ألان تورين يعيد التفكير في الديمقراطية

378893_972351

علاء الدين محمود
ينتقد ألان تورين في كتابه:«ماهي الديمقراطية» القداسة التي صارت تزحف نحو المفهوم في تأسيسه الغربي، غير أن ما يفعله تورين في البدء هو محاولة التعرف إلى المفهوم، وتجاوز تعريفه كحكم للأغلبية، أو كمقابل للديكتاتورية، فالديمقراطية كذلك لا يمكن أن تنهض على القوانين وحدها، بل ينبغي تأسيسها أيضاً على تطور التربية السياسية التعددية، وعلى قلق ما حيال العنف، فضلاً عن مفهوم حديث للمساواة.
إن كثيراً من الأسئلة تصاحب هذا المسعى نحو إدراك كنه هذه الديمقراطية التي صارت مسلمة كبرى لا تقبل المراجعة، وكأن انتصار هذه الفكرة في أعقاب الحرب الباردة، لم يكن إلا إعلان نهاية لكل تاريخ، ولكل جهد إنساني مفكر، وربما يلف الجمود كل المحاولات التي سارت في هذا الاتجاه، كونها لم تتصادم مع المفهوم، ولم تقبل عليه على نحو نقدي، وهذا رسخ من فكرة أن المنتصر هنا هو الرأسمالية بكل أوجهها المختلفة، ونمط اقتصاد السوق، بالتالي بدأت المحاولات النقدية وكأنها مهمة عبثية يحيط بها كثير من الحذر والشكوك بدعوى أنها محاولة إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، أو رد بعض الروح للمعسكر المهزوم، أو خروج عن السياق والنسق وسلطة الأفكار المنتصرة، التي لم تجدي معها حتى محاولات إعادتها إلى أصلها، ليبدو الأمر وكأن رقيباً ما يمنع ويحدد مساحة التحرك.

لكن المفكر وعالم الاجتماع الفرنسي ألان تورين، يذهب بعيداً عندما يعيد طرح السؤال في مؤلفه «ماهي الديمقراطية، حكم الأكثرية أم ضمانات الأقلية؟»، وهو كتاب صدر عن دار الساقي، في طبعته الثالثة 2016، وقام بترجمته حسن قبيسي، وفيه يحاول تورين تعريف المفهوم على نحو إيجابي، فهو يرى أنّ الديمقراطيّة نظام من التوسّط الدائم بين الدولة والعناصر الناشطة اجتماعياً، وهو يخرج هنا المفهوم من الكثير الذي لحق به، مستنداً إلى دراسته لتاريخ وتطور مفهوم الديمقراطية وتطبيقاتها، ولعل الكاتب لا يخرج كثيراً عن القضايا التي طرحها في «نقد المثقف»، ولاحقاً في «ما بعد الأزمة»، فالهدف المتناثر في هذه المؤلفات وما شابهها من مقالات وحوارات لتورين، يبحث في شروط جديدة لمجتمع جديد، وهو التفكير الذي ألمّ بالكاتب في حال تأمله للأزمة الأوروبية في أعقاب الأزمة المالية وتبعاتها والتساؤلات التي طرحتها، وإمكانية استخراج طرق تبحث في حلول للأزمة الفكرية السائدة التي مست عصب المجتمعات الأوروبية الحديثة خاصة تلك المتعلقة بالسوق والتعليم وأزمة البطالة، وغيرها من سلسلة كوارث جاءت كتجل لتلك الأزمة الكبيرة.
يضع الكاتب إشارة في غاية الأهمية عندما يتناول العداء القائم بين الثورة والديمقراطية، بدلاً من أن تمهد إحداهما الطريق أمام الأخرى، وكيف أن العالم قد صار، بعد أن أعيته الدعوات إلى التعبئة العامة، قانعاً بما تيسر من السلم والتسامح والراحة، فاختصر الحرية حتى باتت مجرد اتقاء لشر السلطة والتعسف، وربما أن فكرة اللاعنف جعلته يطرح في سياق هذه الدراسة سؤاله: إلى أي مدى صارت العملية الديمقراطية مهددة بعدم التسامح دينياً، أو إثنياً أو قومياً؟، ويبحر الكاتب عميقاً في التاريخ من أجل الإجابة، ومن أجل التحرر من الأوهام، والكاتب يقدم تفنيداً لكثير من الأفكار الزائفة التي سادت والتصقت بجسد المفهوم، وهو يعمل على تحريره لأجل إعادة الاعتبار للمفهوم في كونه قد درج الناس على الجمع بين الديمقراطية والتحرر من قيود الجهل والتبعية والتقاليد، وسعي الإنسان نحو التحرر من المطلقات وأيديولوجيات الدولة، حتى لا يعود خاضعاً إلا لسلطان الحقيقة ومقتضيات المعرفة.
يخوض الكاتب في مسألة الحد من سلطة الدولة، والتي يطالب بتحديدها بمزيد من الوضوح، إذ إنها قد تفضي في النهاية إلى استشراس سلطة أرباب المال والإعلام، بل إن الحد من السلطة السياسية قد يؤدي إلى تفكك المجتمع السياسي وتقهقر السجال السياسي، بحيث نصل إلى وضع تتواجه فيه سوق أممية واحدة من جهة، وهويات منكفئة على ذاتها من جهة أخرى دون وسيط بينهما، وهنا تكمن نقطة مهمة جداً، نجد آثارها ماثلة الآن بعد صعود التيارات القومية في أوروبا وبروز موجة العداء للاجئين والمهاجرين، وأخيراً تتوجت بفوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، ونلمس هذه النقطة في إشارة تورين غير العابرة إلى الدولة القومية التي أنشئت في بريطانيا الكبرى وفي الولايات المتحدة الأمريكية وفي فرنسا، والتي كانت قبل كل شيء مجموعة من الحلقات الوسيطة بين وحدة القانون أو العلم وتنوع الثقافات، وكيف يمكن أن تنحل في محلول السوق أو أن تتحول على العكس من ذلك إلى قومية متماهية مع ذاتها لا تعرف التساهل ولا التسامح، بحيث ينتهي بها المطاف إلى فجيعة التطهير العرقي وإلى الحكم على الأقليات بالموت والتهجير والاغتصاب والتشريد.
وهكذا أيضاً تتفتت الساحة السياسية وتتدهور الديمقراطية وتضيعان بين الاقتصاد وأبعاده العالمية وبين تلك الثقافات التي تنطوي عدائياً على ذاتها وتسعى إلى تعددية ثقافية مطلقة مثقلة برفض الآخر، فتتقلص الديمقراطية حتى تصبح في أحسن أحوالها، سوقاً سياسية منفتحة نسبياً، لكنها لا تجد أحداً يتمتع بجرأة الدفاع عنها، لأنها لم تعد موضوعاً لأي استثمار ثقافي أو عاطفي، وما ذهب إليه الكاتب هنا يوفر مقترحاً ربما لحلول ثقافية من داخل المنظومة نفسها لا يقطع معها، لكنه يدعو إلى القلق على مصير العالم بقوة، فالقراءة المتوفرة في الكتاب تستند على وقائع موضوعية وكذلك على استقراء رؤيوي صدقه مسار الأحداث على صعيد أوروبا والولايات المتحدة، لنعيش الآن في قلب الأزمة.
ويعالج الكاتب أيضاً قضية، هل الديمقراطية بالفعل هي حكم الأكثرية؟، أم أنها إلى جانب ذلك هي ضمانات الأقلية، والكاتب يدعو إلى عمل عياني ملموس، يسعى إلى الجمع بين قانون الأكثرية واحترام الأقليات، وإلى عملية استيعاب المهاجرين ضمن شعب معين، وإلى إيجاد طريقة تمكن النساء من الوصول بصورة طبيعية إلى موقع القرار السياسي، وإلى الحيلولة دون حدوث القطيعة بين الشمال والجنوب، ويطرح الكاتب الكثير من الأسئلة حول خطر التباعد المتعاظم بين التباعد المتعاظم بين وسائل السوق والعالم التقني من جهة، وعالم الهويات الثقافية المغلقة من جهة أخرى، وكيفية السبيل إلى دمج وحدة الأول بتبعثر الثاني، دمج الروافد المتعددة بالاتجاه الواحد، الموضوعية بالذاتي؟ وكيف السبيل إلى إعادة تركيب هذا العالم الذي يتطاير شظايا، سواء من الناحية المجتمعية أو من الناحية الجغرافية والاقتصادية؟.

وفي مسعى دؤوب يلفت الكاتب إلى أن إعادة التركيب المذكورة ينبغي أن تتم قبل كل شيء على صعيد القوة المجتمعية الفاعلة، فرداً كانت هذه القوة أو جماعة، كما ينبغي أن يتم على الصعيد نفسه دمج الفعل الوسائلي الذي لا مفر منه في عالم قائم على التقنيات والتبادلات، ويشير تورين إلى أن إثبات وجود الذات الفاعلة لا يتم في فراغ مجتمعي، بل يقوم على النضال ضد منطق الأجهزة المسيطرة، إنه يقتضي شروطاً مؤسساتية تشكل تعريف الديمقراطية بذاتها، ويفضي إلى امتزاج التنوع الثقافي عبر انضواء الجميع تحت وحدة القانون والعلم وحقوق الإنسان، والكاتب يضع اعتباراً خاصاً ومركزياً لفكرة الذات الفاعلة والصلة التي تربطها بثقافة الديمقراطية، وذلك من خلال ارتباط الفلسفة الأخلاقية والفلسفة السياسية.

ويحتوي الكتاب على أربعة أقسام، ففي القسم الأول يعالج مسألة الديمقراطية في أبعادها الثلاثة، حيث يتناول الديمقراطية كفكرة مستجدة، ومسألة حقوق الإنسان، والحد من السلطة، والقوى المجتمعية الفاعلة وصفتها التمثيلية، وقضية المواطنة، وجاء القسم الثاني تحت عنوان «تاريخ الذهنية الديمقراطية الحديثة»، وفيه فصل بعنوان «ليبراليون وجمهوريون»، وآخر بعنوان «افتتاح الساحة العامة»، أما القسم الثالث فجاء بعنوان «الثقافة الديمقراطية»، ويناقش الكاتب فيه مفهوم سياسة الذات، وإعادة تركيب العالم، أما القسم الرابع «الديمقراطية والنمو» فاشتمل على ثلاثة فصول هي «تحديث أم تنمية»، و»كيف نصنع شيئاً جديداً من شيء قديم»، و»دمقرطة في الشرق والجنوب».
يقدم الكاتب الديمقراطية كفكرة مستجدة، ويحيلنا إلى لحظة انهيار الأنظمة السلطوية شرقاً وجنوباً، عندما ربحت الولايات المتحدة الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي الذي انتهى به الأمر إلى الزوال، عندها بات الغرب يعتقد أن الديمقراطية قد انتصرت، وأنها تفرض نفسها اليوم باعتبارها الشكل الطبيعي للتنظيم السياسي، فضلاً عن كونها المظهر السياسي الذي تتجلى من خلاله حداثة قائمة على اقتصاد السوق من حيث شكلها الاقتصادي، وعلى العلمانية من حيث تعبيرها الثقافي، غير أن الكاتب يحكم على هذا النصر بأنه مشبوه، ويرى أن هذه الفكرة التي يرتاح إليها الغربيون هي من الخفة بمكان بحيث تكون مدعاة لقلقهم، فلا السوق السياسية المنفتحة والقادرة على المنافسة هي الديمقراطية، ولا اقتصاد السوق يشكل بحد ذاته مجتمعاً صناعياً، ويخلص الكاتب إلى أن الديمقراطية قد ضعفت، ومن الممكن القضاء عليها، إما انطلاقاً من فوق على يد سلطة سلطوية، وإما انطلاقاً من تحت على يد الفوضى والعنف والحرب الأهلية، أو انطلاقاً منها هي بالذات عبر الرقابة التي تمارسها على السلطة أو أحزاب تراكم الموارد الاقتصادية أو السياسية لتفرض اختياراتها على مواطنين باتوا مجرد ناخبين وحسب.
الكاتب يقدم تنقيباً جيداً في الديمقراطية عبر إعادة طرح سؤالها ومحاولة تجاوز أزماتها، لكنه يمثل معالجة داخل النص، هي معالجة ليبرالية، تدعو لتعريفات جديدة، واستبعاد الأفكار التي التصقت بها، فالكاتب هو ابن الأزمات التي صارت تهدد مفهوم الديمقراطية.

 

You may also like...