أصحاب رأس المال

355

يعاين كتاب «أصحاب رأس المال: نقص المؤن والاقتصاد في فلسطين زمن الانتداب» الحياة الاقتصادية والمعيشية اليومية للشعب الفلسطيني في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، ويركز بشكل خاص في هذا السياق على رجال الأعمال والاقتصاديين الفلسطينيين الذين عاشوا صراعاً بين مشروعهم التنموي وخلفيتهم السياسية.
تحاول المؤلفة شيرين صيقلي أن تسلط في عملها الضوء على تركيبات الطبقة الفاعلة التي كانت تهدف إلى تشكيل يوتوبيا مؤيدة للقومية العربية فيما يتعلق بالتجارة الحرة، وتحقيق الأرباح، والملكية الخاصة. وهي بذلك تضع فلسطين والفلسطينيين في سياق مشروع عربي أكبر، ولا تتطرق بشكل مباشر إلى تلك النقاشات عن الصراع الصهيوني الفلسطيني بل على شكل الصراع العام.
وتدرس صيقلي أيضاً كيف أن المؤسسات والسياسات الاستعمارية البريطانية تنظم شكل التقشف زمن الحرب، وتخطط لحالات النقص في المؤن والسلع الأساسية، مثل أزمة الخضراوات في 1940. وفي النهاية تبين أن الإدارة الاقتصادية محورية للغاية فيما يتعلق بالإدارة الاجتماعية، والسياسية، وأن التركيز الحصري على المطالب والنزاعات القومية يخفي تغييرات أكثر تعقيداً للحياة الاجتماعية في فلسطين زمن الانتداب.

والكتاب يقع في 272 صفحة من القطع المتوسط صادر عن مطبعة جامعة ستانفورد الأمريكية أواخر 2015.
من خــــلال قراءتهـــا الدوريـــات الاقتصاديـــــة الفلسطينيـــة والسجـــلات والمراســـلات، وبحثهـا الأكاديمي العميق، تكشف شيرين صيقلي الأستاذة الجامعية في قسم التاريخ بجامعة كاليفورنيا، كيف كان تراكم رأس المال أمراً مركزياً فيما يتعلق بمفهوم نموذج «الإنسان الاجتماعي»، وتتطرق في عملها إلى تناول مجموعة متنوعة من الشخصيات مثل صاحب رأس المال، والزوجة المقتصدة، البدو، والشباب العاطلين عن العمل، والمزارعين، وخاصة في أماكن جديدة مثل السوق السوداء والمقاهي ودور السينما، كما تتوقف عند نموذج الوطن العربي المثالي.
يأتي الكتاب في خمسة أقسام: «المقدمة: سياسة الحاجات الأساسية»، «صاحب رأس المال: صناعة المال، صناعة الوطن»، «نساء مقتصدات: الحياة المنزلية واقتصاديات المنزل»، «اقتصاد التغذية: السعرات الحرارية، التنمية والحرب»، «سلع عامة: رجال الأعمال الفلسطينيين والحرب العالمية الثانية»، «تهريب الخضروات: النقص في المؤن وكلفة المعيشة»، «الخاتمة: تقشف ما بعد الحرب ومبدأ التفصيل».

وحشية حكومة الانتداب

تشير صيقلي في مقدمتها إلى أن «نهاية سنوات الثلاثينات في القرن الماضي كانت فترة دمار لأغلبية الفلسطينيين، وخصوصاً المزارعين والقرويين منهم. فقد ابتلى أغلبهم بتجريدهم من ملكية الأراضي والمديونية خلال فترة الانتداب (1923-1948). وزاد من هذه الظروف القاسية قيام حكومة الانتداب بمكافحة التمرد ضدهم بشكل وحشي. لقد كان هناك إفلاس عام، وبطالة، وهدم منازل، واعتقالات جماعية، وتعذيب، وسجن، ونفي، أو يمكن القول إنه قتل أكثر من 10 في المئة من الذكور الفلسطينيين بسبب عواقب هذه الوحشية».
تشير الكاتبة إلى أسماء عدد من الاقتصاديين وأصحاب رؤوس الأموال البارزين حينها، قائلة: «في 1939، كان مؤسس شركة المحاسبة القانونية فؤاد سابا والمعارض والمصرفي رشيد الحاج إبراهيم، مع الزعيم الوطني الفلسطيني المعروف الحاج أمين الحسيني ينتظرون في المنفى لأجل أخبار من البلاد. وعندما جاءت الأخبار، كانت الحرب الشاملة تلوح في الأفق، وغيرت بشكل لا رجعة فيه سياق السنوات المقبلة».
وتضيف أن «الحرب العالمية الثانية جلبت معها حقيقة أن رجال مثل فؤاد سابا ورشيد الحاج إبراهيم لم يعد بإمكانهم فصل تصوراتهم الاقتصادية عن التزاماتهم السياسية، وتقول:»سابا وإبراهيم ورجال أعمال ومصرفيون آخرون، ممن صنعوا المال وشكلوا الاقتصاد في فلسطين، لم يظهروا في السجل التاريخي. واختفاؤهم لم يكن نتيجة ظرف واحد، بل مجموعة من الظروف هي: أولاً: كتابة تاريخ الاستعمار الاستيطاني من وجهة نظر بريطانية وصهيونية. ثانياً هو استمرار ثلاث طبقات مهيمنة في المشهد العام وهي: الطبقة البرجوازية المتحالفة مع الخارج، والأرستقراطية، ووجهاء الطبقة المتوسطة. وأخيراً: «هناك دوافع مترابطة تتعلق بالنوستالجيا والحزن العام والمعالجة على الطريقة المثالية لفلسطين ما قبل النكبة، حيث تم تدمير طبوغرافيا الحياة الاجتماعية الفلسطينية».
وتضيف أيضاً أن «سابا إلى جانب عبد المحسن القطان وحسيب صباغ، وغيرهم كانوا من أبرز الشخصيات في المحاسبة والصيرفة والتأمين في العالم العربي. إذ تراكمت لديهم الثروة والخبرة، وشاركوا في قيادة الآفاق التجارية والاقتصادية التي تصوروها في سنوات الثلاثينات. ومع ذلك، فإن هذه النجاحات، لم تبق سابا كما هو بعد سنوات 1948. كان هناك – كما يقول حفيده – الكثير من الصمت في المنزل، وبقي سابا في بيروت حتى وفاته».

مشروع النهضة

تتطرق الكاتبة في الفصل الأول إلى التصنيفات الاجتماعية التي حدثت حينها بناء على التعليم والمال، والتحالفات بين الطبقات الجديدة والسلطة الحاكمة. كما تتحدث عن مشروع النهضة، حيث كانت شخصيات مثل رشيد الحاج إبراهيم وسلوى سعيد بارزين فيه، وتشير الكاتبة إلى أنهم»لم يفهموا وضعهم وأنفسهم بشكل أساسي خلال المواجهة مع الصهيونية، وهم في مشاريعهم الإصلاحية والتنموية الاقتصادية، لم يفصلوا أنفسهم عن مشروع نهضة عربية كبرى. وتقول إن التركيز على الاقتصاد يسلط الضوء على أهمية النهضة في فلسطين وأهمية فلسطين للنهضة العربية. كما تناقش الأساليب المتبعة لدى رجال الأعمال حينها في صناعة المال».
وتذكر الكاتبة في الفصل الثاني أن»السنوات العشر من 1935 إلى 1945 شهدت الثورة وهزيمة الثوار وانطلاق الحرب العالمية الثانيــة. وهــزت الثورة الكبرى أسس تراتبية الحياة الاجتماعية الفلسطينيــــــــة. وفي تجاربهـــــــــم القصيرة في الحكم الذاتي، قدم الثوار نظاماً اجتماعياً بديلاً تحدى النخب القديمة، بالإضافة إلى النخب التجارية الجديدة الذين عرّفوا أنفسهم بـ «أصحاب رأس المال». ومن خلال مشاريعهم في «التثقيف الاقتصادي»، هدف هؤلاء الرجال إلى أن يكونوا أوصياء على التقدم العقلاني للحياة الاجتماعية الفلسطينية».
وتحلل الكاتبة مقالة عن ميزانية العائلة وبرنامج الراديو المؤلف من تسعة أقسام الذي أعقبه بعد خمس سنوات عن البيت العربي النموذجي الجديد، قدمته سلوى سعيد. واستعرض محررو مجلة «الاقتصاديات العربية» التي كان مقرها في يافا في العام 1935 مادة رئيسة بعنوان «ميزانية العائلة»، تناولوا فيها كيفية إدارة اقتصادات المنزل ودور المرأة والرجل فيه. وتوضح الكاتبة دور المجلة حينها في التأسيس لثقافة اقتصادية فلسطينية عربية، والتركيز على الشباب أكثر.

إدارة ندرة المؤن

وتتحدث الكاتبة في الفصل الثالث عن تفاصيل يومية تتعلق بالتغذية، وسياسة الانتداب في التعامل مع الفلسطينيين، وحالات المجاعة التي حدثت حينها، وعلامات التدمير الاقتصادي، قائلة: «بحلول 1938، علامات الدمار الاقتصادي – من إغلاق ورشات العمل إلى ارتفاع البطالة إلى شبح المجاعة – كانت ظاهرة في كل مكان. وضاعف انطلاق الحرب هذه الظروف مع حالات نقص أكثر في المؤن وتضخم مالي كان المسؤولون البريطانيون يأملون مواجهتها بـ«حذر وحساسية مفرطة».» وبحلول 1940، نتيجة لحالات الحصار وضمان شحنات الأسلحة، كان كل شيء من السكر إلى الأحذية يستحيل الوصول إليه، وارتفعت الأسعار بشكل لا يمكن تصوره، وأفرغت المحال، وأغلقت طرق التجارة. ولإدارة هذه الأزمات طورت الحكومة الاستعمارية البريطانية مؤسسات وتقنيات جديدة». وتشير إلى أن الاقتصاديين في نظام الانتداب أصبحوا قوة ضاربة في إدارة الأراضي التي تقع تحت حكم الانتداب، وحدثت تعريفات جديدة للعلاقة بين«المتحضر» و«غير المتحضر»، وكذلك الصيغ التنموية.
وتشير في الفصل الرابع إلى أن غرف التجارة كانت فضاءات مؤسساتية وليدة في سنوات الأربعينات. وجلبت معها مجموعة من أصحاب رأس المال من خلفيات سياسية مختلفة، تتراوح من المؤيدين للقومية العربية إلى المنحازين للقوة البريطانية. واستمر هؤلاء الرجال في التزامهم ببعض المبادئ الأساسية التي ألهمت أصحاب رؤوس الأموال في سنوات الثلاثينات: استثمار في تراكم رأس المال، التجارة الحرة، ومكونات اقتصاد صحي. وتضيف: «الدور الاجتماعي لغرف التجارة والمؤتمرات الاقتصادية التي كانت تدافع عن نفسها هو حراسة ومراقبة السلع العامة للدولة. وقنّع رجال الأعمال مصالحهم بمصالح العامة في فلسطين. إلا أنه على العموم، كانت السلطات المحلية، والمنتجون الريفيون، والقرويون يعرّفون رجال الأعمال بأنهم المستفيدون الأساسيون من التقشف الاستعماري. وكشف دور الغرف التي وصفت نفسها بأنها تتوسط لدى السلطات لأجل الصالح العام، بعض التراتبيات الاجتماعية الواضحة».
وتذكر أنه بعد الهزيمة القومية للثورة، وفي مخاض التدفق الرأسمالي الهائل إلى فلسطين، توجه رجال الأعمال في غرف التجارة إلى إمكانات النمو الاقتصادي وإلى دولة مستقبلية في فلسطين. لقد استثمروا، وإن كان بشكل لحظي، في وعود الكتاب الأبيض في عام 1939 لوزير المستعمرات البريطاني مكادونالد حينها، ودعموا الحكومة الاستعمارية لأجل العضوية في مؤسساتها الاقتصادية، على أمل التدريب لأجل مستقبل مستقل. الاستثمار كان عابراً. لم يمر وقت طويل كثيراً قبل أن يخرج التقشف زمن الحرب إلى الواجهة ليصبح هيكل الإقصاء. وبالنسبة لرجال الأعمال هؤلاء، لم يكن هذا الإقصاء إشارة على تآكل وجودهم ذاته على الأرض، بل بالأحرى أمراً مركزياً لهم.

حالة حصار

وفي وجه القوة اليهودية المتنامية، أخذ الاقتصاد شكله كموقع للمعركة القومية، وكانت أفضل طريقة للدفاع عن البلاد هو من خلال الحرص على تحقيق المنفعة في الاقتصاد العربي بحسب ما زعم رجال الأعمال كما تقول الكاتبة، مضيفة: «لم يعد أصحاب رأس المال في طليعة مستقبل مربح. كانوا حينها مديرين لأزمة الندرة الكبرى في المؤن. لقد تراجعوا إلى «سياسة الصبر»، مطالبين بالاندماج الاستعماري ومبادئ الحلفاء للمطالبة بحقوقهم المتآكلة على نحو سريع. وفي الوقت الذي فعلوا فيه ذلك، سرعان ما تغيرت شروط مطالبهم. لم يعد أبطالهم الأساسيون هم «المتحضرون» و«المثقفون» بل المستهلك الأصلي المتمسك بالأصالة، من البدو والفلاحين. لقد أفسح قاموس التقدم والطموح والمبادرة والحضارة المجال أمام المؤامرة، والشلل العام، والمظالم. وأصبح مشروع التجديد الاقتصادي من الحجاز إلى المغرب ضعيفاً. وبات الاقتصاد العربي منقسماً في وجه اقتصاد يهودي على أرض فلسطين التي مع الأيام باتت تشهد صراعاً متزايداً».
وتصف الكاتبة في الفصل الخامس حالة ستة شهور في عام 1943، وسط الحرب العالمية الثانية، حيث كانت دوريات الشرطة تجوب شوارع القدس وحيفا ويافا من الساعات الأولى من الصباح وحتى غروب الشمس. ووضعوا نقاط التفتيش في كل بوابة رئيسية، وكانوا يتنقلون من باب إلى آخر في مسعى لاكتشاف نشاط محظور. ولم يكن الأمر تمرداً أو مقاومة، بل كلفة المعيشة الباهظة هي التي فرضت هذه العسكرة، وسعت حكومة الانتداب بكل جهدها للتحكم بالإنتاج، والتوزيع، وحركة السوق فيما يتعلق بالخضراوات في فلسطين. حتى إن المزارعين في القرى كانوا يضطرون إلى حرق محاصيلهم أو تركها تتعفن في الحقل. فقد كانت الحركة مقيدة، والبضائع الأساسية نادرة، وخطوط الإمداد طويلة، وعدم الرضا على أشده. كانت هذه الحال في فلسطين طوال ستة شهور، ولم يكن الصراع على الأرض بل على احتياجات الحياة اليومية.

الإقصاء والتدمير الاقتصادي

ترى الكاتبة في ختام عملها أن «قصص أصحاب رؤوس الأموال في فلسطين زمن الانتداب تكشف عن نقاط مهمة حول الاقتصاد الذي كان يحمل الكثير من المعاني، والخصام القومي في سياق استعماري استيطاني. وتجد أن هذا السياق لم يردع الحافز لأجل تراكم رأس المال والربح. فقد عرف كل أصحاب رؤوس الأموال أنهم كانوا بحاجة إلى مؤسسات ليحفزوا النمـــو الاقتصـــادي. وتطلعـــوا إلى أفق عربي أوسع، لتأسيس التعاملات المصرفية، والاتصالات، والطمــــــوح في صناعـــــة المــــال والوطن. وعرفوا أنه ليس لديهم أي خيارات، لكن مع ذلك، فقد استمروا في المحاولة، لبناء مؤسسات في الظروف الاستثنائية لتلك الفترة».
وتضيف: «على خلاف تركيبة الانتداب في لبنان، وسوريا، وعبر الأردن، والعراق، فقد أسس ودعم الانتداب البريطاني في فلسطين الاستعمار الاستيطاني. لم تكن فلسطين استثنائية فقط في المناطق العربية السابقة زمن الإمبراطورية العثمانية، بل كان نظام الانتداب الوحيد الذي وافقــت عصبــة الأمــم أن تكون مستعمرة استيطانية. وهذه هي النقطة التي يفتقدها أكاديميون مثل آفي شليم وجاكوب ميتزر عندما يشيرون إلى أن الفلسطينيين لم يقوموا بما فيه الكفاية لأجل بناء دولة أو مؤسسات».
وتشير إلى أن قصص هؤلاء الرجال من أصحاب رؤوس الأموال تكشف خطأ الادعاء المستمر بأن الاستثمار الاستعماري البريطاني في مشروع الاستيطان الصهيوني الحديث إما كان ينوي الاستفادة من الفلسطينيين أو بالكاد ما استفاد. وتقول: «إذا ما كانت هذه القضية فإن الضباط البريطانيين لم يعملوا بجد لتدمير ومنع الإمكانات التنموية للنخبة الفلسطينية. ولم يصبح الفلسطينيون رعايا تنمويين. ولم يكن هذا بسبب أن الحكم الاستعماري البريطاني لم يفهم الفلسطينيين، بل كان من بين الأسباب هو الالتزام البريطاني بالوطن القومي اليهودي في فلسطين، ولم يكن يهم مدى التناقض وإثارة النزاع والفرقة. وهذا الالتزام البريطاني فرض عليهم محو الفلسطينيين».
وتشير إلى أنه «في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي في فلسطين، سار تراكم رأس المال ومشروع النهضة جنباً إلى جنب. وينبغي علينا أن نتذكر أن الفلسطينيين، في تصوراتهم عن الأرض، وتأكيدهم التفاصيل اليومية، وفي أفكارهم عن التقدم لم يعيشوا كظلال للمستوطن اليهودي أو الضابط الاستعماري البريطاني. فقد كان واقعهم أيضاً جزءاً من مشروع عربي أوسع».

 

You may also like...