ابن سينا يبتعد بالطب عن الخرافة والشعوذة

%d8%a7%d8%a8%d9%86-%d8%b3%d9%8a%d9%86%d8%a7-%d9%8a%d8%a8%d8%aa%d8%b9%d8%af-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a8-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b1%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d9%88
القاهرة: «الخليج»

إنه الشيخ الرئيس «ابن سينا»، وإنه كتاب «القانون في الطب» الذي وصل صداه إلى أوروبا، فترجمه «جيرار دي كيمون» من العربية إلى اللاتينية، في منتصف القرن الثاني عشر، وترجم إلى العبرية عام 1279، وظل المرجع الرئيس في العلوم الطبية في أوروبا، حتى أواخر القرن السابع عشر، وكان مقرراً في كليات الطب في إيطاليا وفرنسا حتى عام 1650، وكانت الترجمة اللاتينية للكتاب أول ما طبعه جوتنبرج عام 1472 في مطبعته.
ولد ابن سينا في قرية قريبة من بخارى التي بدأ فيها رحلة تلقي العلوم، حيث حفظ القرآن بأكمله وعمره لم يتجاوز العاشرة، ثم تلقى علوم الفقه والأدب والفلسفة والطب، وبدأ نبوغه منذ صغره، إذ يُحكى أنه قام وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة بعلاج السلطان نوح بن منصور الساماني، وكانت هذه هي الفرصة الذهبية التي سمحت له بالالتحاق ببلاط السلطان، الذي وضع مكتبته الخاصة تحت تصرفه.
كان ابن سينا يقول إن «علم الطب ليس من العلوم الصعبة فلا جرم أني برزت فيه في أقل مدة» وبذلك كان أحد أطباء الإنسانية الأشهر، وقد اعتمد على التجربة والملاحظة حتى وصل إلى نتائج طبية مبتكرة، وكان يقول: «تعهدت المرضى فانفتح علي من أبواب العلاجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف» واستطاع بمنهجه العلمي أن ينأى بالطب بعيداً عن الشعوذة والخرافة، فكان أول من اكتشف الإنكلستوما التي أعاد اكتشافها الإيطالي دوبيني بعده بنحو 900 سنة، كما وصف الالتهاب السحائي، وفرّق بين الشلل الناجم عن سبب داخلي في الدماغ والشلل الناتج عن سبب خارجي، أيضاً وصف السكتة الدماغية الناتجة عن كثرة الدم، وفرّق بين المغص المعوي والمغص الكلوي، وكشف طرق العدوى لبعض الأمراض المعدية، وغيرها من الاكتشافات التي جعلته يتصدر قائمة العباقرة.

لما نبغ ابن سينا في الطب قام بعلاج المرضى بالمجان، واستطاع أن يقدم للإنسانية أعظم الخدمات والاكتشافات والابتكارات التي فاقت عصرها، بالقياس إلى إمكانات ذلك العصر، ومدى ما وصلت العلوم فيه آنذاك، فإليه يرجع الفضل في اكتشاف العديد من الأمراض التي ما زالت منتشرة حتى الآن، وكان صاحب الفضل في علاج القناة الدمعية، وهو الذي أوصى بتغليف الحبوب التي يتعاطاها المريض. كما كان لابن سينا باع كبيرة في مجال الأمراض التناسلية، فوصف بعض أمراض النساء مثل الانسداد المهبلي، والإسقاط، والأورام الليفية، وتحدث عن الأمراض التي يمكن أن تصيب النفساء؛ مثل النزيف، واحتباس الدم، وما قد يسببه من أورام وحميات حادة، وأشار إلى أن عفن الرحم قد ينشأ من عسر الولادة أو موت الجنين، وهو ما لم يكن معروفاً من قبل، كما تعرض للذكورة والأنوثة في الجنين، وعزاهما إلى الرجل دون المرأة، وهو الأمر الذي أكده العلم الحديث.
يظهر ابن سينا براعة كبيرة ومقدرة فائقة في علم الجراحة؛ فقد ذكر عدة طرق لإيقاف النزيف؛ سواء بالربط، أو إدخال الفتائل، أو بالكي بالنار، أو بدواء كاوٍ، أو بضغط اللحم فوق العرق، كما تحدث عن كيفية التعامل مع السهام واستخراجها من الجروح، وحذّر المعالجين من إصابة الشرايين أو الأعصاب عند إخراج السهام من الجروح، كما نبه إلى ضرورة أن يكون المعالج على معرفة تامة بالتشريح.
في نهاية حياته أصاب جسده المرض، حتى قيل إنه كان يمرض أسبوعاً ويشفى أسبوعاً، وأكثر من تناول الأدوية، لكن مرضه اشتد، وعلم أنه لا فائدة من العلاج، فأهمل نفسه، واغتسل وتاب، وتصدق بما لديه من مال للفقراء، وأعتق غلمانه طلباً للمغفرة، وبدأ بختم القرآن كل ثلاثة أيام، وتوفي في يونيو/ حزيران 1037 ميلادية، في سن الثامنة والخمسين، ودفن في همدان بإيران.
كان الأتراك أول من احتفلوا بذكرى ابن سينا، عندما أقاموا عام 1937 مهرجاناً ضخماً بمناسبة مرور 900 سنة على وفاته، ثم حذا حذوهم العرب والفرس، حيث أقيم مهرجان للاحتفال به في كل من بغداد عام 1952 وفي طهران 1954، وفي عام 1978 دعت منظمة اليونيسكو أعضاءها للمشاركة في احتفال إحياء ذكرى مرور ألف عام على ولادة ابن سينا، وأقيم الاحتفال عام 1980 في دمشق.

You may also like...