الاقتصاد الافتراضي.. علم قائم بذاته

 

%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%81%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%b6%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%85-%d9%82%d8%a7%d8%a6%d9%85-%d8%a8%d8%b0%d8%a7%d8%aa%d9%87

القاهرة: «الخليج»

استطاع فكر ما بعد الحداثة أن يحدث تغييراً واسعاً سواء في مداه، أو في مجال عمله، حيث دفع إلى استخدام التعاون بدل الصراع، والمشاركة بدل الاستبعاد، وهو ما أدى إلى ظهور لغة جديدة وقيم ومفاهيم جديدة دعت إلى توحيد أوروبا، إلى نشوء تكتل آسيوي، إلى ظهور تيار نخبوي جديد لصفوة الفكر والرأي في أمريكا وكندا، إلى ظهور تيار قوي لمقاومة الفساد، تيار تقوده منظمات عالمية وتنظيمات شعبية غير حكومية، رافضة جميع صور الاستبداد في ظل تنامي قوى لا تزال تسعى إلى الهيمنة والسيطرة وإملاء الإرادة وبسط النفوذ.
ويرى البعض أن دعوى الهيمنة وإملاء النفوذ والسيطرة على الآخرين وتوجيههم وتسخيرهم هو بمثابة عنصر وعامل ارتداد على التيار ما بعد الحداثة، حيث انتهزت قوى الارتداد ما يسمى بالحرب على الإرهاب إلى الخروج عن المبادئ وحقوق الإنسان، بينما يرى أصحاب الرأي المعارض أن هذا ليس خروجاً بقدر ما هو تصحيح وتنقية للمسار ، واستمرار للنهج ما بعد الحداثي، والذي أصبح في حاجة إلى جهد ضخم من أجل إيجاد تأمين وصيانة وحماية مكاسبه.
يوضح محسن أحمد الخضيري في كتابه «اقتصاد ما بعد الحداثة وحداثة الاقتصاد» أنه إذا كانت عملية تحديث الاقتصاد قد ارتبطت بإيجاد آليات جديدة وبكيانات مؤسساتية جديدة وبتكنولوجيا الابتكار والاختراع فإنها في الواقع قد تحوّلت بمضي الوقت إلى أبنية ناقصة أو في حاجة إلى اكتمال، خاصة أن اقتصاد أي دولة – مهما كان حجم السوق فيها كبيراً ومتسعاً – لم يعد قادراً على استيعاب ناتج شركائها أو مؤسساتها، وبالتالي أصبح في حاجة إلى سوق أكبر، سوق مفتوح ومتزايد لاتساع، يكاد يشمل العالم كله ومن ثم تحول الفكر إلى فكر ما بعد الحداثة والدخول إلى عصر العولمة، عصر الأسواق المفتوحة والسماوات المفتوحة، عصر دون حدود فاصلة أو أسوار عازلة بين الدول عصر الشركات العابرة للقوميات والمتواجدة بأذرعها الأخطبوطية في جميع الدول والأسواق، شركات متعددة الجنسية، كونية، أكبر من الدول، بل إن بعضها يتجاوز في حجمه حجم قارة إفريقيا.

يشير المؤلف إلى أن العالم كله مناطق نفوذ لهذه الشركات بقدر اتساعه تكون أسواقها ومصالحها، ومن ثم تطور الفكر ما بعد الحداثي ليصبح فكر الشركات الكونية، وسيطرة الشركات على العالم، ودخل العالم إلى عصر مختلف تماما، جديداً في كل شيء، لقد دخل العالم إلى عصر الاقتصاد الافتراضي، والنقود الافتراضية ثم إلى عصر التجارة الإلكترونية في أوسع امتدادها، ثم إلى عصر الواقع الافتراضي، عصر الخيال الذي كان يطمح إليه البشر، أصبح بإمكان الفرد أن يحصل على السلطة وبذات المواصفات في أي مكان في العالم، من هنا تحققت بالفعل وحدة الأسواق، مهما بعدت المسافات واتسعت أرجاؤها الجغرافية، فهناك قواعد، الوفرة للسلعة والإتاحة، وخدمات من بعد البيع فالمنتجات أصبحت نمطية في جميع شروطها وأسعارها ومواصفاتها، ومن ثم كان الجميع يحصل عليها في وقت واحد، وكان على الجميع أن يحصلوا عليها باستخدام شبكة الإنترنت، لقد أصبح الاقتصاد الافتراضي معبراً بصدق عن اقتصاد ما بعد الحداثة، وأصبح هذا الاقتصاد علماً قائماً في ذاته، لكنه ذا تخوم مشتركة مع علوم أخرى.

قد يعجبك ايضا ...