إلياس كانيتي يرسم «أصوات مراكش»

%d8%a5%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%b3-%d9%83%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%aa%d9%8a-%d9%8a%d8%b1%d8%b3%d9%85-%d8%a3%d8%b5%d9%88%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%b1%d8%a7%d9%83%d8%b4

سلمان عز الدين

عندما أعلن عن فوز إلياس كانيتي بجائزة نوبل للأدب (1981).. سادت الحيرة أوساط النقاد والقراء المتابعين، ذلك أن الرجل كان شبه مجهول، مع التباس في هويته وتخصصه ونوعية إنتاجه الإبداعي. هو إنجليزي من أصل بلغاري، عاش في ألمانيا ودرس في فيينا ومات في سويسرا، ورغم أنه حمل نوبل ككاتب إنكليزي إلا أنه كان يكتب بالألمانية، وكذلك هو كيميائي أصلاً إذ نال درجة الدكتوراه في الكيمياء عام 1929 من جامعة فيينا، ومع أنه تفرغ للأدب غير أن إنجازه الأبرز كان عملاً غير أدبي، ف«الحشد والسلطة»، (الجمع والسلطان في ترجمة أخرى)، والذي استغرق إعداده أكثر من 15 سنة (صدر عام 1960)، هو كتاب تنظيري يدور حول الظاهرة الجماهيرية عبر العصور.

عربياً لا يزال كانيتي غير معروف تقريباً، ولولا كتابه «أصوات مراكش»، وآراء شائعة له عن كافكا، منثورة هنا وهناك، لكان الاسم بلا أي صدى.

لم يخف كانيتي افتتانه بكافكا، حتى أنه ألف عنه كتاباً بعنوان «المحاكمة الأخرى رسائل كافكا إلى فيليس» قدم فيه خلاصة قراءاته الذكية والطريفة لرسائل كافكا إلى خطيبته، متتبعاً أثر «الخلفيات والأسس التي قامت عليها بعض الأحداث الحاسمة في رواية المحاكمة»، مؤكداً أن هذه الرواية هي «عاقبة محاكمة أخرى جرت بين فرانز كافكا وفيليسباور طوال خمسة أعوام».
وعن المسخ، قصة كافكا الشهيرة، يقول كانيتي: «أبدع كافكا قصة المسخ. كتب شيئاً لم يستطع بعد ذلك أن يتفوق عليه قط، وذلك لأنه لا يوجد شيء من شأنه أن يتفوق على المسخ، التي هي واحدة من الآثار الأدبية القليلة العظيمة والكاملة في القرن العشرين».
بتكثيف شديد، يدون كانيتي في «أصوات مراكش» رحلة قام بها في الخمسينات من القرن العشرين إلى المدينة المغربية الشهيرة. لا يعبأ بتقديم وصف بانورامي للمدينة وسكانها، ولا يحفل بتدوين الوقائع والتفاصيل اليومية العادية، كما لا يقدم شروحاً لحيثيات الرحلة ومناسبتها ومقاصدها. وليس هناك الكثير عن الجغرافيا والبيئة والعادات والتقاليد وأنماط التفكير وفنون العمارة.. أو أي شيء آخر مما تحفل به كتب الرحلات عادة. فقط ثمة صور مختارة بعناية، وكأن المؤلف رسام توقف عند مناظر محددة فاختزل بها المكان والرحلة.

غير أن صورة الرسام تبدو مجافية للدقة، ذلك أن كانيتي عني بالأصوات أكثر (ومن هنا جاء عنوان الكتاب): أصوات الباعة، أصوات الإبل، أصوات العميان، أصوات الدراويش والكتبة والحكواتية.. حتى لتبدو مراكش وكأنها مختبر، وسيلة لامتحان كنه اللغة وماهية الأصوات. والمؤلف هو ذلك المستكشف الغريب الذي يأتي بلا أفكار مسبقة، مصراً على تجاهل المرويات الشائعة والصور السابقة والاختزالات التي رسخها السياح والمختصون، بل إنه يصر على عدم الإلمام بقواعد اللغة العربية أو بمعاني الكلمات ودلالاتها.. يأتي ليستمع فقط، مستخدماً أذنين مرهفتين، وحدساً قوياً مشحوذاً، وتعاطفاً إنسانياً يتجاوز الحدود والفواصل والاختلافات.
يكتب كانيتي: «ثمة حلم، رجل يفقد معرفته بلغات الدنيا، حتى ما يعود ثمة مكان على الأرض يفهم ما يقوله أهله.. ما الذي يكمن في غور اللغة؟، ما الذي تخفيه؟، ما الذي تسلبه من المرء؟. خلال الأسابيع التي أمضيتها في مراكش لم أبذل محاولة للإلمام بالعربية.. فقد رغبت في ألا أفقد شيئاً من قوة هذه الصيحات غريبة الوقع. أردت أن تؤثر فيّ الأصوات بقدر ما يكمن في قدرتها، دون أن تخففها معرفة معيبة ومصطنعة من جانبي».
معظم هذه الأصوات لا تذهب هباء بعد أن تُسمع، بل إنها تخلف آثاراً لا تمحى في مكان ما من النفس، العقل. بعضها يجد تأويلاً فورياً، وبعضها الآخر يحتاج أشهراً، وربما سنوات. فبعد فترة من مغادرته مراكش، حيث التقى جمعاً من العميان يكررون على مدار الساعة جملة واحدة من الابتهال، ها هو الكاتب يصل إلى فهم «السحر الكامن في حياة تجرد كل شيء إلى أبسط ضروب التكرار. ترى أي اختلاف عن هذا في حياة الحرفيين الذين شهدتهم عاكفين على عملهم في محالهم الصغيرة؟ أي فارق في جدال التجار؟، في خطى الراقص؟، في الأقداح التي لا حصر لها من الشاي بالنعناع التي يشربها الزوار هنا؟، أي قدر من الاختلاف في المال؟، أي قدر منه في الجوع؟. أدركت من هم أولئك العميان حقاً: إنهم قديسو التكرار، لقد تآكل من حياتهم معظم ما لا يزال يراوغ التكرار في حياتنا، هارباً منه».
كثير من المشاهدات تولد أفكاراً كهذه، وبينما يتكرر الحديث عن غياب مظاهر الرفق بالحيوان في المدينة، فإنه قلما يحضر الناس بوصفهم شخصيات تحمل رؤى وأفكاراً وتعبر عن نمط حياة متكامل. إنهم فقط وجوه وأصوات وصور من ممارسات محددة، والقليل ممن حضر كان ينتمي إلى نماذج فاسدة: ابن ثري يعيش حياة مجون، وفتاة ضائعة، وتاجر إبل قاس وفظ.. غير أن المؤلف لا يتوانى، بالمقابل، عن التغزل بالوجوه السمراء الجميلة، وبحبور الفتية المنطلقين في الشوارع، وبالعيون التي تشع ذكاء. على كل فكانيتي لا يتورط في أحكام قيمة. يشاهد فقط، أو بالأحرى: يستمع، ثم يترك العنان لمشاعره وتأملاته.
وإذا كانت هذه الأصوات والوجوه والصور المنتقاة لا تنجح في تقديم صورة عامة، فهي تتشابك في النهاية لتخلف إحساساً بالمعرفة من نوع آخر، معرفة لا تستطيع عبرها أن تتحدث عن سمات مؤكدة أو أحكام تتمسح بالحقيقة العلمية أو معلومات مجردة.. بل تجعلك تشعر بروح المدينة وتتفهم أهلها وتحن إلى شوارعها وساحاتها وبيوتها، وكأنك عشت هناك زمناً.. فضلاً عما تثيره قراءة الكتاب من إغواء بتكرار التجربة: السفر إلى أمكنة غريبة، بلا دليل ولا كتب ولا أفكار مسبقة.. فقط من أجل الإصغاء إلى أصواتها.
هناك نافذة أخرى أطل منها قراء العربية على كانيتي، ففي كتابه الذي ترجم إلى العربية منذ سبع سنوات، «فهود في المعبد»، يسهب الكاتب الألماني ميخائيل مار في الحديث عن صاحب «أصوات مراكش». ولكن ثمة صورة صادمة عن كانيتي، ومار يكرر أوصافاً قاسية بحقه «كاره البشر، ذو الرأس الخشبي العنيد، القزم الشرير».. مؤكداً أنه باستثناء الاتفاق على عمل ثانوي (هو كتاب أصوات مراكش) فإن بقية أعمال كانيتي لا تزال مثار خلاف. وعن مذكراته التي صدرت في ثلاثة أجزاء، يقول:«عموماً فقد نالت تلك المذكرات والشذرات، باستثناء بعض السهام السامة الصائبة وبعض الدرر، تقديراً مبالغاً فيه». ويسخر مار من «شذرات» كانيتي: «يمكننا أن نقلب ثلث شذراته بشكل عشوائي دون أن نلحظ إطلاقاً أن الجملة فقدت معناها». ويضيف: «القدرة على الكراهية، والتي نكاد أن نصفها بالموهبة، ليست مجرد سمة في شخصيته بل قد لعبت دوراً جوهرياً في إنجازه الأدبي».
لا أثر لهذه الكراهية في «أصوات مراكش»، فهل هو استثناء من حيث العاطفة أيضاً؟.

قد يعجبك ايضا ...