أمريكا اللاتينية وعمالقة آسيا

%d8%a3%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%83%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d8%aa%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%b9%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a9-%d8%a2%d8%b3%d9%8a%d8%a7

تحرير: ريوردان رويت وغوادالوبي باز
عرض وترجمة: نضال إبراهيم

كيف يمكن لتطور علاقات الصين والهند مع أمريكا اللاتينية أن يغير الديناميات السياسية والاقتصادية في هذه القارة المضطربة، وخاصة داخل أربع دول فيها هي: الأرجنتين، البرازيل، تشيلي، والمكسيك، التي يتناول هذا الكتاب القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحرجة فيها، وكيفية تفاعل هذين العملاقين الآسيويين معها، وفي الوقت نفسه عواقب التأثير فيها.
يحاول هذا العمل البحثي الذي شارك فيه 23 خبيراً وأستاذاً جامعياً أن يسلط الضوء على جوانب هذه العلاقة المتغيرة والمتنامية كافة، ويقدم تحليلاً عميقاً للدوافع التي تقف خلفها، وما تشكله من تهديد على قضايا سياسية واجتماعية، وحتى أمنية وعسكرية، فضلاً عن تخفيفها النفوذ الأمريكي في المنطقة.

الكتاب صادر حديثاً عن «معهد بروكينغز» في العاصمة الأمريكية واشنطن في 326 صفحة من القطع المتوسط.
يشير كل من البروفيسور ريوردان رويت مدير برنامج الدراسات الأمريكية اللاتينية في «كلية بول إتش. نيتز» للدراسات الدولية المتقدمة (SAIS) التابعة لجامعة جونز هوبكنز بالعاصمة الأمريكية واشنطن، و غوادالوبي باز التي تشغل منصب أستاذ أبحاث مساعد ومدير مشارك في برنامج الدراسات الأمريكية اللاتينية في الكلية نفسها، إلى أنه في السنوات التي تلت تبني الصين استراتيجية «التوجه إلى العالمية» لتعزيز استثماراتها في الخارج، وتوسيع أسواق التصدير، والوصول المطلوب جداً إلى الموارد الطبيعية في الخارج، أصبحت العلاقات بين الصين وأمريكا اللاتينية تتعمق وتتوسع بوتيرة سريعة، على حد سواء، وبشكل غير متوقع. وكان الدافع الرئيسي وراء موجة التغيير هذه في العلاقات الثنائية، هو التكامل الاقتصادي مع الدول الغنية بالموارد الطبيعية في أمريكا اللاتينية، والمصدرة للسلع الأولية إلى الأسواق المتنامية للعملاقين الآسيويين، ثم تقوم الصين بتصدير السلع المصنعة مرة أخرى إلى المنطقة. وفي السنوات الأخيرة، نضجت العلاقات بين الصين وأمريكا اللاتينية إلى حد كبير، وأصبحت أكثر دقة ومتعددة الأوجه أكثر من أي وقت مضى.
وبالنسبة للهند – يوضح محررا الكتاب – أنها لاعب جديد نسبياً في أمريكا اللاتينية، ولكنها عززت ببطء علاقاتها. وباعتبارها واحدة من أكبر الأسواق في آسيا، فإنها توفر تشابهاً مثيراً للاهتمام بالنسبة للحالة الصينية. ويتساءلان: «هل العلاقات بين الهند وأمريكا اللاتينية تتبع مساراً مشابهاً؟ وتشمل المجالات الرئيسية لنمو التجارة والاستثمار، والتعدين، والطاقة، وتكنولوجيا المعلومات، وإنتاج السيارات، والمواد الصيدلانية. كما يقفان عند مسألة أهمية إعادة الديناميات المتغيرة، تعريف العلاقات الأمريكية اللاتينية مع الهند بالنسبة لواضعي السياسات.

العلاقة المتنامية

يستعرض هذا الكتاب الاتجاهات الرئيسية على الصعيد الإقليمي والقضايا السياسية الحرجة التي تنطوي على العلاقة المتغيرة بين هذين العملاقين الآسيويين وأمريكا اللاتينية. وقد اختار المؤلفان الأرجنتين، البرازيل، تشيلي، والمكسيك، كدراسات حالة توفر تحليلاً عميقاً للآثار المترتبة على التفاعل المتنامي للصين والهند مع المنطقة.. ويستكشفان المخاوف السياسية من ناحية العلاقة المتنامية لأمريكا اللاتينية مع العملاقين الآسيويين في أربعة أجزاء رئيسية، يتألف الجزء الأول من أربعة فصول يقدم فيها المؤلفان وجهات نظر متنوعة عن الدور المتنامي الذي تلعبه كل من الصين والهند في أمريكا اللاتينية، من بينها تقييم الأولويات العالمية والجيوسياسية المتغيرة، وتحليل جنوبي – جنوبي للعلاقات بين الهند وأمريكا اللاتينية، ومجموعة من التعليقات القصيرة من قبل الخبراء البارزين والعاملين في حقل العلاقات الأمريكية اللاتينية – الصينية، والروابط المتنامية بين الهند وأمريكا اللاتينية، والفرص والمخاطر التي تواجهها المنطقة من أجل التقدم.
أما الجزء الثاني، فيحتوي على خمسة فصول، يأخذ المؤلفان فيها نظرة أقرب على أسئلة السياسة الحرجة من بينها الطاقة، والأمن الغذائي، والتجارة، والهجرة، والاعتبارات الأمنية الخارجية. ويتألف الجزء الثالث بعنوان «تفاعل الصين والهند مع اللاعبين الرئيسيين في أمريكا اللاتينية» من ثلاثة فصول هي: تشيلي: جسر إلى آسيا؟، وعلاقة المكسيك مع الهند والصين، والأرجنتين والبرازيل: نحو استراتيجية أطلسية؟ أما الجزء الختامي فهو بعنوان «السيناريوهات المستقبلية لعلاقات أمريكا اللاتينية مع الهند والصين».

البعد الأمني والعسكري

يعالج البروفيسور آ.إيفان إيليس ارتباط الهند والصين الأمني والعسكري مع دول أمريكا اللاتينية خلال الفصل التاسع، إذ يشير إلى أنه كما في مجالات أخرى من العلاقات الثنائية، طورت الصين حضوراً كبيراً جداً لها في المنطقة أكثر من الهند، لكن في كلتا الحالتين، النشاطات العسكرية من قبل العملاقين الآسيويين في أمريكا اللاتينية أكثر مما يعلمه معظم الناس، خاصة في السنوات الأخيرة. ويوضح أن مبيعات الأسلحة والارتباطات العسكرية – العسكرية، المقترنة مع قضايا أوسع مرتبطة بالروابط التجارية، خففت التأثير الأمريكي في المنطقة، وأن مثل هذا الارتباط العسكري أساساً يغير الديناميات الأمنية للنصف الغربي من الكرة الأرضية.
ويضيف أن شركات الأسلحة الصينية باعت أنظمة عسكرية متطورة إلى فنزويلا وأعضاء متعاطفين سياسياً من التحالف البوليفاري لشعوب قارتنا الأمريكية (ألبا)، وهما بوليفيا والإكوادور. وتضمنت المبيعات أنظمة الرادار، وطائرات مقاتلة، وطائرات نقل عسكري، مركبات هجومية برمائية، قاذفات صواريخ، وقاذفات قنابل فردية، بالإضافة إلى منتجات غير قاتلة أقل تطوراً. أما بالنسبة لمحاولات توسيع مبيعات الأسلحة إلى الدول الأخرى، مثل الأرجنتين وبيرو، فقد كانت أقل نجاحاً نتيجة للعوائق المتعددة والإلغاءات في آخر دقيقة، لكن ازدادت في المناطق التي يظهر أنها تسعى إلى التحرك نحو الأمام. ويعلق الكاتب: «وفي هذا الجانب، لم تقم الصين فقط بتوسيع خيارات مشتريات الأسلحة بالنسبة لدول مارقة مثل فنزويلا، التي لا يمكن أن تشتري الأسلحة من الولايات المتحدة، بل قامت أيضاً بعرض أسعار أرخص بشكل عام من المنافسين، إلى جانب تمويل من البنوك الصينية».
أما بالنسبة لمبيعات الأسلحة الهندية إلى المنطقة، يشير الكاتب إلى أنها كانت متواضعة من حيث المقارنة، وقد كانت مقتصرة بشكل رئيسي على طائرات الهليكوبتر الخفيفة والشاحنات العسكرية الخفيفة. وعلى العموم، دفعت الجهود المشتركة بين مؤسسة التنمية وأبحاث الدفاع الهندية ووزارة الدفاع البرازيلية والشركة الجوية البرازيلية «إمبراير» إلى إنتاج منصة رادار محمولة جواً. وأيضاً في أوائل 2014، رخصت وزارة الدفاع الهندية بيع صواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت، إذ أبدت فنزويلا اهتماماً بها.
ويعلق: «من بين المخاوف التي أثارها بيع الأسلحة المتطورة هو وصولها إلى أيدي رجال الجريمة المنظمة والتنظيمات الإرهابية. علاوة على ذلك، في الوقت الذي تقود فيه المصالح التجارية الجهود لتحسين شبكات النقل والبنية التحتية الأخرى ضمن أمريكا اللاتينية، فإن النشاطات غير القانونية سوف تجد أيضاً وصولاً أسهل إلى المناطق المعزولة في السابق. والمزيد من الحضور المادي المتأسس للشركات الآسيوية والجهات الفاعلة الأخرى في أمريكا اللاتينية يمكن أن تترجم إلى قوة اقتصادية أكبر و«قوة ناعمة» في المنطقة. تثير الجريمة المنظمة عبر المحيط الهادي أيضاً قلقاً متنامياً. كما أن حدوث تهريب البشر والمخدرات، وبيع السلع المهربة والسلائف الكيمياوية، وغسل الأموال والتجارة غير الشرعية في المعادن واضحة، والحكومات على طرفي المحيط الهادي أثبتت ضعف التجهيز لديها في التعامل مع هذه التحديات».
ويوضح إيليس في النهاية أن التأثير المتنامي للعملاقين الآسيويين في المنطقة لم يتمكن فقط بشكل غير مباشر في المساعدة على إطالة حياة الأنظمة الشعبوية المعادية للولايات المتحدة (بشكل خاص في حالة ارتباط الصين مع فنزويلا والإكوادور)، بل أيضاً في إعادة تشكيل السيناريوهات العسكرية المستقبلية، خاصة بين الولايات المتحدة والصين، حيث يمكن أن تختار بعض حكومات أمريكا اللاتينية الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة، وتسمح للصين في الوقت ذاته بالوصول إلى الموانئ الاستراتيجية والمطارات والبنية التحتية الأخرى.

سيناريوهات مستقبلية

من بين المواضيع المهمة التي يركز عليها العمل هو الوعي المتزايد لدى حكومات أمريكا اللاتينية بالمخاطر المرتبطة بأنماط التجارة والبضائع المتأسسة التي تستخدم للتصنيع بين أمريكا اللاتينية والصين منذ سنوات التسعينات، وبشكل متزايد بين أمريكا اللاتينية والهند. ويبين المؤلفان أن إحدى الأولويات الطويلة المدى الأكثر أهمية في المنطقة هي تطوير استراتيجيات مؤثرة لتنويع التجارة وتحسين سلسلة الإنتاج ذات القيمة المضافة لتكون أكثر تنافسية في الاقتصاد العالمي المعقد بشكل متزايد. وسيكون الاستثمار في الأبحاث والتنمية ورأس المال البشري والبنية التحتية مطلوباً. كما يتضح أيضاً أنه في الوقت الذي تتعمق فيه الروابط مع العملاقين الآسيويين، تظهر تحديات وفرص جديدة في جوانب مثل الهجرة والأمن. وينبغي على حكومات أمريكا اللاتينية أن تبتكر خططاً وسياسات شاملة طويلة المدى لمعالجة الجوانب التي تتسم بالأهمية الاستراتيجية المتزايدة، وتدعم على نحو أكثر القطاعات التي تعود عليها بالفائدة التنافسية، وتفتح قنوات لموارد مؤثرة من شأنها أن تزيد في النمو.
في الفصل الختامي، يقدم الأستاذان الجامعيان موريشيو ميسكيتا و ثيودر خان مجموعة من الخيارات لأمريكا الشمالية من شأنها أن تزيد من الفوائد وتقلل من المخاطر الناجمة عن الروابط المتنامية لهذه الدول مع الصين والهند. ولتوضيح السيناريوهات المستقبلية المتعلقة بارتباط أمريكا اللاتينية مع الهند والصين التي ربما تتكشف مع الأيام، يقدم المؤلفان «سيناريو»الحلم و«سيناريو»الكابوس«فيما يتعلق بعلاقات المنطقة مع كل من العملاقين الآسيويين، أسوأ سيناريو للعلاقات الأمريكية اللاتينية – الصينية هو الذي تلجأ فيه الصين إلى استخدام قوتها الاقتصادية والجيوسياسية لتملي شروطها في العلاقات مع دول أمريكا اللاتينية، وأبعد من ذلك هو الذهاب في إخضاعهم لمصالحها.
أما السيناريو الحلم على صعيد العلاقات الأمريكية اللاتينية – الصينية فهو الذي يدعم فيه التعاون الاقتصادي والدبلوماسي مجموعة من الخطط والسياسات التي تهدف إلى خلق فرص متزايدة لتنويع التجارة نحو صادرات أكثر، ذات قيمة مضافة وجذب الاستثمارات الصينية في الجوانب التي تدعم النمو والتنافسية المتنامية.
وبالنسبة للعلاقات الأمريكية اللاتينية – الهندية، فلن يبدو السيناريو«الكابوس» مختلفاً كثيراً عن الوضع الراهن – فالحمائية على الجانبين سوف تستمر لتحدد فرص الاستثمار والتجارة.
أما السيناريو الحلم، فيتكون من استثمارات وتجارة متنامية بشكل مستقر، والحكومات تعمل معاً لإزالة الرسوم الجمركية العالية والمشكلات في الاتصال، مع إفساح المجال أمام القطاع الخاص ليلعب دوراً مهماً.

إصلاحات مهمة

يجد كاتبا هذا الفصل أن الديناميات التي تشكل مستقبل العلاقة مع العملاقين الآسيويين مرتبطة بشكل رئيسي مع مسألة كيف يمكن توسيع حجم الاستثمارات والتجارة بطريقة تمضي فيه المنطقة على مسار النمو المستدام عبر تقوية تنافسيتها على المستوى العالمي، وفي الوقت نفسه تعالج أيضاً القلاقل الاجتماعية والبيئية المستمرة. في حالة علاقات أمريكا اللاتينية مع الصين، فإن الاتجاه الذي يقرر الجيل الخامس من القيادة حالياً تحت رئاسة شي جين بينغ، أن يأخذه من ناحية استراتيجية البلاد الاقتصادية سيكون عاملاً حاسماً.
أما مستقبل العلاقة مع الهند، فسيكون مرتبطاً بشكل كبير مع نجاح حكومة مودي في تنفيذ الإصلاحات المهمة مثل: إزالة رسوم التعريفة الجمركية والعوائق الأخرى أمام التجارة والاستثمار. ويؤكد المؤلفان أن الخطوة الأولى والأهم لحكومات أمريكا اللاتينية هي القيام بإصلاحات داخلية تدفعها إلى المشاركة في طاولة التفاوض من موقع قوة أكبر، وعدم الاكتفاء بإصلاحات صورية بعيدة عن روح المواطن في أمريكا اللاتينية التي من الممكن أن تشهد اضطرابات سياسية في أي وقت، بسبب العوامل المساعدة سواء على الصعيد الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي أو الديمقراطي.

 

You may also like...