الإمارات.. 10 أعوام من القراءة

خريطة طريق نحو مجتمع المعرفة

 

الشارقة: غيث خوري وعلاء الدين محمود
تدخل الإمارات مرحلة جديدة من التعاطي مع المعرفة بعد الإعلان عن سياسة وطنية للقراءة للعشرة أعوام المقبلة، وهو الأمر الذي يتوقع منه أن تصبح الإمارات في قلب الدول المتقدمة التي اتخذت من القراءة والمعرفة استراتيجية لها نحو التطور، ومن أجل قيام مجتمع المعرفة الذي تنشده قيادة الدولة عبر ترسيخ القراءة في الأجيال الجديدة، لتصبح هذه الرؤية الطويلة ذات أثر وعائد يستشرف مستقبل البلاد التي اتخذت من القراءة خريطة طريق نحو بناء مجتمع متحضر، ودولة ناهضة تستوعب المتغيرات وتواكبها لكي تصبح فاعلة في ركب التطور والتقدم، وتحتضن في داخلها مجتمعاً منفتحاً يقبل الآخر ويتعايش معه ومع ثقافته بروح من المحبة والتسامح والاحترام.
كان لإنجازات عام القراءة في الإمارات، الكثير من الإنجازات، وكان لهذا العام مردوده الثقافي والمعرفي الهائل على جميع الصعد العلمية والثقافية والفكرية، وربما صار السير في هذا الطريق مسألة مهمة، تضع الإمارات والمجتمع في صلب عملية المعرفة، لا تلقياً فقط، بل إنتاجاً، ليبدو الأفق مبشراً نحو نهضة حقيقية تستهدف العقول عبر القراءة، ويسهم بدوره في رفعة البلاد وتطورها، وقد تنبهت قيادة الإمارات العربية المتحدة، إلى أهمية هذه الرؤية، فعملت على وضع خطة عشرية للقراءة، من أجل تأسيس اقتصاد قائم على المعرفة، وحتى تصبح التنمية قائمة على مفهوم العلوم والابتكار، سبيلاً لتنمية الخبرات حيث تستهدف استراتيجية القراءة تنشئة أجيال على العلم والمعرفة، عبر حب القراءة، حتى تصبح سلوكاً حياتياً يومياً.
من أجل ترسيخ فعل القراءة كسلوك حياتي في الإمارات، بادرت القيادة الإماراتية بإصدار قانون هو الأول من نوعه للقراءة، حيث يضع أطراً تشريعية وبرامج تنفيذية ومسؤوليات حكومية محددة، وذلك في بادرة غير مسبوقة في المنطقة، ومن أبرز سمات هذا القانون أنه يلزم الحكومة بالتدخل مبكراً لترسيخ القراءة عبر توفير الحقيبة المعرفية للمواليد، ويعطي الموظف الحق في القراءة التخصصية ضمن ساعات العمل، ويعفي مواد القراءة من أيِّ رسوم أو ضرائب لغايات التأليف أو النشر أو الطباعة والتوزيع، ويوفر تسهيلات للمؤلفين والمحررين ودور النشر بالدولة، ويُلزم المدارس بوضع خطة سنوية لتشجيع القراءة بين الطلبة، ويرسخ احترام الكتاب بينهم بمنع إتلافه وصونه وإعادة استخدامه أو التبرع به، ويرسخ الكتاب كأحد المظاهر الحضارية في مجتمعنا ويلزم المقاهي في المراكز التجارية بتوفير مواد القراءة لمرتاديها، وهو القانون الذي يهدف في الأخير إلى دعم تنمية رأس المال البشري، والمساهمة في بناء القدرات الذهنية والمعرفية، ودعم الإنتاج الفكري الوطني، وبناء مجتمعات المعرفة في الدولة، ويعتبر هذا الاتجاه جديداً في المنطقة بل وفي العالم أجمع.

أبدى عدد من المثقفين والمبدعين سعادتهم بهذا التوجه نحو المعرفة والثقافة، معتبرين أن وضع استراتيجية لعشرة أعوام قادمة للقراءة هو توجه جديد في النظر للمعرفة، وإعادة ترتيب لعلاقة المجتمع بالقراءة، وتحول من الكم إلى الكيف، وينم عن استيعاب لحاجة البلاد إلى النهوض والتطور على نهج العلوم والمعارف، كما أن تشريع قانون من أجل القراءة يسهم في جعل القراءة سلوكاً يومياً في المجتمع، ليضع الجميع في قلب النهضة والتطور، حيث عبرت الشاعرة شيخة المطيري عن تفاعلها مع هذه الاستراتيجية وقالت «إن عشرة أعوام من شأنها أن تفعل فعل السحر نحو غربلة الفعل القرائي نحو نضج أكثر، بما يتجاوز الحاجة إلى الكم، وأن التحولات الكيفية هي التي ستحدث اختراقاً كبيراً في السعي نحو التقدم، لافتة إلى أن هذه الخطوة مهمة جداً لإحداث نضج أكثر في طباعة الكتاب واختيار المواد».

وأوضحت المطيري أن المثقفين وضعوا الرواية كجنس إبداعي نصب أعينهم واهتموا بها أكثر، غير أن الحاجة الآن صارت ملحة للاهتمام بمعارف جديدة أكثر خاصة في العلوم مثل الطاقة وعلم الفضاء والعلوم الأخرى التي من شأنها أن تمهد نحو النهضة والرقي للمجتمع الإماراتي الذي يسعى بالفعل نحو التقدم والنهضة، وأعربت المطيري عن أمنياتها بأن تكون هنالك كتب إماراتية في جميع المجالات، وأن هنالك حاجة كبيرة تقتضيها الضرورة والمرحلة لمكتبة جديدة، وذكرت أن اهتمام قادة الدولة بالقراءة يشكل صمام أمان في السير نحو مجتمع المعرفة المنشود، وحتى يصبح المجتمع محصناً ضد أمراض الجهل والتطرف، ويقبل الآخر وينبذ الانغلاق والتعصب والجهل، وأشادت المطيري بإطلاق الدولة لقانون القراءة مشيرة إلى أن وجود مثل هذا القانون يعني أن الإمارات تعي ماذا تريد من أبنائها في التعاطي مع فعل القراءة، حيث القراءة لم تعد مجرد هواية، بل يستوجب التعامل معها بشكل يومي، وأن ذلك يتطلب تغييراً واسعاً في المفاهيم حتى وسط الطلاب فتتحسن ثقافتهم مع القراءة، لا سيما وأن المجتمع الإماراتي مجتمع واع ومدرك، وعندما يسن قانون، فالجميع يلتزمون به، وأشارت المطيري إلى فكرة قانون القراءة، وذكرت أنه القانون الوحيد من نوعه في كل المنطقة العربية، ولا توجد دولة سبق لها أن سنت مثل هذا القانون.

من جانبها ثمنت الكاتبة صالحة غابش، مدير المكتب الثقافي والإعلامي في المجلس الأعلى لشؤون الأسرة، مشروع القراءة معتبرة أنه غير مسبوق في المنطقة، ويدل على أن قادة الدولة يريدون فعلاً النهوض بها عبر الاهتمام بالقراءة والمعرفة، مؤكدة أن الإمارات تستهدف من وراء هذا المشروع المستقبل، وقالت «إن كلمة استراتيجية ظلت دائماً مرتبطة في الأذهان بالعمل والمشاريع الإدارية والسياسية، والآن تخصص استراتيجية للقراءة، وأن هنالك رؤية تكمن وراء كل ذلك من أجل المستقبل وتحقيق مجتمع المعرفة على نحو ما حدث في كثير من البلدان الكبيرة على مستوى العالم، التي تفوقت في العلوم والمعرفة عبر الاهتمام بتكوين الإنسان»، واعتبرت غابش أن ذلك يمثل خطوة كبيرة ومشجعة إلى الأمام تعود على المجتمع بالخير العميم لا سيما أن وضع القراءة في إطار المستقبل مسألة مهمة وتقود إلى مجتمع منفتح على الآخر، ومتقبل له، نحو النهضة الشاملة من أجل إمارات قوية ومتقدمة وتسير في ركب الحضارة والرقي والتقدم.

وأكدت غابش أن قانون القراءة يمثل خطوة مهمة ومكملة لاستراتيجية القراءة، وأنها في مجملها تعبر عن روح وثابة تتطلع إلى التطور وإلى الرقي بالإنسان الإماراتي، وأن الاستراتيجيات دائماً تشدد على أن الإنسان هو موضوع التنمية، وأن الهدف الذي يكمن دائماً وراء الخطط العظيمة هو صنع دولة قوية بإنسان قوي بمعرفته وعلمه نحو تحقيق التطور والازدهار.

شعلة للمستقبل

ووصف الشاعر إبراهيم الهاشمي تلك الاستراتيجية بأنها «ضربة معلم»، وقال «إن تلك الرؤية وذلك الفكر يدل على أن الإمارات تمضي في الطريق الصحيح، وأن مبادرة «عام القراءة 2016» التي أطلقها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، كان لها ما بعدها ولم يكن يقصد منها عاماً واحداً، بل هي شعلة من أجل سنوات وسنوات قادمة» مشيراً إلى أن عشر سنوات قادمات للقراءة تعني خلق جيل قادم لتسلم مسؤولياته في الدولة، جيل يعي أهمية القراءة والكتابة، وأكد الهاشمي أن الاستراتيجية من شأنها أن تصنع ثروة جديدة متمثلة في جيل متسلح بالعلم والمعرفة، وأن في هذه العملية يكمن معنى البناء الحقيقي للإنسان.
وهذا ما قامت به كثير من الدول كما أكد الهاشمي، فقد تقدمت دول مثل اليابان وأمريكا وألمانيا وغيرها، واهتمت بالإنسان وتنميته، فصنع إنسان مثقف وواع هو بالضرورة صناعة لثروة بشرية، وقال «إن وجود أكبر مكتبة في العالم، ووجود قانون من أجل القراءة، إنما يشير حقيقة إلى وجود خطة متكاملة، وأن الدولة تعي أن العنصر البشري هو أساس الثروة، بل هو الثروة الأكبر»، وذكر الهاشمي أن مثل هذا التوجه عند القيادة في الإمارات يعني أن هنالك سعياً حثيثاً نحو المستقبل، والمسألة بالضرورة أبعد من عام القراءة، نحو جيل جديد يمتلك المعرفة والعلم، وهذا من شأنه بالفعل خلق واقع جديد للبلاد ينسجم مع التطلعات التي تحملها القيادة من أجل صناعة مجتمع المعرفة، وهو الذي سيعلي من قيمة العلم والثقافة والتطور.
بدوره أكد الشاعر عبد الله الهدية «إن التطور الكبير الذي تشهده الإمارات، هو بفعل المواءمة بين تراثنا العربي والإسلامي والمعاصرة، مشيراً إلى أن أول آية في القرآن الكريم أتت لتحض على القراءة، فالأولى لهذه الأمة بشكل عام، والإمارات بوصفها منتمية لهذا التراث العظيم أن تسير مستصحبة هذه القيم العظيمة، وهذا ما يقوم به قادة الدولة الذين يسيرون بها في ركب الحضارة والتقدم، وأشار الهدية إلى أن الدولة قد اهتمت اهتماماً كبيراً بالقراءة، ووضح ذلك من خلال مشروع عام القراءة الذي يتطور الآن، والذي أنتج كثيراً من المشاريع، بالتالي فإن عشر سنوات للقراءة يعبر عن رؤية للنهضة الشاملة، وأنه لا يمكن الاهتمام بالعمران دون الإنسان، فلا بد من الارتقاء بالإنسان إذ إن المجتمع يقاس بالكل، وعندما يقرأ الجميع وتتاح له المعارف تصبح حينها المعرفة شاملة.
وقال الهدية «إن المجتمعات على مر العصور قد استلهمت الدروس ونهضت بالقراءة التي هي عالم من المتعة والدهشة ومعرفة الذات والآخر، وهي البوابة الكبرى التي تدخلك إلى كل العالم»، مشيراً إلى أهمية وجود مكتبة في كل بيت، وهذه الدعوة لا تشمل الإمارات فقط، بل كل العرب، فالعرب عندما يتحولون إلى أمة مطلعة قارئة فهم يحققون الاستجابة لما حمله القرآن من أمر بالقراءة، ويلفت الهدية إلى استحالة العزلة في زمن تدفق المعرفة، وأن الزمن القادم هو زمن الحكمة وهذا يستوجب القراءة كفعل معرفي، والوطن العربي قد تخلف عما ينشر في العالم المتقدم، وهذا لا يعني البكاء على (اللبن المسكوب) بل العمل من أجل اللحاق بالركب، ونوه الهدية بالمجتمع الإماراتي الذي انتشرت فيه مقاه للقراءة وصار يبرز دور القراءة وكيفيتها مما يدل على استجابة كبيرة، ولا بد من السير في هذا الطريق، وإن إصدار قانون للقراءة يتوافق مع وجود هذه الاستراتيجية كما أن قانون القراءة ينظم الأولويات، ويجيب عن سؤال: ماذا نريد من القراءة، وماذا نريد أن نقرأ؟ معتبراً أن هذه العلمية تشكل ترياقاً ضد الاختراقات الفكرية وتبرز في ذات الوقت موقفنا الفكري والمعرفي المستند على تراث عظيم، منوها بأن قانون القراءة يشكل حماية من أن يتعطل المشروع.

تطور في كل الاتجاهات

من جانبها ذكرت الشاعرة الهنوف محمد أن عشرة أعوام للقراءة يحقق المجايلة المطلوبة، لكي يستفيد كل جيل من معارف من سبقوه مشيرة إلى أن المثقفين هم الذين يبنون الدولة بالعلم والمعرفة، فثمة أهمية كبرى لبناء الإنسان والأسرة وصولاً لمجتمع المعرفة من أجل تحقيق التطور في كل الاتجاهات، وأن أي عدو إذا أراد القضاء على مجتمع، فهو يستهدف متعلميه ومثقفيه مما يشير إلى أهمية العلم والثقافة والمعرفة في تحقيق التنمية لأية دولة، وقالت «إن القيادة الرشيدة تضع نصب عينيها تطور البلاد وتقدمها، وأن هذه الاستراتيجية قد جاءت متطابقة مع الهدف والرؤية التي كان يحملها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، وهي الرؤية التي كانت تنظر إلى الإنسان، وليس التركيز فقط على العمران والتطور في مجالات التكنولوجيا المختلفة، بل كانت رؤية تقوم في أساسها على ضرورة بناء الإنسان باعتباره حجر الزاوية في أي تطور وتقدم» وأكدت الهنوف محمد أن مردود تلك الرؤية الكبيرة أن تقدمت الإمارات، وصارت في وقت قصير محط أنظار جميع دول العالم، في جميع مجالات المعرفة والثقافة، وصارت قبلة للناس من كل أنحاء المعمورة، ليصبح المجتمع الإماراتي يشار إليه بالبنان كنموذج فريد للانفتاح على الآخر، تعيش فيه مختلف الثقافات لتشكل نسيجاً مميزاً عرفت به الإمارات.

الشاعر خالد عيسى رئيس مجلس إدارة مؤسسة «هماليل» للإعلام والنشر، قال: إن القانون الوطني للقراءة، يعد ترجمة واقعية لحرص الدولة على ترسيخ مسارات الثقافة والعلم والمعرفة في المجتمع، إذ يحاكي القانون في مضمونه محاربة الجهل والفقر المعرفي بين الأفراد، وهو مبادرة عظيمة تحل إشكاليات ثقافية كثيرة، وتضع إطاراً واضح الملامح للتعاطي مع القراءة ومفاهيمها في المرحلة المقبلة.

ومن هنا يجب علينا أن ننظر ونبحث في تشريعات هذا القانون وآليات تنفيذها حتى نضمن أعلى مستوى من الإيجابية والتفاعل والإنتاج، وفي هذه النقطة بالذات يبرز دور كل وزارة ومؤسسة في عام القراءة، بحيث تبدأ هذه المؤسسات بتشكيل لجان داخلية تختار المنهجية والسبل التطبيقية المناسبة في إطار القانون ومقتضياته، ورؤية احتياجاتها الخاصة وقدرتها وطاقتها على التنفيذ حتى لا تذهب الجهود سدى، إضافة إلى ذلك فإنه لابد من الإشارة إلى ضرورة بدء تنفيذ التشريعات التي جاء بها هذا القانون بالسرعة اللازمة، وبدءالعمل بما هو متاح حالياً ويمكن تحقيقه بسرعة أكبر، لأن هذا القانون ضخم وشامل وتنفيذ بنوده يحتاج الوقت والجهد الكبيرين لذا لا بد من أخذه على مراحل بما يسهل من تنفيذه ويسرع في حصد نتائجه ويشكل دفعة معنوية وعملية.
كما نأمل من لجان التنسيق في تطبيق هذا القانون إشراك دور النشر الإماراتية والأخذ بيدها والعمل معاً جنباً إلى جنب، فهذه التشاركية تسمح بمستوى أعلى من الإنتاج الثقافي والمعرفي، ورصد إنتاج ثقافي يلائم ويناسب كل القطاعات المستهدفة، وهذه التشاركية سوف تنعكس بالضرورة على صعيد القراءة من جهة وعلى صناعة الكتاب من جهة أخرى.
وأضاف أنه يجب خلق أساليب لمتابعة توزيع الكتب، وكيف يمكن تنمية عادة القراءة لدى أصحاب التحديات في القراءة، وذوي الإعاقة، والطلبة الذين يعانون عسر القراءة، وكيف يمكن الوصول لنزلاء المؤسسات الإصلاحية، وكبار السن، والمرضى، والأطفال، وما هو دور القطاعات الثقافية، والشركات الخاصة، والمقاهي، والمراكز التجارية، كل هذا يحتاج إلى الانتباه والمراجعة.

تعزيز سبل النهوض

وقال الشاعر محمود نور: لعل القانون الوطني للقراءة الذي أصدره صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، يعد الأول من نوعه على مستوى المنطقة، وهو ما يؤكد حرص الإمارات وقيادتها الرشيدة على ترسيخ ثقافة العلم والمعرفة، لأنه جاء استكمالاً لسلسلة المشروعات الثقافية والفكرية والمعرفية التي أطلقتها الدولة منذ نشأتها، لتعزيز سبل النهوض بالأمة وتجديد دماء ثقافة المنطقة، لبناء أجيال واعية من قادة المستقبل.
وبما أن المستقبل هو كل شيء، فإننا نجد التميز والفرادة في هذا القانون الذي وضع استراتيجيته لعشرة أعوام، وهنا تكمن حكمته، في محاولته خلق جيل مثقف وواع ينهل منذ مراحله العمرية الأولى من نبع المعرفة والثقافة لكي يصبحا سبيلاً لاغنى عنه في الحياة، لذا لا بد لهذا القانون أن يسهم في معالجة أوجه القصور المعرفي، ونتائجه ستكون نقطة تحول نوعية في مجال القراءة والمطالعة.
كما أنه ومن الضروري صوغ مهام جديدة أمام كل المؤسسات والجهات، وخاصة أمام إدارات المدارس والمعلمين في مسيرة القراءة والمعرفة والمطالعة، للعمل على قدم وساق للمشاركة في تفعيله والعمل بمقتضياته في المرحلة المقبلة، والتنافس من خلاله لتحقيق منجزات تحاكي مفاهيم الثقافة والعلوم، فأفضل الطرائق التربوية للتشجيع على القراءة، تبدأ منذ فترة الطفولة، والقراءة تمد الطالب بأفكار وحقائق وآراء، فضلاً عن مساعدته على تنمية شخصيته وميوله واتجاهاته، وتعمل على تأسيس مفاهيمه المختلفة، ومن خلالها يمتلك مهارة التعلم الذاتي التي تعد اليوم ضرورة من ضرورات الحياة، لمواكبة التطور العلمي والفني والتقني.
ولفت نور إلى أنه في إطار ترسيخ ثقافة القراءة لا بد من تسخير التكنولوجيا الحديثة بجميع أشكالها في سبيل تحقيق أفضل النتائج المرجوة لأن هذه التكنولوجيا أمر حتمي ولا يمكن تجاهله ولها من الإيجابيات الكثير ومن السلبيات الكثير، لذا لابد من جعلها وسيلة يستطيع المجتمع أن يحقق أكبر استفادة منها وتقليل أثارها السلبية في غزو الألعاب، واكتساح المغريات للغزو الثقافي وانتشار الأفكار المتطرفة.

وقال الكاتب حارب الظاهري: إن إطلاق المنظومة التشريعية المتكاملة لأول قانون قراءة في المنطقة، يرسخ مكانة القراءة في المجتمع كأسلوب حياة نحو المستقبل، كما ويترجم مدى تزايد اهتمام قيادة الإمارات بإقرار خطط تنمية بشرية واقتصادية، وتطبيقها بشكل فعلي، في زمن قلما تهتم فيه الدول والأمم الأخرى، بمشاريع ثقافية كبيرة بهذا الحجم. والحقيقة أن هذا القانون الاستثنائي للقراءة يقيم دليلاً آخر على حجم النهضة التي وصلت إليها دولة الإمارات، وهو من المكاسب التي لا يمكن إلا أن تعمم كتجربة نموذجية في مختلف البلدان العربية التي باتت اليوم في أمس الحاجة إلى مثل مبادرة كهذه.

ومن هنا يتحتم في المستقبل القريب على القطاعين الحكومي والخاص التعاون والاجتهاد والتفكير الخلاق في تعزيز هذا القانون ومنحه أبعاداً جديدة، وتعزيز مكانة القراءة في مدارسنا وجامعاتنا بأدوات مبتكرة تستهدف إسعاد طلبتنا في رحلتهم التعليمية، انطلاقاً من كون القراءة وسيلة مؤثرة للتواصل الإيجابي بين الأجيال والثقافات من مختلف شرائح المجتمع.
أيضاً يجب التشديد على نقطة غاية في الأهمية، ألا وهي ضرورة أن تكون المبادرات التي تقوم بها هذه المؤسسات جدية صادقة في الجهد والعمل، فلا تكون مجرد أفعال مناسباتية مقصورة على الشكل والبهرجة، بل أن تدخل في صلب العمل وتجتهد مبتكرة أساليب جديدة في مجال رفع الوعي الفكري والثقافي.
كما يجب على بعض الوزارات كوزارة التربية على سبيل المثال، أن تراعي التنوع في البرامج والأنشطة القرائية، وقياس نتائج التعلم المتوقعة للمرحلة، وتحقيق الاستدامة والابتكار، على أن تتناسب البرامج والأنشطة مع ميول الطلبة والفئات العمرية المختلفة، وتفعيل المبادرات من قبل معلمي المواد المختلفة، فضلاً عن نتائج تشخيص واقع القراءة في المدرسة، وتفعيل الشراكة المجتمعية، والتقييم والمتابعة، والتوثيق، حيث يتم قياس أثر البرامج والأنشطة في الطلاب.
وقالت الكاتبة أسماء الزرعوني: إن عام القراءة هو عام ناجح بكل المقاييس، ويتأكد لنا هذا النجاح من خلال تفاعل العديد من الجهات الثقافية، المحلية والعربية، أفراداً ومؤسسات، مع القانون الوطني للقراءة، وأجمعها أن القانون خطوة استباقية، لها الريادة في المنطقة، بإعادة الاعتبار إلى قيمة الثقافة، وتعزيز فعل القراءة، كسلوك فكري ومجتمعي، وعلى الجميع تحديد خطواته، وإدراج واجباته في بنود علمية، وواقعية، حيث جاءت الخطوة وفق استراتيجية فكرية بعيدة المدى شاملة وجامعة.
وحتى يستمر هذا المشروع بنجاح علينا التركيز على فئة الطلبة والمكتبات المدرسية وإنشاء مكتبات في الحدائق العامة، وتشجيع ودعم الكتاب على إصدار كتبهم لتزويد المكتبات بإصدارتهم الوطنية، ورصد جوائز تشجيعية لهؤلاء الكتاب والقراء، وتقديم برامج منوعة عن القراءة عبر وسائل الإعلام المختلفة، والتأكيد على أن تلعب الجامعات دوراً أكبر في التحريض على القراءة، والخروج من قوالب التعليم التقليدية، إلى أشكال أكثر تحرراً تعتمد القراءة والفهم والنقاش حول مختلف المسائل.عام للكتابة

أشار الشاعر شهاب غانم شهاب إلى أهمية القراءة بشكل عام وأثرها في رقي المجتمع والإنسان وحضّه على العمل والإنجاز، مؤكداً أن العلم والثقافة والمعرفة تحتاج إلى كثير من القراءة، ولفت إلى أن التعلّق بالقراءة تجربة فردية تؤثر فيها ظروف المجتمع المحيط، فتتعزز بوجود آليات الدعم والتشجيع وتتراجع في ظل عدم وجود الأرضية السليمة التي تحفّز الإنسان كي يقرأ، غير أن الاعتماد على النفس غالباً ما يكون حاسماً في مجال حبّ المطالعة.
وأضاف أنه في خضم هذه المبادرة العظيمة، لا بد من التشديد على مكانة اللغة العربية، وترسيخ مفاهيمها في نفوس أجيال المستقبل، ووضعها على سكة التنافسية مع اللغات الأخرى.
إن القراءة تعزز الصلة بين الطالب والكتاب، وترغّبه في الإقبال عليه، وتهيئ الفرص المناسبة له لاكتساب الخبرات المتنوعة، وتكسبه ثروة من الكلمات والجمل والعبارات والأساليب والأفكار.
واقترح غانم تخصيص عام للكتابة كما هي الحال بالنسبة للقراءة، وذلك لمدى التراجع الكبير الذي لحق بكتابة اللغة وبقواعدها وحاجة الجيل الحالي إلى تعلم أسس الكتابة الصحيحة.
وأضاف أن مثل هذه التشريعات تجعل الأمر منظماً وليس ارتجالياً، وتفرض نوعاً من الالتزام والجدّية.

شهاب غانم شهاب

خطوات رائعة

أكد حسن الزعابي مدير دار مداد للنشر والتوزيع على نقطتين، أولهما أن الشمولية التي جاء بها قانون القراءة سمحت للمبادرات الاجتماعية بالظهور والتفاعل الجدي، وفتحت الأفق أمام التطور والأفكار الفردية الخلاقة التي تضيء مناطق جديدة في كل مرة.

ومن هنا يجب علينا كأفراد في المجتمع الإماراتي أن نبذل قصارى جهدنا ونقدم كل طاقاتنا وأفكارنا لخدمة هذا المشروع العظيم الذي طرحه قادتنا بفكرهم المبدع والخلاق الواسع وبعيد البصيرة، حتى نصل إلى شكل المجتمع الذي نصبو إليه، مجتمع متقدم مفكر ومنتج.
أما النقطة الثانية فتتعلق بمجال النشر، حيث يترتب علينا كدور نشر إماراتية الكثير من المهام، وخصوصاً بعد الخطوات الرائعة التي قدمها قانون القراءة، عبر إعفاء جميع متعلقات القراءة من الضرائب والرسوم، ودعم المكتبات العامة وحث القطاع الخاص على الاستثمار في المجال الثقافي، وهذا ما يحتم علينا أن نقدم كل طاقاتنا عبر رفع صناعة النشر وجعلها تنافس على الصعيدين العربي والعالمي، وإذا مقولة مصر تكتب ولبنان تنشر والعراق تقرأ حاضرة وراسخة في عقولنا، فعلينا أن نعمل ونزرع الثقة في أقلامنا الناشئة والمخضرمة محلياً وعربياً، حتى تصبح الإمارات تكتب والإمارات تنشر والإمارات تقرأ.

 

قد يعجبك ايضا ...