أوراق قطر

تأليف: جورج مالبرونو وكريستيان شينو

إعداد: سعد عبد العزيز

الحلقة الرابعة

صدر مؤخراً في المكتبات والفضاءات الثقافية الفرنسية والأوروبية، كتاب جديد للصحفيين الفرنسيين البارزين: جورج مالبرونو ( من صحيفة لو فيجارو)، وكريستيان شينو (من إذاعة فرانس أنتير)، بعنوان: «أوراق قطر»؛ وذلك على غرار فضيحة «أوراق بنما»، التي تفجرت قبل عامين. والكتاب يتضمن أدلة على دور قطر في تمويل الشبكات الإرهابية لجماعة «الإخوان» الإرهابية في أوروبا، وكيف توزع أموال الشعب القطري على الجمعيات والنوادي والمساجد والأشخاص في محاولة لاستمالتها والسيطرة عليها؛ كي تتحول إلى مراكز تدور في فلكها.

عندما تصل إلى «المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية» في سانت ليجيه دو فوجوريه في منطقة لا نييفر الفرنسية أو «الكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية وتكوين الأئمة»، تشعر أنك غارق في قلب الطبيعة الخضراء؛ لأن المبنى الذي تم تحويله إلى معهد هو عبارة عن قصر قديم يعود إلى القرن التاسع عشر. مدير هذا المركز هو العربي بشري أستاذ الشريعة الإسلامية، الذي وصل من المدينة المنورة إلى سانت ليجيه دو فوجوريه في عام 1996 قبل أن يعين مديراً علمياً للمعهد ثم مسؤولاً عن المؤسسة برمتها، علماً بأنه عضو في المجلس الأوروبي للفتوى والأبحاث الإسلامية (دبلن)، وأحد الذين تأسسوا على يد يوسف القرضاوي.

ويشير بشري خلال مقابلة معه إلى أن دور المعهد يتمثل في نقل الدين الصحيح للمسلم الدارس؛ كي يمارس دينه بشكل صحيح. أما هاووس سانيجر المحاضر في العلوم السياسية في جامعة ليون، فيرى أن الكتب التي تدرس في المعهد، لا تتماشى مطلقاً مع قيم الجمهورية الفرنسية العلمانية، وأن غالبية هذه الكتب والمراجع يستند إليها «السلفيون» و«الإخوان» المسلمون؛ مثل: كتب يوسف القرضاوي وطارق رمضان. ويشير الكاتبان إلى أن بشري أكد لنا أن المعهد ليس جامعة لتدريس الجهاد، وقد اقتنعنا إلى حد ما بذلك؛ ولكن ماذا عن «الإخوان» المسلمين؟! يؤكد بشري أن هذا غير وارد أيضاً أبداً؛ ولكن ماذا عن مصدر التمويل؟! في هذا الصدد أيضاً يؤكد بشري، ويقسم أن المعهد يمول ذاتياً؛ لكن عندما دخل الأمر في موضوع الصيانة، وتوسعة المعهد، كانت إجابات بشري غامضة.

تأكيد ونفي

ويقول الكاتبان: إن نفي بشري لأي علاقة للمعهد مع «الإخوان» أو بمصادر التمويل مع قطر لم تقنعهما؛ ولذا اتصلا بشخصية مهمة، هي التي أسست «المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية»، وهو الفيزيائي العراقي زهير محمود العضو في ( UOIF)، والذي تقاعد من إدارة المعهد في عام 2018.

ويقول زهير محمود: عندما تأسس هذا المعهد في عام 1992 كان السؤال المهم، هل يجب أن يقتصر على أفراد تابعين ل«الإخوان» المسلمين أم يجب أن يدار من هؤلاء؛ لخدمة المسلمين؟ وفي النهاية، قررنا الإبقاء على الخيار الثاني، وتواصلنا مع القرضاوي؛ ليضع برنامجه الأكاديمي. ويقول الكاتبان: إن هذا الأمر يختلف كلياً مع ما قاله العربي بشري، الذي نفى أي علاقة مع «الإخوان».

فالتحقيقات التي أجراها الكاتبان تشير إلى خضوع بعض الطلاب لما يُسمى بقسم (البيعة)؛ أي الولاء للجماعة على حد قول لورينزو جي. فيدينو الخبير الإيطالي في الإسلاموية في أوروبا وأمريكا الشمالية. ويضيف جي. فيدينو أن الكثير من النشطاء والكوادر الذين يتبعون للجماعة في فرنسا وأوروبا تم تكوينهم في سانت ليجيه دو فوجوريه؛ مثل الألماني الإمام بنيامين إدريس إمام مسجد ميونخ.

يشار إلى أنه بعد أحداث 11 سبتمبر/‏أيلول 2001 في الولايات المتحدة، توقف تمويل المعهد من جانب عدد من المحسنين في عدد من دول الخليج، وعرف المعهد صعوبات كبيرة، إلا أن «مؤسسة قطر الخيرية» هي التي أنقذت الموقف بطرق لا تخلو من المواربة. وفي كتابه «المقاومة» كشف الصحفي في صحيفة «لا كروا» عن مذكرة صادرة عن جهاز المخابرات العامة الفرنسية، تعود للعام 2007 تثبت ارتباطاً تمويلياً مباشراً للمعهد مع «مؤسسة قطر الخيرية»، وتشير المذكرة إلى توقيف رجال المخابرات لمحمد كرموص في محطة قطارات بونتارليه، حين كان قادماً من زيوريخ، ومعه حقيبة تحتوي على 50 ألف يورو موجهة للمعهد. وعندما طرح السؤال على زهير محمود، قال: إنها أكاذيب، ولم نتلق أي حقائب مالية؛ ولكن عندما عرضنا عليه مذكرة المخابرات، أجاب: نعم هذا صحيح، وكانت هذه الحقيبة الوحيدة، ولم تتكرر بعدها، ولقد تمت مصادرة هذا المال، ولم نحصل سوى على 25 % منه. وللأسف تظهر الوثائق المتوفرة بين أيدينا كما يقول الكاتبان: إن «مؤسسة قطر الخيرية» حولت 120 ألف يورو أخرى للمعهد في عام 2012، وكذلك مليون يورو في عام 2014 من فرعها بلندن للمعهد و«جمعية مسلمي الألزاس». ويذكر الكتاب أنه ليس محض صدفة أن يكون فرع المعهد – باريس قد زرع بالتحديد في منطقة سين -سانت دوني، فهذه المنطقة هي معقل ل«الإخوان» المسلمين؛ لأن مكان التجمع في فرنسا يقع في منطقة مجاورة هي لا كورنوف شارع برفوتيه، كما أن مسجد سان دوني الكبير ليس بعيداً عن المعهد، وقد بلغت كُلفته 6 ملايين يورو؛ منها 339500 يورو محولة من «مؤسسة قطر الخيرية» وفقاً للوثائق. ومن الواضح أن بناء الإسلام الفرنسي، وتكوين الأئمة، والكوادر الدينية؛ يمثل أولوية لحركة مسلمي فرنسا وملحقاتها؛ لأنها تعد بنى أساسية؛ مثل إعادة أسلمة المجتمع، وتجديد هويته؛ وفقاً لتعاليم يوسف القرضاوي و«مؤسسة قطر الخيرية».

لغة مزدوجة

أبوبكر الحاج عمر، إمام جامع بواتييه الكبير، وأحد أهم الكوادر في حركة «الإخوان» في فرنسا له حنين إلى الماضي؛ حيث يقول في مقابلة مع الصحفيين: كان التمويل قبل ذلك من الخارج منفتحاً وبلا تعقيدات، فعندما تمتلك مشروعاً كمشروعنا، كنت تتوجه إلى إحدى الدول الخليجية، وهناك توجد شبكات مفيدة من «الإخوان» المسلمين تتيح لك التعرف إلى الآخرين؛ لكن هذه الدول أوكلت منذ فترة مساعداتها لجمعيات ومنظمات بدلاً من الأفراد وبالتالي، فإن الأمر بات أكثر صعوبة. ومثل أي شخص منخرط في حركة «الإخوان» ينفي أبو بكر الحاج عمر أي تمويل خارجي؛ ولكن مع الوقت يقول لا بد لنا أن نبحث عن التمويل؛ حيث وجدناه؛ لكن من دون الرضوخ لشروط الممول الأجنبي. وهنا أظهرت تحقيقاتنا على حد قول الكاتبين أن مبلغ ال 1.2 مليون يورو الذي ادعى أبو بكر الحاج عمر أنه هبة من( UOIF) كان في الحقيقة من «مؤسسة قطر الخيرية»؛ وذلك ما أظهره جدول جامع لكل الاستثمارات من الخارج، فضلاً عن أن مذكرة من المخابرات العامة تعود للعام 2008 أظهرت استفادة المسجد من 35501 يورو حُولت إلى حساب «جمعية أمل» و«جمعية مسلمي الألزاس» من «مؤسسة قطر الخيرية».

الكاتبان يشيران إلى أن اللغة التي يتحدث بها «الإخوان» المسلمون تحتمل عدة معان، فما يصرحون به بالعربية يختلف عما يصرحون به بالفرنسية. فمثلاً عندما يصرح أبوبكر الحاج عمر أنه لم يتلق سنتيماً واحداً من الدوحة، فإن ذاكراته تخونه؛ لأنه وفقاً لمذكرة تعود إلى 18 نوفمبر/‏تشرين الثاني 2012 فإن الجمعية تلقت 400000 يورو من قطر الخيرية. وفي 22 نوفمبر 2012 تلقت الجمعية 575000 ريال قطري، وعندما تم عرض الوثيقتين على أبو بكر عمر قال: إنه نسي. ويحاول أبو بكر عمر تبرير كلامه الذي أخرج من سياقه خلال مقابلة مع «قناة الغيث» القطرية، بخصوص تمويل مسجد بواتييه أو ( بلاط الشهداء ) في إشارة إلى المعركة التاريخية بين الفرنجة والمسلمين في عام 732، فقد قام أفراد من اليمين المتطرف بالتظاهر ورمي القاذورات على المسجد وحتى الصعود على السطح على الرغم من أن أبو بكر عمر لم يقل أي شيء خارج عن السياق القانوني في فرنسا.

ديسين معقل ل«الإخوان»

وفيما يتعلق بالمركز الإسلامي ليون-ديسين، أكد الإمام محمد مينتا أن مركزه لم يتلق درهماً من «مؤسسة قطر الخيرية»، وأنه بعيد كل البعد عن جماعة «الإخوان» أو من يتبعهم من المنظمات في فرنسا؛ بل إن المركز يأتي تمويله من مساعدات محلية؛ لكن مذكرة على شكل بريد إلكتروني داخلي تثبت أن المركز تلقى من قطر 60 ألف يورو في عام 2013، كما تثبت وثيقة أخرى تحويل مبالغ مالية من «قطر الخيرية» إلى عدة مراكز إسلامية في أوروبا في عام 2015. ويتساءل الكاتبان لماذا تم التركيز على مدينة ديسين في هذه التمويلات؟ يجيب الكاتبان بأن هذه المدينة هي معقل ل«الإخوان» المسلمين، وهي محاذية لجنيف؛ حيث يقيم الأخوان طارق وهاني رمضان، الوجهان المميزان لحركة «الإخوان» في أوروبا.

الجدير بالذكر أن مدينة ديسين معروفة في الأوساط «الإخوانية» على أنها تضم مدرسة الكندي الإسلامية الخاصة، والتي أحدث تأسيسها في عام 2007 زوبعة كبيرة كما حدث مع مدرسة ابن رشد في ليل؛ لأن الهدف منها كان دفع الطالبات المسلمات إلى تلقي تعليمهن وهن يرتدين الحجاب رداً على قانون مارس /‏آذار 2004 المتعلق بمنع حمل الرموز الدينية التفاخرية في المؤسسات المدرسية العامة. ويعود التساؤل مرة أخرى حسب الكاتبين: من الذي مول مشروع مدرسة الكندي الذي ترأسه نزار الحكيم وهو سوري معارض عمل كسفير للائتلاف المعارض في تركيا، وصرّح أن كل الأسلحة مشروعة لمحاربة بشار الأسد حتى أسلحة «جبهة النصرة»؟ ويرد الكاتبان ربما يقول قائل: المسلمون الذين يقيمون هم من يمول المشروع، ولكن أيضاً تم التمويل من جهات أخرى وفقاً لمذكرة جهاز المخابرات العامة في مايو/‏أيار 2008؛ حيث حولت «جمعية مسلمي الألزاس» إلى جمعية الكندي في ديسين 133 ألف يورو، تلقتها من «قطر الخيرية». ويشير الكاتبان إلى أن هذا المسار التمويلي يوضح مدى الصعوبات التي تواجهها السلطات المختصة، لتتبع مصدر الأموال المستثمرة في مشاريع تختلط فيها الديانة والتعليم والثقافة. إنه نوع من الخفاء يساهم في المحافظة على كل أشكال الأوهام، التي تبنى حول البنى المجتمعية الإسلامية.

موزاييك من المشاريع

والمشاريع التي تساهم في تنفيذها «قطر الخيرية» كثيرة فهي تمتد من الهافر وحتى مرسيليا، وتتراوح بين مصليات صغيرة ومساجد كبيرة؛ مثل: مسجد رينس أكبر المساجد في فرنسا، والذي يمتد على مساحة تبلغ 3750 متراً مربعاً، ويتسع لألفي شخص وترتفع منارته ل14 متراً. وقد بلغت كُلفة بنائه 7 ملايين يورو. ويعود التساؤل الكبير مرة أخرى من الذي مول مشروعاً بهذا الحجم والمرتبط بال( UOIF ) المعروفة بتبنيها لفكر «الإخوان» المسلمين؟ والإجابة بالطبع «قطر الخيرية» التي تمتلك نصيب الأسد في التمويل. وينسحب الأمر على مسجد السلام في نانت و«مركز عبد الله درويش الثقافي». وعندما نلقي نظرة على الكوادر التي تعمل في هذه المراكز نجدها قريبة كل القرب من قطر. ففي عام 2017 وصلت إلى المركز شخصية معروفة في جماعة «الإخوان» على مستوى فرنسا، وهو بشير بو زهير، أما الإمام فهو حسن بلقاسم المتخرج من «المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية» المعروف بانتمائه ل«الإخوان» المسلمين. ويقول محمد غيرومي أحد أركان المركز: يجب أن نفهم أمراً مهماً، وهو أن «الإخوان» في أوروبا يصلون إلى أهدافهم؛ من خلال القوانين الأوروبية نفسها، وهو ما يسميه منظرو «الإخوان» باستراتيجية «التمكين». ويضيف غيرومي أن مشروع ال( UOIF ) ليس دينياً، ولكنهم يستخدمون الدين؛ لتحقيق أهداف سياسية بمساعدة قطر وأحياناً تركيا. إنه الإسلام السياسي الذي يستفيد من التقارب التركي القطري. ويتجسد هذا الأمر في «جمعية مسلمي الهافر»، التي تدور في مدار «الإخوان» المسلمين بشكل لا لبس فيه، خاصة أن إدارتها استمرت لفترة طويلة مع منصف زناتي الذي كان يستقبل شخصيات «إخوانية» معروفة؛ مثل: هاني رمضان ونبيل أنصاري وكذلك عمار الأصفر، إلى درجة أن البعض يرى في الهافر واجهة ل«الإخوان» المسلمين. ولا شك أن الأمر سيان بالنسبة لجمعية كلير مون فيرون ومسجدها السلام، ففي عام 2016 طلبت الجمعية من «قطر الخيرية» فرع لندن مساعدة مالية بلغت 7 ملايين يورو؛ لكنها لم تتلق كل الدعم كما أكدت تحقيقات الكاتبين.

You may also like...