التقرير الاستراتيجي 2006 – 2007

التقرير الاستراتيجي 2006 - 2007

أولاً: دول مجلس التعاون الخليجي 2007 – 2006

أنماط التحديات

أنماط الاستجابات

التفاعلات البينية داخل المجلس

التفاعلات الإقليمية والدولية

الموقف من البرنامج النووي الإيراني

العلاقات مع الولايات المتحدة وحلف الناتو

ثانياً: الخليج والتفاعلات العربية 2007 – 2006

التفاعلات الخليجية – العربية

الدائرة العربية في اجتماعات دول مجلس التعاون الخليجي

التفاعلات الخليجية – العربية في سياق الجامعة العربية

التفاعلات الاقتصادية الخليجية – العربية

نظرة مستقبلية

ثالثاً: اليمن 2007 – 2006

الانتخابات في الجمهورية اليمنية

علاقات اليمن الدولية

اليمن ومسيرة الانضمام إلى مجلس التعاون لدول الخليج العربي

حالة الإعلام اليمني 2006

رابعاً: إيران 2007 – 2006

الأوضاع الداخلية العامة

المعارضة الإصلاحية تفتح الماراثون الانتخابي البرلماني

خامساً: إشكالة منع الانتشار النووي

مفاهيم وقضايا الانتشار النووي

الانتشار النووي في الشرق الأوسط

العرب ومستقبل الخيار النووي

سادساً: تطور ومستقبل البرنامج النووي الإيراني

التفاوض الإيراني – الأوروبي

سلة الحوافر الأوروبية

الرد الإيراني

روسيا والصين وملف إيران النووي

مستقبل البرنامج النووي الإيراني

سابعاً: القدرات النووية الإسرائيلية

نشأة وتطور القدرات النووية الإسرائيلية

العقبات والقيود على السلاح النووي الإسرائيلي

نظرية الأمن القومي الإسرائيلي

ثامناً: البرنامج النووي سياسة العصا والجزرة بين إيران وكوريا الشمالية

برنامج إيران النووي

جولات التفاوض عام 2004

برنامج كوريا الشمالية النووي

تاسعاً: الملف الإحصائي الخليجي2006 – 2005

المقدمة

التقرير الاستراتيجي الخليجي والملف النووي

نضع بين يدي القارئ الكريم التقرير السنوي لمركز الخليج للدراسات للفترة

2007 – 2006. وقد درج التقرير عبر السنوات الماضية من عمره على متابعة التطورات في بلدان مجلس التعاون من خلال تفاعلاتها ضمن المؤسسة التي تجمعها في ما بينها، ومع إقليمها، ومع بقية بلدان العالم. كما يرصد التوجهات العامة في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة داخلها التي تؤثر في تطورها، واستقرارها، وفي قدرتها على مواجهة التحديات الخارجية. وإلى جانب رصده لما يجري في بلدان مجلس التعاون فهو أيضا يبحث في تطور الأوضاع في البلدان الخليجية الثلاثة الأخرى؛ العراق، اليمن، وإيران من حيث ما يجري في داخلها، ومن حيث علاقاتها مع بلدان مجلس التعاون، ومن حيث تفاعلها مع بقية العالم.

ويستمر التقرير الحالي في مواصلة التقليد الذي أرساه في العدد السابق من حيث إضافة ملف يبحث في موضوع له تأثير واضح على التنمية والاستقرار في بلدان الخليج العربية. وينقسم هذا التقرير إلى جزءين يعالج في الأول ما دأب على معالجته في أعداده الماضية، ويتعامل في جزئه الثاني مع الملف النووي في أبعاده المختلفة.

أما الجزء الأول فينقسم إلى فصول أربعة.

يعالج الفصل الأول مجلس التعاون الخليجي مسألة إنجاز المجلس للمهام التي أنشئ من أجلها. ولعل قدرة المجلس على القيام بمهامه ترتبط ارتباطا وثيقا بقدرته على مواجهة التحديات الداخلية والإقليمية والدولية التي تطرق أبوابه بأشكال مختلفة. فهذه التحديات إن أهملت أو أخفق في التعامل معها بفعالية وتنسيق قد تعصف بالمجلس. وإذا لم يكن بالإمكان من خلال التصدي لهذه التحديات تعظيم المكاسب لبلدان مجلس التعاون فمن أضعف الإيمان العمل على تلافي تداعياتها السلبية التي ستؤثر بطريقة أو أخرى في أمن ومصالح بلدان المجلس. وتملي هذه التحديات على العقل النظر في حدود استجابة دول المجلس لها، وكيف يمكن أن تؤثر تلك الاستجابة في ما يجري من تطورات سياسية واقتصادية واجتماعية في هذه البلدان. وكيف تؤثر أيضا التفاعلات الثنائية بين دول المجلس في قيامه بمهمته الأساسية في تحقيق مصالح المجموعة، وفي سياسته المشتركة في التعامل مع القضايا والمشاكل الإقليمية والدولية الناشئة.

وستكشف طريقة التعامل مع التحديات الثلاثة آفاق مستقبل عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس من حيث أنها قد تمضي بها سريعا نحو المزيد من الانفتاح الداخلي والمشاركة الشعبية وتداول السلطة، أم أنها ستؤول إلى ردة على الإصلاح نفسه بما يترتب عليه من تضييق على الحريات، وتهميش للحقوق، وانتهاك للقانون، وتكميم للسلطتين القضائية والتشريعية، أم أنها ستفضي إلى حال من التردد والتعثر في تنفيذ الإصلاح الذي يلقى إجماعا داخليا على ضرورته. ومما يعقد مسألة تنفيذ التهديدات الأمنية التي تواجهها الدول العربية. وسيواجه المجلس في سياسته الخارجية تحديا واضحا سيكون له تأثير كبير على مستقبله كمنظمة إقليمية يتمثل في الاختيار ما بين إعطاء الأولوية للمصالح الجماعية على المصالح الفردية، واللجوء إلى سياسة توفيقية تزيد من تعرضه للأخطار الإقليمية والدولية التي تطرق أبوابه.

وتجيب الدراسة على هذه التساؤلات من خلال مبحثين: الأول، يتناول المدخلات التي تؤثر في عملية الإصلاح السياسي في دول الخليج، وفي الدور الإقليمي والدولي لدول مجلس التعاون، أي بطريقة أخرى التحديات التي تواجه البلدان فرادى وجماعة. أما المبحث الثاني، من الدراسة فيتناول مخرجات هذه العملية، أي أنماط استجابة الدول العربية للتحديات المذكورة، وذلك من خلال تحليل مقارن لمؤشرات عملية الإصلاح السياسي والتغيير الديمقراطي، ولطبيعة الخطاب السياسي الخليجي الجماعي المتصل بالتطورات الإقليمية والدولية.

أما الفصل الثاني المعنون الخليج والتفاعلات العربية فيرصد ويحلل ويقيم التفاعلات الخليجية العربية على المستويين الجماعي والثنائي خلال عام 2006. ويناقش الفصل التفاعلات الجماعية في نطاقين، الأول، يتصل بنشاط الدائرة العربية في اجتماعات مجلس التعاون في مستوى القمة كما في المستويات الوزارية حيث تتصدر القضايا العربية الجوهرية جداول أعمال هذه الاجتماعات. أما الثاني، فيرتبط بالتفاعلات الخليجية العربية في نطاق الجامعة العربية في مستوياتها المتعددة، كما ينظر في هذا التفاعل في حيزه المؤسسي الذي يتبدى في الزيارات المتبادلة بين المسؤولين في الأمانتين، أو في التنسيق بينهما.

وفي إطار المستوى الثنائي للتفاعلات الخليجية العربية، ينظر البحث في دعم البلدان الخليجية للقضية الفلسطينية الذي يتركز في ثلاثة محاور، الدعم المادي والمالي للشعب الفلسطيني ومؤسساته، الدعم السياسي والتحرك الدبلوماسي على الصعيد الدولي، ومقاطعة إسرائيل وفقا لنظام المقاطعة. كما يعالج التفاعل الخليجي مع الأحداث في لبنان سياسيا وماليا ومعنويا. وقد كانت المساعدات الخليجية المالية للبنان واضحة بعد العدوان الإسرائيلي عليه، وذلك من أجل مساعدته على النهوض من الدمار الذي أصاب الكثير من بناه التحتية ومؤسساته الخدمية، وأنشطته الاقتصادية. كما بحث التفاعل الخليجي مع بقية الأقطار العربية بقدر من التفصيل الذي تتطلبه أهمية الموضوعات.

ولم يتوقف البحث عند التفاعلات السياسية، وإنما نظر أيضا في التفاعلات الاقتصادية، حيث أشار إلى التبادل التجاري بين الأقطار العربية وبخاصة ما تعلق باتفاقات التجارة الحرة، لكنه أسهب في بحث تدفقات الاستثمارات الخليجية إلى البلدان العربية. حيث كان لتراكم الفوائض المالية بفضل الارتفاع في أسعار النفط تأثيرا جليا في الانسياب المتزايد للاستثمارات إلى الأقطار العربية. وقد تركز هذا التدفق في بضع بلدان عربية هي مصر والأردن والمغرب ولبنان.

وتناول الفصل بالبحث تلك القضايا التي سيكون لها تأثير كبير على إعادة رسم خريطة المنطقة، وفي تحديد العلاقة بين بلدان المنطقة وبينها وبين القوى الكبرى. كما سيكون لها تداعيات تطال الاستقرار السياسي في المنطقة كما في داخل البلدان نفسها. ولعل من أبرز هذه القضايا، الأمن، والإرهاب، وإسرائيل، والموضوعين الإيراني والعراقي. وقد رأى البحث في خاتمة المطاف أن متغير الاستقرار لا يمكن تجزئته، إذ غيابه في بلد عربي له تأثيرات كبيرة في الأجل القصير كما في الأجل الطويل على حضوره في البلدان العربية الأخرى. ومن أهم القضايا التي تشغل بال بلدان الخليج في موضوع الاستقرار هو مسألة العمالة الأجنبية. كما أن موضوع الإصلاح الداخلي بحكم كونه قد يكون أداة سياسية في يد الولايات المتحدة من أجل الضغط على البلدان العربية ومنها الخليجية ابتزازا لمواقف عربية مما يجري في العراق وفلسطين هو أمر مقلق لجميع بلدان المنطقة.

ويبحث الفصل الثالث التطورات المختلفة الأبعاد والمجالات التي شهدتها الجمهورية اليمنية خلال عام 2006. وقد ركز البحث في تضمينات البرنامج الحكومي من خلال ما أسماه بايجابياته وسلبياته. ففي الجانب الأول ركز البرنامج على إعادة الهيكلة المؤسسية من خلال استحداث وزارات جديدة استهدفت ميادين الحياة العامة والخاصة، وحماية الحقوق والحريات. كما تطبيق نظام اللامركزية التي توسع من مجال المشاركة السياسية العامة، وتخفض من تركز المسؤولية في جهة واحدة. كما تضمن إجراءات مختلفة تهدف إلى مكافحة الفساد. أما الجانب الآخر فيتصل بحقيقة أن القضاء لا يملك استقلالا تاما نتيجة للتدخلات الكثيرة من أطراف كثيرة داخل المجتمع اليمني، ولفقدان أجهزة تنفيذية خاصة بالقضاء وتطبيق أحكامه. كما يشكل الأمن الداخلي معضلة كبيرة ترجع في جزء أساسي منها إلى وجود حمل كثيف للسلاح حتى أصبح مشكلة نتيجة لارتباطه بانتشار الجهل وعدم احترام القانون.

أما بالنسبة للوضع الاقتصادي، فإنه بالرغم من تضاعف الناتج المحلي عما كان عليه في عام 1990، وتحسن مؤشرات اقتصادية واجتماعية مختلفة، لكن ما زال اليمن يواجه تحديات كبيرة لعل أهمها تخفيف حدة الفقر. فاليمن ما زالت تعتبر من أفقر بلدان العالم، حيث كانت نسبة السكان الذين يعيشون دون حد الفقر 42% في نهاية التسعينات. ومن الطبيعي أن تركز استراتيجية مكافحة الفقرعلى الريف الذي يقطنه 75% من السكان، والذي زادت فيه نسبة الفقر على 45% في نفس الفترة.

وفي ما يتعلق بمسيرة انضمام اليمن إلى مجلس التعاون فقد وجد البحث أن ضروراتها تكمن في مجموعة من العوامل مثل التجانس في العوامل الثقافية والاجتماعية، وقدرة عناصر الإنتاج على الانتقال في إطار الإقليم الذي يسهله التواصل الجغرافي، وخزان العنصر البشري الذي يردف عملية التنمية الاقتصادية في دول مجلس التعاون.

وقد تم حتى الآن اتخاذ مجموعة من الإجراءات لتسهيل عملية انضمام اليمن إلى المجلس بدأت بقرار قادة دول مجلس التعاون في قمتهم الثانية والعشرين بالموافقة على انضمام اليمن إلى بعض مؤسسات المجلس. كما تم التوقيع في نهاية 2005 على اتفاقية بين المجلس والجمهورية اليمنية تحدد آليات معينة للتعاون بين الجانبين. كما شارك وزير خارجية المغتربين في اليمن بأكثر من اجتماع وزاري للمجلس من أجل تسهيل عملية الانضمام من خلال التعاون في بعض المشروعات المشتركة. ومن جانبها تقوم اليمن باتخاذ حزمة من الإجراءات الجذرية كي تؤهل

الاقتصاد اليمني للاندماج في اقتصاديات مجلس التعاون.

أما الفصل الرابع، فيتناول التحديات الإيرانية الاستراتيجية. وهو يعالج كيفية تعامل الداخل الإيراني مع التحديات الخارجية، وأثر التقلبات والتناقضات الداخلية على هذا التعامل. ومع أن وصول الرئيس محمود أحمدي نجاد إلى السلطة كان مباغتا ومدويا في آن غير أن وعود التحسن والإصلاح الداخلي الذي وعد به الرئيس الجديد فلم يتبلور في حيز الواقع. وقد عزا أنصار التيار المحافظ ذلك إلى تسيب الوضع الداخلي، واحتمال انفراط عقد المجتمع والبلاد فيما لو تم المضي فيها. وعوضا عن الالتفات إلى الإصلاحات الداخلية، طغى ملف المواجهة الخارجية على كل شيء آخر. ويبدو أن التركيز على الملف النووي خلق مزيجا من الاستنفار القومي والديني يشبه ما حصل في بداية الخمسينات حين تأميم النفط على يدي مصدق.

وكان من نتائج التركيز على الملف النووي في الاستنفار القومي والديني تفجر تناقضات كانت ثانوية في الماضي بين الرعيل الأول للثورة أو ما يسمى الحرس القديم. كما حصل انشقاق داخل الجبهة الإصلاحية أدى إلى تشظي كوادرها، وبروز حزب إصلاحي جديد بقيادة الشيخ مهدي كروبي أرسى وجوده بنقد جدي وقوي للتجربة الإصلاحية السابقة.

أما على الطرف الآخر، فقد شهد تيار المحافظين بصعود نجم أحمدي نجاد نوعا من تجديد الحياة تبدّى في اجتياحه لانتخابات المجلس البلدي وبعض المدن الكبرى خلال منتصف ولاية الرئيس خاتمي الثانية. لكن هذا التيار المحافظ الذي توسع واشتد ساعده حتى تمكن الرئيس نجاد من الوصول إلى سدة الحكم بواسطته سرعان ما انشطر إلى قسمين في نهاية العام 2006. وقد كان هذا الانشطار على حساب الرئيس نجاد ولمصلحة المحافظين المعتدلين.

وترى الدراسة أن هذه التفاعلات الداخلية تعكس إلى حد كبير قدرة المرشد آية الله خامنئي على إدارة لعبة ذكية أبقى بواسطتها جميع الخيوط مشدودة إلى الزعامة الروحية. بل وأرسى سياسة حافة الهاوية في الصدام مع الشيطان الأكبر أي الولايات المتحدة التي استقطبت كل القوى الإيرانية على اختلاف توجهاتها تحت خيمتها. وقد أدت هذه السياسة إلى خلق استرخاء اجتماعي ملحوظ بات فيه الوضع خاليا من التوترات التي شهدها في مرحلة سابقة. ومع ذلك بقي الأرق الشديد، أي الوضع الاقتصادي، الذي لم تستطع أية سلطة معالجته جذريا.

ويرى البحث أن التطورات في الملف النووي شهدت أيضا تغيرا في أسلوب التعامل مع الشيطان الأكبر حيث كان الحوار معه من المحظورات في عهد الرئيس خاتمي، بينما أصبح من المباحات بل ومن المستحبات كما تقول الدراسة في العهد الحالي. وقد تجلى ذلك في مؤتمر بغداد المتعلق بالامن في العراق الذي تحاور فيه الجانبان في مناخ من المماحكات والمطاردات الأمنية والاستخباراتية.

وبقدر ما يتعلق الأمر بالمنطقة، فقد رصدت الدراسة توقعات المراقبين والمحللين السياسيين للتوجهات الإيرانية من حيث إنها تسعى لخلق شرق أوسط إسلامي جديد مقابل الشرق الأوسط الموسع أو الكبير الذي دعت الإدارة الأمريكية إلى قيامه عشية الحرب على العراق. ويبدو أنها تعرف أنه من أجل تحقيق ذلك ينبغي عليها ايجاد السبل الكفيلة لحل الخلافات أو الملفات العالقة بين طهران وبعض الدول العربية وبخاصة الخليجية منها.

ويفرد التقرير في جزئه الثاني ملفه عن الانتشار النووي الذي بات هاجسا عالميا لما يعتريه من مفارقات، ومن مخاطر، ومن فرص. فالبلدان الكبرى تحاول احتكار التقانة النووية لتستأثر بما يولده الاستئثار لها من منافع مادية، ومن قدرات عسكرية. وهي حينما تستجيب لطلبات نقل التقانة فهي لا تقوم بذلك وفقا لمعايير موضوعية كما أملتها الاتفاقات الدولية الخاصة بالانتشار النووي. ويثير هذا الاحتكار القلق لدى البلدان الأخرى من جانبين، الأول، أن البلدان الكبرى خلافا لالتزاماتها وفقا لمعاهدة منع الانتشار النووي لا تعمل بجد من أجل التخلص من قدراتها النووية العسكرية، والثاني، أنها تمنع الانتقال السلمي لهذه التقانة إلى الدول التي تختلف معها سياسيا أو أيديولوجيا. ومن طبيعة الأمور أن تعمل البلدان التي تخشى قدرات البلدان العسكرية الأخرى على تحصين نفسها بخلق توازن نسبي مع تلك البلدان بتمكين نفسها من مثل تلك القدرات. ويؤدي سعي بعض البلدان إلى الحصول على التقانة النووية إلى إثارة الشكوك لدى القوى الكبرى من أن تؤول هذه بالضرورة إلى قدرات نووية عسكرية، وإلى المخاوف في البلدان الأخرى التي لا تملكها من نتائج مثل هذه السياسات.

ولأن الموضوع لم يعد لغطا، أو حتى حديثا وإنما هو نزاع قد يفضي إلى أعمال عسكرية لا تؤثر في المنطقة العربية فحسب وإنما في العالم بأجمعه، كان لا بد من تسليط الضوء على هذه المسألة حتى يطلع القارئ على أبعادها المختلفة، ويرى تشابك عناصرها السياسية والتقانية والاقتصادية والعسكرية. ولذلك، يبدأ الملف بتحديد مجموعة من الإشكالات المرتبطة بالموضوع، حيث تختلط مفاهيم المصطلحات النووية المتعددة، ويساء استخدام البعض منها من الأطراف المختلفة في عملية الصراع الدائرة بينهم.

فالملف يرى أن تحديد مفاهيم البرنامج النووي، والقدرات النووية، والمواد النووية، والمنشآت النووية، والأسلحة النووية، والرقابة والتفتيش النووي وغيرها من المصطلحات ضرورة لإدراك الموضوع النووي في جوانبه السياسية والعسكرية والتقانية. ولا يمكن لمن يتابع ما يكتب عن القضايا النووية أن يلم بأطرافها أو تكون لديه قدرة التمييز بين رشقات الحملات الإعلامية المتبادلة إن لم تكن لديه مرجعية في هذا الموضوع واضحة. ولعل المرجعية التي لا خلاف عليها بين البلدان، وإن اختلفوا في تفسير موادها هي معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، التي رفضت إسرائيل حتى هذه اللحظة الانضمام إليها. وأهمية ذلك تنبع من كون هذه المعاهدة تعين واجبات البلدان المتملكة للقدرات النووية وللسلاح النووي تجاه البلدان غير المالكة لها.

ويعالج الملف عدة قضايا، تتصل الأولى ببرنامج إسرائيل النووي الذي تم تطويره منذ منتصف القرن الماضي بدعم فني كبير ومباركة واضحة من البلدان الغربية. ولم يكن موضوع البرنامج النووي الإسرائيلي سرا، حيث كانت تطفح به الأخبار، وكان محل شكوى الكثير من البلدان التي أرادت أن تمد وكالة الطاقة الذرية خيمة إشرافها ومراقبتها إليه، لكن كانت البلدان الغربية تحول دون ذلك بالنفوذ الذي تملكه في المؤسسات الدولية ذات العلاقة. ولعل المفارقة الخطرة أن هذه البلدان التي تملأ الدنيا ضجيجا لأخبار غير موثوقة عن أسلحة للدمار الشامل في بلدان ليست على وئام معها وتعمل من أجل فرض العقوبات عليها بل وشنت الحرب على العراق بأعذار كاذبة، تصد بعناد أية محاولة لإجبار إسرائيل للسماح للمفتشين الدوليين حتى يتأكدوا من امتلاكها أو خلوها من هذه الأسلحة.

ولقد فوتت البلدان الغربية من خلال تمكين إسرائيل بحصانة لا تستحقها على نفسها وعلى العالم فرصة ضبط عملية الانتشار النووي في العالم. فالبلدان الأخرى التي ترى أولا تخلي القوى الكبرى عن التزاماتها وفق أحكام معاهدة عدم الانتشار النووي، وثانيا ازدواجية المعايير في تطبيق أحكام هذه المعاهدة، أصبحت ترى نفسها في حل من تبعاتها، وتعمل على تجاوزها ولو بطرق غير مباشرة.

أما قضية البرنامج النووي الإيراني فقد شهد نزاعا سياسيا يهدد بالتحول إلى نزاع عسكري. فالطرف الإيراني يشدد على سلمية برنامجه، ويؤكد أن ولوجه في الطريق النووي يبرره حقه الذي تكفله له الاتفاقيات الدولية في حيازة التقانة النووية، وتمليه احتياجاته المستقبلية لتوليد الطاقة من مصادر جديدة. بينما يرى الطرف الأمريكي تسنده بعض البلدان الأخرى أن غرض إيران من برنامجها هو الحصول على القوة النووية العسكرية. وقد قاد الأوروبيون عملية التفاوض مع إيران، فما الذي عرضوه على إيران؟ وما هو رد الفعل الإيراني؟ وإلى أين ستقود المفاوضات؟ ثم ما هي طبيعة القدرات النووية الإيرانية؟ إضافة إلى أسئلة أخرى يحاول الملف الإجابة عليها.

ويلاحظ الملف أن الولايات المتحدة استعملت طريقتين مختلفتين في التعامل مع مسألتين متشابهتين. فقد سلكت سبيل المفاوضات الهادئة مع كوريا الشمالية وأغرتها بالفوائد المادية والسياسية، بالرغم من أن كوريا الشمالية تحدت المجتمع الدولي ليس من حيث تخصيب اليورانيوم فحسب بل أيضا من حيث تصنيع السلاح النووي وتجربته. ولكن مارست أسلوب استخدام العصا مع إيران التي تصر على سلمية برنامجها، وعلى التعاون مع المنظمة الدولية المختصة بهذا الشأن. وواضح من الاختلاف في طريقة التعامل مع حالتين شبيهتين في نظر الولايات المتحدة أن تطبيق المعايير الدولية لم يكن الحكم الذي حدد سياساتها، بقدر ما هو مصالحها والظروف السياسية الإقليمية والدولية الخاصة بكل حالة منهما.

كما يحاول الملف تسليط الضوء على البرامج النووية العربية مبينا أسباب تعثرها كي يمكن تلافيها فيما لو أرادت البلدان العربية إحياء برامجها النووية السلمية، والعمل سويا من أجل بناء استراتيجية عربية نووية مشتركة. كما يفحص الملف الأداء العربي في المحافل الدولية في ما يتعلق بمسألة الانتشار النووي.

ويبقى في النهاية التكهن في ما سيؤول إليه حال العالم، فهل سيمضي سريعا في طريق الانتشار النووي الذي يحمل مخاطر حقيقية على استمرار البشرية في بقائها، أم سيتغلب في النهاية أهل العقل من أجل تطبيق مفهوم السلم العالمي الذي يتحقق من خلال نزع أسلحة الرعب التي تقض مضاجع البلدان، وسيادة العدل في جل قضايا العالم.

 

قد يعجبك ايضا ...