات لا طائل لها.

يعتبر فيلم «راشومون» نقطة انعطاف في مسيرة كوروساوا، وهو يجمع بين مرحلتين في إبداع المخرج، مهدت له الخروج على العالم الواسع كسينمائي خلاق ومتفرد، فإذا ما أراد أحد أن يفهم ما الذي حصل بعد «راشومون» 1951 فلينظر إلى أبطال أفلامه التي تلته، ستجدونه، وقد تقمص أبطاله كلهم، هم سيرسمون الصورة الأوضح له، ولا شيء في العالم يكشف أعماق المبدع، مثل أعماله وإبداعاته.

 

You may also like...