الأنباري..الشعر قلب العربية

نزعة عقلانية في الدفاع عن اللغة

 

إعداد: محمد إسماعيل زاهر

«قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل/ بسقط اللوى بين الدخول فحومل» يتجول الأنباري بقارئه في كتاب «شرح القصائد السبع الطوال»، عندما يدرس البيت الأول من قصيدة امرئ القيس الشهيرة بين فضاءات متعددة من المتعة والدهشة، هو يقف عند كل مفردة، شارحاً معناها، ومستشهداً بالكثير من الأشعار لتأكيد المعنى الذي يذهب إليه، فضلاً عن الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، ويخصص للبيت الشعري الواحد عدة صفحات، فلا ينتهي القارئ من شرح الأنباري لقصيدة من القصائد السبع الطوال إلا ويكون مزوداً بجرعة معرفية موزونة حول القصيدة وصاحبها ومفرداتها، وكيفية توظيف المفردة في البيت الشعري لغوياً ونحوياً ودلالياً، ومن مطالعتك لمئات الأسماء والأماكن والوقائع التي يوردها الأنباري، تخرج بنتيجة مضمونها أن الكتاب الذي خصصه صاحبه للشعر فتح أمامك فضاء أوسع على اللغة، وذلك الفضاء أحالك بدوره إلى الإطار الأشمل، ونعني به الثقافة العربية.
تبدأ المتعة في كتاب الأنباري من الصفحة الأولى، عندما يحدثنا مثلاً عن طرائق نطق اسم امرئ القيس: «يقال قال امرؤ القيس، بضم الراء والهمزة، وقال امرؤ القيس، بفتح الراء وضم الهمزة، وقال مرء القيس، بضم الميم والهمزة بغير ألف، وقال مرء القيس، بفتح الميم وضم الهمزة»، ثم يسترسل في سرد قصة امرئ القيس وما قاله من أشعار خلال سيرة حياته التي كانت مدار بحث الكثير من الكتاب، حتى ينتهي إلى شرح القصيدة. يقول عند تحليل البيت القائل «وإن تك ُ قد ساءتك مني خليقةُ/ فسلي ثيابي من ثيابك تنسُل»: «إن تك موضع تك: جزم بأن، علامة الجزم فيه سكون النون، والواو من تكون سقطت لاجتماع الساكنين، والساكنان الواو والنون، والنون حذفت لكثرة الاستعمال، وشبهتها العرب بالواو والياء، فأسقطوها كما يسقطونهما.. فسلي ثيابك من ثيابي، أي: قلبك من قلبي، والثياب هنا كناية عن القلب، قال الله عز وجل (وثيابك فطهر)، معناه قلبك فطهر»، ثم يستشهد ببيت لعنترة وآخر لامرىء القيس نفسه، ثم يتابع: «كان طلاق أهل الجاهلية أن يسل الرجل ثوبه من امرأته، وتسل المرأة ثوبها».

مشاهير الأدباء

ولد أبو بكر محمد الأنباري في عام 271ه، في الأنبار، ورحل إلى بغداد وهو صغير، وتتلمذ هناك على أيدي أبيه القاسم بن محمد الأنباري وكان من علماء النحو، وأحمد بن يحيى المعروف بثعلب وابن دريد وغيرهم، وتتلمذ عليه الكثير من مشاهير الأدباء، ومنهم القالي والمرزباني والأصفهاني.. الخ. تميز بثقافة موسوعية، وكتب في علوم القرآن الكريم والحديث الشريف، واللغة والنحو، وبلغ مكانة مرموقة حتى اتخذه الخليفة الراضي بالله مؤدباً لأولاده، قال عنه الزبيدي: «كان من أعلم الناس بالنحو والأدب»، وقال عنه الأزهري في «تهذيب اللغة»: كان واحد عصره، وأعلم من شاهدت بكتاب الله ومعانيه وإعرابه.. وكان حسن البيان، عذب الألفاظ. كتب الأنباري الشعر، ومما نسبته بعض المصادر إليه:» حين ترديت رداء الهوى/ واستحكمت لي عقد الود. فرقت الأيام ما بيننا/ ما أولع الأيام بالبعد. توفي الأنباري في عام 327ه. ترك العديد من المؤلفات، منها: «الأضداد»، «مسألة في التعجب»، «شرح ديوان عامر بن الطفيل»، «الهاءات في كتاب الله»، «رسالة في غريب اللغة»، «المذكر والمؤنث»، «شرح خطبة عائشة أم المؤمنين في أبيها»، «شرح الألفات المبتدآت في الأسماء والأفعال»، «الزاهر في معاني كلمات الناس»، فضلاً عن الكثير من المصنفات المفقودة مثل التي أوردها ابن النديم في «الفهرست» وغيره، مثل: «الناسخ والمنسوخ»، «الواضح في النحو»، «المقصور والممدود»، «الهجاء»، «الضمائر في القرآن»، «شرح شعر الأعشى»، «شرح شعر النابغة»، «رسالة في شرح معاني الكذب»، «المجالسات» ويعتبر «شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات» أشهر كتبه.
تستمر مع شروح الأنباري لما أُطلق عليه لاحقاً المعلقات، فتقرأ مستمتعاً بشرحه لبيت طرفة بن العبد «سقته إياةُ الشمس إلا لثاته/ أُسف ولم تكدم عليه بإثمد»: «قوله: سقته إياة الشمس، معناه حسنته وبيضته وأشربته حُسنا. وإياة الشمس: ضوؤها وشعاعها، فأراد أن ثغرها أبيض براق. ويقال هو إياء الشمس، بالمد وفتح الألف، وهو إيا الشمس، بالقصر وكسر الألف. وقال الفراء: قد يكسرون ويدخلون الهاء فيقولون: إياة الشمس. وقال أحمد بن عبيد: سقته إياة الشمس، من قول الأعراب، إذا سقطت سن أحدهم، قال: يا شمس أبدليني سناً من ذهب أو فضة.«هنا يطوف الأنباري بين أكثر من عالم لغة ليشرح الكلمات والمعاني، يسير بين دروب اللغة، متتبعاً مداراتها وطرائق تشكلها لدى الأعراب، ليكشف عن جذر جملة بسيطة يكررها الأب أو الأم لأطفالهما في معظم البلدان العربية وتتعلق بأمنية أن تستبدل السن الساقطة بأخرى من ذهب وفضة.

يتحول الأنباري إلى جغرافي وهو يبحث عن مكان «الرقمتين» في الشطر الأول من البيت الثاني في معلقة زهير بن أبي سلمى «ديارٌ لها بالرقمتين»، قائلاً: «الرقمتان: إحداهما قرب المدينة، والأخرى قرب البصرة.. وقال الكلابي: الرقمتان بين جُرثُم وبين مطلع الشمس لأرض بني أسد، وهما أبرقان مختطلتان بالحجارة والرمل. والرقمتان أيضاً: حذاء ساق الفرو، وساق الفرو: جبل في أرض بني أسد. والرقمتان أيضاً بشط فلج، أرض بني حنظلة». أو وهو يسرد الأمكنة التي تمتلىء بها معلقة لبيد بن ربيعة.
وعلى هذا النحو يستمر الأنباري في شرحه وتحليله لقصائد عنترة وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة ولبيد بن ربيعة، يسرد سيرهم وأشعارهم الأخرى وأبرز المحطات في حياتهم، ثم ينتقل إلى المعلقة، مع عنترة نشعر بشرح الأنباري القصير للأبيات، وربما ينبع هذا من الصور والأخيلة التي تلهث وراءها في تلك المعلقة، وأحياناً ما تجده يشرح البيت في سطر أو سطرين، «يدعون عنتر والرماح كأنها/ أشطانُ بئر في لبان الأدهم»، يقول الأنباري موجزاً عن هذا البيت: «معناه كأن الرماح حين أشرعت إليه في طولها حبال». وهو المنهج نفسه الذي يتبعه مع قصيدة عمرو بن كلثوم، يقول شارحاً بيت «وأنا المانعون إذا قدرنا/ وأنا المهلكون إذا أتينا»: «معناه: ننعم على من أسرنا بالتخلية، ونهلك من أتانا، يغير علينا».
ويلاحظ كذلك أن الأنباري يشك أحيانا في نسبة بيت إلى قصيد، كما علق على بيت عمر بن كلثوم: «ليستلبن أبداناً وبيضا/ وأسرى في الحديد مقرنينا»، قائلاً: «وقال الفراء: قال المفضل: هذا البيت الذي أوله ليستلبن ليس من هذه القصيدة»، أو تعليقه على بيت عنترة: «هل غادر الشعراء من متردم/ أم هل عرفت الدار بعد توهم»، قائلاً: «سمعت أبا عمرو يقول: لم أكن أروي هذا البيت لعنترة، حتى سمعت أبا حزام العكلي ينشده له».

رؤية شاملة

أبدع الأنباري أيضاً كتاب «الأضداد»، باحثاً في ظاهرة شيوع الأضداد في العربية، مدافعاً عن اللغة تجاه الذين رأوا في هذه الظاهرة ضعفاً في العربية، يقول في مقدمة الكتاب: هذا كتاب ذكر الحروف التي تُوقعها العربُ على المعاني المتضادة، فيكون الحرف منها مؤدياً عن معنيين، ويظنُّ أهل البدع والزيغ والإزراء بالعرب، أن ذلك كان منهم لنُقصان حكمتهم، وقلة بلاغتهم، وكثرة الالتباس في محاوراتهم».
يعتبر الأنباري أشمل من كتب في هذا الموضوع، حيث تقرأ لديه الأضداد في المصادر، الأضداد في الظروف، الأضداد في الظروف، في التراكيب و حتى أضداد العربية في الألوان، يقول: «يقال: أحمر للأحمر، ويقال: رجل أحمر، إذا كان أبيض، قال أبو عمرو بن العلاء: أكثر ما تقول العرب في الناس: أسود وأحمر، قال: وهو أكثر من قولهم: أسود وأبيض»، ويمتعك وهو يكتب عن استخدام الضمير «نحن» للمفرد وللاثنين والجمع، يقول: «ومما يشبه حروف الأضداد (نحن)، يقع على الواحد، والاثنين، والجميع، والمؤنث، فيقول الواحد: نحن فعلنا، وكذلك يقول الاثنان والجميع والمؤنث، والأصل في هذا أن يقول الرئيس الذي له أتباع يغضبون بغضبه ويرضون برضاه، ويقتدون بأفعاله: أمرنا ونهينا وغضبنا ورضينا، لعلمه بأنه إذا فعل شيئاً فعله تُبّاعه، ولهذه العلة قال الله جل ذكره: أرسلنا، وخلقنا، ورزقنا، ثم كثر استعمال العرب لهذا الجمع حتى صار الواحد من عامة الناس يقول وحده: قمنا، وقعدنا، والأصل ذلك».
يتتبع الأنباري أسباب شيوع ظاهرة الأضداد في العربية من خلال رصده لتداخل اللهجات، وظاهرة القلب والإبدال..الخ. والأهم من ذلك محاولة الأنباري عقلنة اللغة حتى في الأسماء، يقول: «الأسماءُ كلّها لعلة؛ خَصّت العربُ ما خصّتْ، منها من العلل ما نعلمه، ومنها ما نجهلُه. فمكّة سُمْيت مكّةَ لجذْب الناس إليها، والبَصْرة سميت البصرة للحجارة البيض الرِّخوة بها، والكوفة سُمِّيت الكوفة لازْدحام الناس بها، من قولهم: قد تَكوَّف الرملُ تكَوُّفاً، إِذا ركبَ بعضُه بعضاً، والإِنسانُ سمّي إنساناً لنسيانه، والبهيمة سُمْيت بهيمة لأنها أُبْهِمَتْ عن العقل والتمييز، من قولهم: أَمْرٌ مُبْهَمٌ إِذا كان لا يعرف بابُه. ويُقَالُ للشجاع: بُهْمة، لأَنَّ مُقاتله لا يَدْري من أَيّ وجه يُوقِع الحيلَة عليه. فإِن قال لنا قائل: لأَيّ علّة سُمِّي الرجلُ رجلاً، والمرأَة امرأَةً، والموْصل الموصِلَ، ودعد دعدا؟ قلنا: لعلل علمتْها العرب وجهلناها، أَو بعضها، فلم تَزُلْ عن العرب حكمةُ العلم بما لحقنا من غموض العلة، وصعوبة الاستخراج علينا».
عاش الأنباري في عصر ازدهرت فيه العلوم كافة، وعلى رأسها علوم اللغة، ولذلك فلا غرابة أن نجد أي علم من هذا العصر كما يدقق في سلسلة الإسناد في علوم الدين، يحرص على ذلك أيضا في علوم الأدب ورواية الشعر، من هنا كثرة الرواة في الكتاب، لصحة نسب البيت إلى القصيدة وصاحبها، مع الذهاب إلى عكس ذلك إذا اقتضت الضرورة، ومن هنا أيضاً السعي الدؤوب في التدليل على سلامة البيت الشعري لغوياً بالاستشهاد بالقرآن والحديث والأشعار الأخرى، وأقوال الأعراب، أهل الفصاحة. ولم يتوقف إسهام الأنباري عند ذلك، بل كرس لجماليات العربية ونظر لها، ودافع عنها ضد ما يبدو للوهلة الأولى ضعفاً فيها، ثم ذهب إلى عقلنتها، باحثاً حتى في جذور الأسماء في زمن لم يكن يتضمن هذا الانقسام الحاد بين العلوم المختلفة، أو ذلك الجدل السخيف بين المنقول والمعقول.

 

قد يعجبك ايضا ...