التشكيل في الخليج.. البصر يغني

%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b4%d9%83%d9%8a%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84%d9%8a%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b5%d8%b1-%d9%8a%d8%ba%d9%86%d9%8a

غيث خوري

تبدو الحركة التاريخية للتشكيل الخليجي، منذ بداياتها أواسط القرن المنصرم وهي في حالة آخذ ورد مع أسئلة الحداثة الفنية، تحاول أن تندمج في معطياتها وسياقاتها تارة وتبتعد عنها تارة أخرى لتلتحم بمحيطها وتمثيلاته الجغرافية والاجتماعية، وشأنها في ذلك شأن مجمل التجارب الفنية العربية في علاقتها مع الفن الغربي ومدارسه التي سادت وانتشرت لفترة طويلة وما زالت حتى اليوم.
اجتهد فنانو الخليج العربي الأوائل في محاولة بعث الحركة التشكيلية ومنحها الأرضية التي يمكن تؤسس لحضورها واستمرارها وتشكيل طابعها الخاص المتعالق مع خصوصية هذه المنطقة جغرافيا واقتصاديا واجتماعيا وتاريخيا.

لاشك هنا أنه لا يمكن فصل انطلاق التجربة الفنية في الخليج العربي عن تأثيرات المحيط العربي الذي سبقها بفترة وشهد تراكماً نسبياً حقق له منجزات على صعيد الممارسة والمعرفة والتجربة والهوية البصرية، لذا فكانت هذه التجربة العربية هي منصة الاحتكاك مع الفن واتجاهاته العالمية، وأحد محفزات الاشتغال الفني وتصوراته في الخليج.

وإذا ما كان من سمة يمكن ربطها بمجمل الإنتاج الفني الحركة التشكيلية في دول الخليج العربي عبر العقود الماضية، وخصوصا في المراحل الأولى التأسيسية، هي الارتباط الوثيق بالموروث الشعبي ومفرداته المتنوعة حيث بدأ الفنان بالبحث في داخله، وفي ماضيه، ومن ثم بدأ باختيار الرموز الشعبية التي رأى فيها الصدق، والصفاء والبساطة، والتآلف، والانسجام من خلال الإبداعات الفنية الملونة، فأخذ الرمز الحضاري من مكونات البيئة والتراث، ومن التفاعل الداخلي للإنسان المرتبط ببيئته، وقام بتبسيطها ودراستها ومزجها بإحساسه الفني، وبإبرازها بأسلوب آخر ليتوافق مع المواضيع التي صورها مستعيرا من البيئة الألوان الصافية مثل الأحمر والأزرق والأبيض والأخضر والبرتقالي، هذه البيئة الزاخرة بمجموعة من المفردات والرموز والأشكال، كالبحر والغوص وصيد اللؤلؤ، والسفن والمراكب الشراعية، والحناء، وحياة البادية، والقهوة وحياة الأسرة، والخيمة، والنخيل، والصيد، والفروسية والهجن، والرقص الخليجي والموسيقى، والعمارة الشعبية بكل تمظهراتها، والألعاب والحكايا الشعبية، كلها كنت موردا ومعينا كبيراً لفناني الخليج الذين حاول كل منهم نقل هذه المفردات بأسلوبه ورؤيته وتعبيراته الفنية الخاصة.
سعى الفنان التشكيلي الخليجي إلى قراءة المورث وتسجيله ضمن تقنيات وأساليب منهجية معاصرة وفقا إلى المشارب التي نهل منها تقنيته ورؤيته للفن إذ كانت خطاباته التشكيلية خير مستلهم وموثق لتركيبة المجتمع المتوارثة بكل دلالاتها العميقة أسطورية كانت أم فلكلورية.

وقد قدم الفنان التشكيلي أزهر داخل في بحثه المعنون «الموروث الشعبي في الفن التشكيلي لدول مجلس التعاون الخليجي» مجموعة من الاستنتاجات حول توظيف الموروث في التشكيل الخليجي الذي ارتكز إلى قيم فكرية بوصفها قيما تكمن في كينونة المجتمع.
يقول داخل: «اعتمد الفنان في منطقة الخليج على تقنيات غربية معاصرة للتعبير عنمضامين اجتماعية محلي، مخلفا توليفة جمالية ما بين التقنية والموضوع، حتى الأعمال ذات النهج التجريدي والأشد حداثة فإنها لا تبتعد عن تجسيدها للواقع الخليجي».

ويتابع: «توصل الفنان الخليجي إلى تقنيات معاصرة وفق «الثيمات» الواقعية و«الموتيفات» الشكلية والأساطير لتتحدد منها تقنيته الذاتية وتفرده في الإنجاز والتنفيذ، بل إن توصله إلى هكذا تقنيات وإن كانت مرجعيتها رؤيته المتحررة وموهبته المتقدة، إلا إنها لا تخلو من مرجعيتها في الموروث الشعبي بكل تنوعاته المتولدة في المجتمع الخليجي».

ولإدراك الفنان التشكيلي الخليجي بقيمة الموروث الشعبي كانت مراقبته له وتصديه كبيرة جداً لأنه يتعامل مع قيم لم تزل خالدة في المجتمع، فالخطاب التشكيلي كان بحق صورة حقيقية لمفردات تراثية قد اندثر بعضها لينقلها إلى المجتمع المعاصر بجمالية وتفرد، وهو ما يعبر عن نضج في الرؤية البصرية للموروث ونضج في الخطاب التشكيلي في دول الخليج العربي.
وبطبيعة الحال لا يمكن القول أبداً إن التشكيل الخليجي كان أو لا زال حبيس الموروث والتقليد سواء في الموضوع أو التقنية، وقد دأب الفنان الخليجي على التنويع في مهاراته وتعزيز معارفه واستكشاف مناطق جديدة في التعبير وتوصيل الأفكار، وأشكال جديدة من التعاطي مع الفن، فليس من شيء ثابت في الفن، والمطلع على الاتجاهات والمدارس التشكيلية وتطورها من الواقعية إلى التعبيرية والتأثيرية والرمزية والتجريدية، مروراً بالانطباعية إلى التكعيبية والسيريالية فالوحشية سوف يلحظ خريطة من التأثيرات التي طبعت مجمل التجارب التشكيلية في العالم سواء في ما يتعلق بالترميز من خلال اللون أو تسجيل الانطباعات المرئية والتعبير عن التجارب العاطفية والقيم الروحية، أو اختزال الشكل وتشكيل الفكرة من خلال اللون والخطوط، أو استعمال الألوان القوية والمتناقضة والخطوط الحادة في الرسم وتصوير المشاعر والحالات النفسية، أو رسم ما يصوره العقل الباطن وحتى اللجوء إلى التكوينات التي تشبه الأحلام والصور المشوهة المبالغ فيها.
ومع بروز أفكار ما بعد الحداثة التي أخذت بناصية التشكيل نحو عوالم أخرى وظهور مدارس جديدة كالمفاهيمية وما تلاها من تجارب الفن المعاصر، بات الفنان التشكيلي حر الحركة في التجوال عبر آفاق أخرى من التعبير عن الهموم المعاصرة، وهنا تعددت القراءات التي تحيل على مفاهيم ودلالات سياسية واقتصادية وجمالية ليست بعيدة عن تأثير التحولات الكبرى في المجتمع، وهذا كله آثر في تعاطي التشكيليين الخليجيين مع هذه الاتجاهات وانتقالهم من مدرسة إلى أخرى.
ويمكن رصد هذه التأثيرات الفنية الحداثية في كثي من التجارب العربية والخليجية، وخصوصا مع انتشار «المفاهيميّة» كمصطلح وتوجه فني تشكيلي جديد، وذلك نتيجة الملل من الأطر التقليدية للعمل الفني، وتحول مفهوم الجمال من التركيز على الشكل إلى إعطاء أهمية كبرى للفكرة أو المعنى وإشراك المتلقي في بناء المعنى وتأسيس النموذج الفني، والانفتاح على المحيط المجتمعي والواقع السوسيوثقافي للمجتمع الذي يعيش فيه الفنان، إضافة إلى استغلال وتوظيف الوسائط الجديدة أو تكنولوجيا الصورة في إنجاز العمل الفني.

وقد سعى الفنان الخليجي في هذا الإطار إلى اعتماد خامات ووسائط مثل الشاشة الحريريّة التي تسمح بتكرار الصورة من دون تدخل الفنان، والفورميكا والكروم والألوان العاكسة، وأيضاً الطين والحصى والرمل والتبن وأغصان الشجر والخيش والحبال، والقيام بتشييد العمل الفني في الفراغ وتجميعه من وسائل وأشكال مختلفة بأبعاده الثلاثة، فيما يُعرف اليوم بتدوير النفايات متعددة المواد والخامات. ويمكن رصد مجموعة من الفنانين الإماراتيين الذين اشتغلوا على الفن المفاهيمي كحسن شريف، ومحمد كاظم، وعبد الله السعدي، وفي السعودية عبد الناصر غارم. وقد وجهت للفن المفاهيمي جملة من الانتقادات، بعضها طال جوهره الفلسفي، وسياقه التصوري، وبعضها الآخر، انصبّ على المفاهيم والأدوات التي اشتغل عليها الفنان، وعلى الأغراض والأهداف التي تبنتها رسائله إلى المتلقي، كما توجّس البعض، من موجة التغيرات المتسارعة التي تطول الحركة التشكيليّة العربيّة والخليجية، والتي تخرق المعايير بشكل سافر، من دون أدنى اهتمام بذائقة الجمهور الفنيّة، هذا الجمهور الذي عزف عن هذا الفن لغياب عامل الموهبة الإبداعيّة الفرديّة عنه، ولغرابته وشذوذه اللذين يصلان حدّ الاستعراض العابث وغير المجدي.

في كل من البحرين وقطر والإمارات وسلطنة عٌمان والكويت والسعودية، خطت أسماء كثير خريطة التشكيل، أسماء حملت هموم الفن وشواغله ومهدت الطريق للجيل الفني اللاحقو منهم عبد الحليم رضوي، وصفية بن زقر، ومنيرة الموصلي، ومعجب الدوسري، ونجاة مكي، ويوسف أحمد، وحسن الملا، وعبد الرسول سلمان، وفؤاد طه المغريل. هذه الأسماء وغيرها الكثير التي لا مجال لحصرها هنا قدمت إبداعاتها وتصوراتها الفنية ، محرضة على بث صورة وذائقة ومفردات خاصة بالفنان ومحيطه الخاص والعام.

 

You may also like...