التقرير الاستراتيجي 2005 – 2006

التقرير الاستراتيجي 2005 - 2006

أولاً: دول مجلس التعاون الخليجي 2006 – 2005

المملكة العربية السعودية

الكويت

البحرين

دولة الإمارات العربية المتحدة

دولة قطر

سلطنة عمان

ثانياً: العلاقات الخليجية – العربية 2006 – 2005

التفاعلات الخليجية – العربية

الدائرة العربية في اجتماعات دول مجلس التعاون الخليجي

التفاعلات الخليجية – العربية في سياق الجامعة العربية

التفاعلات الاقتصادية بين الدول الخليجية والدول العربية

خلاصة

ثالثاً: العراق 2006 – 2005

وقائع عام 2005 واستحقاقاته عراقياً

إيران والعراق بين علاقات سيئة وأسوأ

تركيا والعراق علاقات غير مستقرة

العراق ودول الخليج: خيار مر

سوريا والأردن: فرص ضائعة

العراق والجامعة العربية: عودة وعي أم وسيط مأمور؟

عام السلطة الانتقالية في العراق: ما له وما عليه

وقفة مع المسألة الاقتصادية

فصول متوقعة في المشهد العراقي القادم

رابعاً: إيران 2006 – 2005

الأوضاع الداخلية العامة

الصراع بين المحافظين والإصلاحيين وانتخابات الرئاسة

العلاقات الإيرانية الخارجية

الملف النووي الإيراني

تطور النظام السياسي الإيراني

خامساً: العلاقات السياسية الخليجية – الأوروبية

الإرث الترايخي للعلاقات العربية – الأوروبية

الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون

الحوار السياسي بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون

سادساً: العلاقات الاستراتيجية الخليجية – الأوروبية

علاقة حلف الناتو بمنطقة الشرق الأوسط

علاقات الدول الأوروبية بدول مجلس التعاون الخليجي

الدور الأمني لدول الاتحاد الأوروبي

مبادرة اسطنبول

مقدرة دول مجلس التعاون الخليجي العسكرية

سابعاً: العلاقات الثقافية الخليجية – الأوروبية

طبيعة التفاعلات الثقافية الخليجية – الأوروبية

حدود التفاعلات الثقافية الخليجية – الأوروبية

الجهود الثقافية الخليجية – الأوروبية

ثامناً: الملف الإحصائي الخليجي 2006 – 2005

المقدمة

التقرير الاستراتيجي الخليجي: تحديات متجددة

سارت مجريات الأحداث التي شهدها الخليج العربي خلال العام 2005 بشكل عام، في اتجاه تعزيز معظم عناصر الانطباعات والاستنتاجات التي طالما حملها المهتمون بشؤون المنطقة. فإذا كان الاعتقاد السائد أن عدم الاستقرار هو سمة غالبة على مجمل الواقع السياسي والأمني في الخليج، فإن أحداث العام المنصرم لم تشكل تحدياً لمثل هذا الاعتقاد. ففي العراق، استمرت المعاناة الأمنية الأليمة التي كان هذا القطر الخليجي قد بدأ بمكابدتها منذ أن سقط جزء كبير من سيادته الوطنية تحت الاحتلال الأجنبي بشقيه العسكري والسياسي، واستمر غير واثق بشأن العديد من جوانب الحسم الوطني فيه، مثل مدى إمكانية استغنائه عن وجود قوات التحالف الدولي على أراضيه، ومدى ملاءمة طرح مثل هذا الافتراض أصلاً بعيد ثلاث سنوات من الاحتلال، وتقرير ما هو البديل للوجود العسكري الأجنبي، في حال قرر هذا الأخير المغادرة، أو مدى قدرة مؤسسات الحكم ورجال السياسة في العراق الجديد على مواجهة الصعوبات الجسام التي تواجه ترسيخ قواعد النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبالشكل الذي يمكن أن يؤسس للاعتقاد بأنه قد صار يمتلك أسباب الانطلاقة الواثقة نحو المستقبل. كما أن العراق ظل خلال العام يواجه كابوس نشوب حرب أهلية، خاصة بعد أن جاهرت بعض قوى العنف فيه بتبني أهداف لا تبتعد إطلاقاً عن إثارة الفتنة بين الطوائف العراقية المختلفة، خاصة في ضوء تمادي تيارات العنف التي تنشط في العراق في اقتراف عمليات القتل والاغتيال والاختطاف، والتي حصدت أعداداً كبيرة من المدنيين العراقيين.

وعلى صعيد سمة عدم الاستقرار التي تصطبغ بها منطقة الخليج أيضاً، فإن تطورات الملف النووي الإيراني أسهمت خلال العام 2005، في زيادة احتمالات الدخول في المزيد من المضاعفات السياسية والأمنية بين طهران من جهة، والمجتمع الدولي من جهة أخرى. في خلال العام، راوحت الجهود التي تزعمتها القوى الأوروبية الكبرى من أجل التفاوض مع إيران بغرض إقناعها بالتخلي عن برنامجها النووي في مكانها، في الوقت الذي فشلت طهران في تقديم ضمانات مقنعة بخصوص نياتها النووية، وبالتالي لم تحقق تقدماً يذكر في نزع فتيل المخاوف الأمنية والبيئية التي سيطرت على جيرانها الخليجيين، ولم تبدد الشكوك التي تكاد ترقى إلى مرتبة اليقين لدى الدول الغربية حول هدف طهران الحقيقي الذي لا يخلو من السعي نحو امتلاك القدرات النووية العسكرية في نهاية المطاف.

لقد اتبعت طهران منحى التصعيد المتصلب خلال المساومات التي انخرطت فيها مع قوى المجتمع الدولي بخصوص ملفها النووي، الأمر الذي جعل العديد من المراقبين يرون في الملف أزمة حقيقية تنذر بزيادة احتمالات تعرض الجمهورية الإسلامية لعمل عسكري انتقائي ومحدود يستهدف منشآتها النووية، أو تعرضها لعقوبات اقتصادية تستفز طهران إلى الدرجة التي قد تدفعها إلى تنفيذ إجراءات انتقامية ضد دول المنطقة والمصالح العالمية على المدى القصير، وتضعف قدرتها على الاستفادة من المشاركة الكاملة في تفاعلات التجارة الدولية بالشكل الذي يزعزع أسس الحكم والاقتصاد الداخليين فيها على المدى المتوسط، ويهيئها لاحتمال استقبال غزو عسكري أمريكي شامل على غرار التجربة العراقية، على المدى الطويل.

على أية حال، لقد بدت معطيات ملف برنامج إيران النووي نذير شؤم بالنسبة للاستقرار السياسي في المنطقة، خاصة بعد أن أثبتت طهران للعالم المدى الخطير الذي قد تذهب إليه من أجل الاستمرار فيه مهما كلفها الأمر، وبعد تأكيد الغرب عدم السماح لإيران بامتلاك القدرات العسكرية النووية، وفي ظل حقيقة أن منطقة الخليج لم تتلمس بعد طريق الخروج الآمن وبشكل كامل من التداعيات الإقليمية السياسية والأمنية التي تسبب فيها الغزو الانجلو – أمريكي للعراق.

وإذا كانت الأهمية البالغة التي يشكلها نفط الخليج بالنسبة للاقتصاد العالمي، وبالتالي مستويات المعيشة في الكثير من دول العالم تشكل عنصراً آخر من السمات التي طالما اتصفت بها منطقة الخليج، فإن العام 2005 لم يخيب كذلك التوقعات في هذا الشأن. فمن جهة، أسهم استمرار تعطل قدرات العراق على إنتاج النفط بمعدلات ذات شأن وضمان إمداد السوق الدولية بهذه السلعة الحيوية، في رفع أسعار النفط بشكل جزئي إلى مستويات غير مسبوقة تجاوزت الستين دولاراً للبرميل. ومن جهة أخرى، فإن مخاوف الأسواق العالمية من حرمانها من النفط الإيراني في حال تعرضت الجمهورية الإسلامية لإجراءات عسكرية أمريكية أو إسرائيلية تستهدف منشآتها النفطية، أو تستهدف سلامة أراضيها، قد أسهمت في جعلها شديدة الحساسية تجاه إمكانية تأثير تدهور إمدادات النفط الإيراني، الأمر الذي دفع الأسعار إلى الصعود أيضاً، خاصة في ضوء التهديدات التي أطلقتها طهران غير مرة بأنها سوف تعمد إلى عرقلة إمدادات النفط من الخليج وتستخدم سلاح النفط في حال تعرضت لأي عقوبات اقتصادية أو عسكرية جراء استمرارها في تطوير برنامجها النووي.

وفي الوقت الذي شكلت ارتفاعات عائدات الصادرات النفطية الخليجية مصادر دخل ضخمة بالنسبة لاقتصادات دول المنطقة المصدرة، فإن ارتفاع أسعار برميل النفط خلال العام 2005، قد ألقى بظلاله الكئيبة على اقتصادات الدول النامية، والتي شكل شراء احتياجاتها من النفط كمصدر للطاقة عبئاً ضخماً على حساباتها الوطنية، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان فكرة العقد الضائع الذي كانت سنوات عقد الثمانينات من القرن الماضي قد مثلته بالنسبة لدول العالم النامية والفقيرة، والتي أجهضت خلاله أسعار النفط المرتفعة في أعقاب أزمة النفط في العام 1973 وأزمة النفط في عام 1979، خطط وبرامج التنمية التي كانت قد وضعتها هذه الدول في ضوء تكاليف منخفضة للطاقة. ولذلك، فإن الأوضاع المتأزمة في منطقة الخليج، والتي أسهمت جزئياً في رفع أسعار النفط في الأسواق العالمية خلال العام 2005، تدفع إلى تعزيز الاعتقاد أن شيئاً لم يتغير في خصوص الأهمية البالغة التي تلعبها الأوضاع السائدة في منطقة الخليج العربي من بين عوامل عالمية أخرى في تحديد أسعار النفط العالمية بشكل جزئي على الأقل، ومن ثم اتجاهات أداء مؤشرات الاقتصاد في دول العالم ومستويات المعيشة فيها.

ولقد تفاوتت الأساليب التي اتبعتها دول الخليج في توظيف العائدات المالية الضخمة التي تلقتها نظير الأسعار المرتفعة لمبيعاتها من النفط، حيث عمدت إلى تسديد أجزاء أكبر من ديونها الوطنية، أو ضخ المزيد من الأموال في تمويل إنفاقها على بنود موازناتها العامة، أو تعزيز مدخراتها المستقبلية واستثماراتها الراهنة، أو عملت على زيادة جاذبيتها بالنسبة لاستقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر، أو أمعنت ببساطة شديدة في تطوير مرافق بنيتها التحتية من أجل استيعاب التوسع في النشاط العقاري الضخم الذي صارت تتنافس فيما بينها على تحقيق ميزة مقارنة فيه.

على أية حال، نتيجة لارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، لا يوجد شك في أن منطقة الخليج بشكل عام والدول الخليجية المصدرة للنفط بشكل خاص، قد أصبحت أكثر ثراء من الناحية الاقتصادية، وهذا الأمر يقودنا إلى الحديث عن السمة الثالثة التي يصطبغ بها الخليج، وهي ثنائية الثراء الاقتصادي والغموض السياسي التي تكتنف دوله بشكل عام. لطالما تم النظر إلى دول الخليج على أنها تتمتع بمستويات متقدمة من الازدهار الاقتصادي بشكل عام، مدعومة بتدفق عائدات مبيعات النفط من جهة، والحريات الكبيرة التي منحتها الحكومات الخليجية لكل من الأفراد ومؤسسات الأعمال في دولها لممارسة النشاطات الاقتصادية والتجارية، في إطار احترام الملكية الخاصة، بيد أن ضمانات وممارسات الليبرالية الاقتصادية في دول الخليج العربية لا تزال غير مصحوبة بإعطاء حريات موازية في المجال السياسي، إذ إن حريات التعبير عن الرأي وإجراءات الانتخابات السياسية لم تشهد تطوراً يذكر في مجمل السياسات الداخلية لدول المنطقة خلال العام 2005.

على الرغم من الاهتمام والجدل الكبيرين اللذين شهدتهما الساحة الخليجية حول الإصلاحات السياسية والانتقال إلى الديمقراطية وإصلاح ذات البين بين الشعوب والحكومات خلال السنوات القليلة الماضية، إلا أن الأمر ظل في مجمله لا يتجاوز التمرينات الذهنية، والتي انخرط فيها المفكرون والمعنيون من خلال المؤتمرات وندوات النقاش، ولم تشهد المنطقة انطلاقات واضحة أو واثقة نحو المزيد من الحريات السياسية. لذلك، فإن النشاط الاقتصادي الضخم الذي شهدته منطقة الخليج خلال العام 2005، شاملاً الفتوحات التجارية التي حققتها العديد من شركات الأعمال الخليجية في الأسواق العالمية من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر في الدول الأخرى، ظل يفتقد صحبة النشاط السياسي، إذ ظل الجمود مسيطراً على أنظمة الحكم وأداء المؤسسات السياسية، بشكل عام.

لقد اجتازت منطقة الخليج المخاطر التي صاحبت غزو العراق في العام 2003، على الرغم من عدم استقرار الأوضاع الداخلية في هذا القطر بعد. وشهد العام 2005 تصعيداً كبيراً في تعامل القوى الكبرى مع الملف النووي الإيراني، الأمر الذي جعل دول الخليج العربية تقلق بشأن كل ما قد يعنيه تلقي إيران لمصير مشابه للذي تلقاه العراق من قبل، سواء على صعيد الدور الذي قد يطلب منها في حال فرض عقوبات اقتصادية وسياسية على طهران، أو في حال تبلورت النية الأمريكية لتنفيذ عمليات عسكرية محدودة أو شاملة ضد إيران. على اية حال، لم تكد دول الخليج تخرج من حلقة الحرب على العراق، حتى وجدت نفسها منشغلة بحلقة التداعيات المحتملة للجدل الدائر حول البرنامج النووي الإيراني، وهي في الحلقتين تجد نفسها مجبرة على التعامل مع موضوعات وتطورات لا تلعب دوراً كبيراً في تحديد مسارها، ولكن آثارها السياسية والأمنية المترتبة ضخمة بالنسبة لها.

ليس في ضعف الحالة الأمنية والسياسية التي سادت خلال العام 2005 في العراق، ما يبعث على الاطمئنان بالنسبة لدول الخليج العربية، تماماً كما أن عدم الاستقرار الذي يمكن أن يطال الجمهورية الإيرانية نتيجة لسلة من القرارات غير المحسوبة من جانب طهران وخصومها الدوليين، يعتبر مدعاة للقلق الشديد بالنسبة للعواصم الخليجية العربية بكل تأكيد. وبشكل أكثر وضوحاً، فإن كلاً من التلف السياسي والاقتصادي الذي من شأنه أن يصيب الجارين الإقليميين الكبيرين سوف يتسبب أساساً في إضافة أبعاد درامية وعميقة لخاصية الاضطراب السياسي والأمني التي تصبغ منطقة الخليج أصلاً، وبالشكل الذي سوف يقوض أسس الخاصية الثانية للمنطقة والمتمثلة في الأداء الاقتصادي المزدهر لدولها، ويحول ذلك الازدهار إلى تراجع اقتصادي وكساد تجاري بعد أن يحرمها من انسيابية تدفق كل من النفط وعائدات مبيعاته، ويغير بالتالي ثنائية الثراء الاقتصادي والغموض السياسي ليتحول الثراء إلى حرمان ويكتسب الغموض جوانب أكثر خطورة.

تسببت الحربان الإقليميتان الأخيرتان اللتان شهدتهما منطقة الخليج في العام 1991 والعام 2003، في تعزيز قبضة الولايات المتحدة السياسية والأمنية على زمام الأمور في منطقة الخليج، بحيث ترسخت فكرة أن هذا الجزء من العالم قد تحول إلى منطقة مصالح ونفوذ أمريكية على درجة عالية من الأهمية. أكثر من ذلك، فإن المسار التصادمي الذي تسير عليه كل من واشنطن وطهران بخصوص ملف إيران النووي من جهة، وعلاقات العداء العلني بين إيران وإسرائيل من جهة ثانية، والاتهامات بدعم وتمويل الإرهاب التي توجهها واشنطن إلى طهران، نقول إن هذا المسار ينذر بأن يدخل الخليج في مرحلة جديدة حرجة فيما يتعلق بواقع ومستقبل النفوذ والهيمنة الأمريكيين في المنطقة. على اية حال، إن مرور خمسة عشر عاماً من الهيمنة الأمريكية في الخليج يجب أن يكون قد أنتج حصيلة من التجارب لدى العواصم الخليجية بخصوص مدى النفوذ الأمريكي تجاهها، وطبيعة ممارسات النفوذ السياسي والدبلوماسي والعسكري الذي وقعت في إطاره، ومدى جدوى هذا النفوذ في تحقيق أو تعطيل مصالحها الوطنية أو النظمية، وكذلك الكيفية التي يمكن لها أن تمارس أساليب وأدوات المساومة المختلفة والتي قد تكون مفيدة في التعامل مع نفوذ واشنطن تجاهها.

ليس هذا المكان المناسب من أجل الخوض في حصيلة تجربة تعامل دول الخليج مع النفوذ الأمريكي، وذلك على الرغم من يقيننا أن تقييم هذه التجربة يعتبر أمراً بالغ الحيوية من الناحية الاستراتيجية، بيد أن هذا الأمر يجعل المقام مناسباً من أجل الحديث عن البدائل المتاحة أمام دول الخليج من أجل تخفيف آثار وطأة الهيمنة الأمريكية في المنطقة عليها، والتي تستدعي بالتالي طرح النظر في العلاقات بين الخليج وأوروبا، وذلك نظراً إلى أن هذه العلاقات تستحق المناقشة والدراسة بحد ذاتها، وأيضاً للفرص التي تشكلها بالنسبة للطرفين من أجل تحقيق علاقات استراتيجية مثمرة في ظل مؤسسات وممارسات الهيمنة الأمريكية في الساحة العالمية بشكل عام ومنطقة الخليج بشكل خاص.

وفي ضوء ذلك، يفرد هذا الإصدار من التقرير الاستراتيجي الخليجي اهتماماً خاصاً بالعلاقات الخليجية – الأوروبية، وذلك بغرض استعراض بعض من جوانب العلاقات بين الطرفين خلال العام 2005. ومن نافلة القول التذكير بحقيقة عمق وأهمية العلاقات والتفاعلات السياسية والتجارية بين الجانبين، سواء التي كانت سائدة في الماضي قبل ازدياد النفوذ الأمريكي في الخليج، أو التي تدور في المرحلة الراهنة بعد اشتداد الهيمنة الأمريكية في المنطقة، إضافة إلى المصلحة المشتركة التي تربط بين الأوروبيين والخليجيين في موازنة نفوذ واشنطن في الخليج بالشكل الذي يخفف من وطأته وآثاره على كليهما، فإن هناك صفة مشتركة تربط بين الطرفين وتتمثل تحديداً في المؤسسات والنشاطات التكاملية التي ينهمكان فيها من خلال هياكل مجلس التعاون لدول الخليج العربية من جهة، وهياكل الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، هاتان المؤسستان التكامليتان اللتان توفران منصة إضافية للعلاقات بين الخليج وأوروبا، إضافة إلى العلاقات الثنائية بين دول كل من الطرفين على حدة، كذلك، فإن الصفة التكاملية التي تطبع كلاً من التكتلين الإقليميين تجعلهما يقعان في الإشكالية ذاتها، والمتمثلة في كيفية صياغة وتنفيذ سياسات خارجية تكاملية أو مشتركة تجمع بين الدول الست في حالة مجلس التعاون الخليجي، والدول الخمس والعشرين في حالة الاتحاد الأوروبي، وذلك من أجل مواجهة القضايا الإقليمية والعالمية التي تزخر بها الساحة الدولية.

من المنطقي الاعتقاد بأن واشنطن لن تشجع بشكل متحمس نموا في العلاقات بين الخليج وأوروبا، إذ إن من شأن ذلك أن يتسبب في تعريض الهيمنة الأمريكية حديثة العهد في المنطقة للمنافسة التي يمكن أن يشكلها النفوذ الأوروبي بالنسبة لها. ومن المنطقي أيضاً ألا تتوقع دول الخليج من جانبها أن تتمكن من الإفلات من معطيات النفوذ الأمريكي في الخليج أو أن تنجح في التواصل بشكل فاعل ومؤثر مع الاتحاد الأوروبي في المجالات التي يمكن أن تعتبرها واشنطن تهديداً صريحاً أو محتملاً لمكتسباتها السياسية والاقتصادية في المنطقة، والتي يعززها الوجود العسكري الأمريكي القوي.

على الرغم من ذلك، فإنه يتعين على كل من الأوروبيين والخليجيين توظيف القدرات الدبلوماسية والتجارية والسياسية والأمنية الخلاقة المتوفرة لديهما من أجل استكشاف مجالات الاتفاق بينهما والعمل على توسيعها وتعميقها، واستكشاف مجالات الاختلاف بينهما والعمل على تضييقها ومعالجتها. قد يبدو طرح مثل هذه المشورة أمراً بديهياً مفروغاً منه، ولكننا نعتقد أن هناك حاجة ماسة للتأكيد على هذا الجانب، خاصة في ظل الإشكالية النظرية والعملية التي تغلف عملية صنع سياسات خارجية مشتركة بين كيانين إقليميين تكامليين، كمجلس التعاون والاتحاد الأوروبي، وأيضاً في ظل حقيقة أن الاتحاد الأوروبي لا يبدو متمتعاً بالكفاءة ذاتها التي تتوفر لدى واشنطن فيما يتعلق بتقنين العلاقات مع دول الخليج وتأطيرها من خلال اتفاقيات مؤسسية تتمتع بأية درجة من الإلزامية.

إن تعثر جهود مفاوضات التجارة الحرة بين دول الخليج والاتحاد الأوروبي وفشلها في التوصل إلى اتفاقيات في هذا الشأن، في الوقت instagram viewer private الذي كانت واشنطن قد نجحت في الدخول في مفاوضات التجارة الحرة مع دول الخليج، وإبرام اتفاقيات مع بعضها خلال العام 2005، نقول إن من شأن هذا التباين أن يقدم حافزاً بالنسبة للخليجيين والأوروبيين لبذل المزيد من الجهود من أجل ترجمة اعتمادهم الاستراتيجي على بعضهم البعض إلى اتفاقيات ومؤسسات مؤثرة. باختصار، لن يتسنى للاتحاد الأوروبي أن يلعب أدواراً أكثر فاعلية ومصداقية على الساحة الدولية توازي قوته الاقتصادية ان هو استمر متردداً في تواصله مع شؤون وشجون منطقة الخليج، كما أن مجلس التعاون لدول الخليج العربية لن يتمكن من تخفيف عبء الهيمنة الأمريكية الأحادية التي يرزح تحتها إن لم ينجح في كسب أوروبا كطرف موازن يوفر المزيد من هامش المناورة أمام دول الخليج في إدارة علاقة الهيمنة مع واشنطن.

يضع مركز الخليج للدراسات بين يدي القراء المعنيين والمهتمين بالشؤون الخليجية هذا الإصدار من التقرير الاستراتيجي الخليجي، والذي يرصد ويحلل الأحداث والتطورات التي شهدتها المنطقة خلال العام 2005، وقد قامت نخبة من الباحثين البارزين بكتابة فصول هذا التقرير، حيث أسهم الدكتور غانم النجار بكتابة فصل مجلس التعاون الخليجي 2005، والذي يستعرض بشكل شامل ومتكامل التفاعلات الخليجية في جوانبها المختلفة. وتلقى الأوضاع والتطورات بالغة الحيوية في العراق اهتماماً تحليلياً في هذا التقرير، من خلال فصل العراق 2005 الذي تفضل الدكتور خليل الحديثي بالمساهمة به. ويعالج فصل إيران 2005 الذي كتبه محمد صادق الحسيني التطورات المهمة التي دارت في الساحة الإيرانية، بينما يتناول الاستاذ جميل مطر العلاقات والتفاعلات بين الخليج والدول العربية، وذلك نظراً للبعد الاستراتيجي الذي يمثله المحيط العربي الأشمل بالنسبة لدول الخليج العربية.

وعلى صعيد العلاقات بين الخليج وأوروبا، يتناول فصل العلاقات السياسية بين دول مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي الذي كتبه الدكتور حسن نافعة بالتحليل المنهجي والمعمق، أنماط التفاعلات بين الجانبين خلال العام 2005، وتنال العلاقات العسكرية الخليجية – الأوروبية نصيباً وافراً من الرصد والتحليل في فصل علاقات الدفاع والأمن بين دول مجلس التعاون ودول الاتحاد الأوروبي، الذي كتبه الدكتور محمد النقبي. ونظراً لأهمية الجوانب الإنسانية في التفاعلات بين دول العالم، فإن فصل العلاقات الثقافية الخليجية – الأوروبية الذي كتبته الدكتورة مريم لوتاه يستوفي الجوانب التحليلية في استعراض ودراسة العلاقات بين أوروبا والخليج.

إلى جميع هؤلاء الباحثين المهتمين بالشؤون والتفاعلات الاستراتيجية لمنطقة الخليج، نقدم الشكر والتقدير على بذل الوقت والجهد من أجل انجاز هذا الإصدار من التقرير الاستراتيجي الخليجي.

ان مركز الخليج للدراسات إذ يقدم هذا التقرير الاستراتيجي، يستكمل مسيرته التي كان قد بدأها قبل نحو ست سنوات، والتي تهدف إلى وضع التفاعلات والأحداث التي تتعلق بمنطقة الخليج، الداخلية والخارجية، تحت طائلة الرصد والمتابعة والتحليل، وذلك من أجل أن تسهم في زيادة الوعي والمعرفة بالتطورات السنوية لشؤون هذه المنطقة الحيوية من العالم المعاصر، وأيضاً بهدف مساعدة الباحثين والدارسين وصناع القرار على الحصول على حصيلة متراكمة عبر السنوات المتتالية من المعلومات والحقائق والاستنتاجات الرصينة حول هذا الجزء من العالم.

 

قد يعجبك ايضا ...