التقرير الاقتصادي 2004 – 2005

 

التقرير الاقتصادي 2004 - 2005

بالرغم من أن التطورات في الساحة الخليجية في النصف الثاني من عام 2003، والنصف الأول من عام 2004، ظلت مرتبطة بدرجة وثيقة بالتطورات في الساحة العراقية ومواجهة تداعيات الاحتلال، فإن من اللافت للنظر السرعة التي تعافت بها اقتصاديات هذه الدول من صدمة الحرب وما تلاها من الأعمال العسكرية. ومنذ الربع الأخير لعام 2003 على الأقل بدأت اقتصاديات الدول الخليجية تتمتع، وإن كان بدرجات مختلفة، ببعض الجوانب الإيجابية للحرب، مرددة على نحو مزرٍ مقولة #187;مصائب قوم عند قوم فوائد#171;.

فبالرغم من انتهاء الأعمال الحربية الكبرى، فإن أسعار النفط ظلت عند مستويات مرتفعة خلال الفترة بأكملها، بل شهدت منذ صيف عام 2004 مستويات لم تشهدها منذ اكتشاف الذهب الأسود في أواخر القرن قبل الماضي. وأزاح سقوط النظام العراقي السابق جانباً مهماً من حالة عدم التيقن التي كانت عائقاً أمام الاستثمار في بعض الدول المجاورة للعراق (الكويت والسعودية على وجه الخصوص) مما حفز الاستثمار والإنفاق في هذه الدول. ثم إن جهود إعادة الإعمار، وتواجد الشركات العالمية خلق طلباً قوياً على السلع الاستهلاكية والسلع المعمرة وشبه المعمرة، ومواد البناء.

وبجانب هذا المؤثر الرئيسي، كانت البيئة العالمية عموماً محابية، إذ شهد الاقتصاد العالمي انتعاشاً ملحوظاً أزال مخاطر التوقعات بحدوث ركود شامل، وعزز الطلب على المواد الأولية ومنها النفط والغاز مما انعكس إيجابياً على دول الخليج. وبالرغم من استمرار جهود مكافحة الإرهاب على المستوى العالمي، فإن حدة هذه الحرب خفت قليلاً مما أزاح بعض الضغوط عن منطقة الخليج التي كانت ساحة رئيسية لتلك الحرب، كما أدى إلى عودة حركة السفر للأغراض التجارية والسياحية إلى مستويات مرضية، وخاصة بين دولة الخليج وأوروبا وشرقي آسيا.

إلا أن هذه الفترة لم تخل من المخاطر والمنغصات. فالأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة شهدت تدهوراً خطيراً وعنفاً إسرائيلياً غير مسبوق ضد الشعب الفلسطيني تمثل في قتل وتشريد الآلاف وهدم الآلاف من المنازل والمزارع، ويحدث كل ذلك في ظل انخفاض ملحوظ للدعم العربي للقضية الفلسطينية. وشهدت بعض الدول الخليجية حوادث إرهابية تمثلت في الهجوم على بعض المجمعات السكنية التي يقطنها المهاجرون الأجانب أو مراكز الأمن والدفاع مما زاد من درجة عدم التيقن وتوجس المستثمر والسائح الأجنبي من التوجه لدول محددة. يضاف إلى ذلك استمرار أحداث، المقاومة والعنف المسلح في العراق، وارتباط العديد من الدول الخليجية بتلك الأحداث، إما من خلال ترابطها الحدودي، أو الاتهامات بوجود بعض المشاركين من دول الخليج في أعمال المقاومة، أو من خلال التدخل المباشر لبعض هذه القوى في الشأن العراقي لاعتبارات سياسية ومذهبية (إيران).

الاقتصاد العالمي:

على صعيد الاقتصاد العالمي، أصبح الانتعاش خلال العام المنصرم (منتصف 2003 إلى منتصف 2004) أكثر رسوخاً وقوة. ويقدر صندوق النقد الدولي معدل نمو الاقتصاد العالمي خلال تلك الفترة بحوالي 5%، مع انتشار هذا النمو على رقعة جغرافية أوسع مما كان عليه في أي وقت مضى. ومع ذلك فقد كان هذا النمو ملحوظاً في الولايات المتحدة والصين واليابان والهند والشرق الأوسط. وقد صاحب ذلك ارتفاع قوي في الإنتاج الصناعي واستمرار تدفق حركة التجارة العالمية ونمو ملحوظ في الاستهلاك الفردي عززه التحسن في أسواق العمل وأسواق المال، ناهيك عن بروز العديد من الشركات العالمية بنتائج أفضل منذ انفجار فقاعة أسواق الأسهم في أواخر عام 2000.

ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن معدل النمو الاقتصادي العالمي في الربع الأول من عام 2004 كان أعلى مما هو متوقع، إلا أن حركة الانتعاش بدأت بالتباطؤ قليلاً في الربع الثاني، حيث إن معدلات النمو في العديد من الدول الصناعية ومنها الولايات المتحدة واليابان كانت أقل من التوقعات. وكذلك فإن الصين حققت معدلات نمو متباطئة نوعاً ما، مقارنة مع المستويات الماضية، مما أزال بعض المخاوف من ظاهرة تسخين الاقتصاد في تلك الدولة.

وكما أسلفنا، فإنه بالرغم من أن الانتعاش كان ظاهرة عامة، فإن بعض الدول أو المناطق أظهرت انتعاشاً أكثر من غيرها. في الدول الصناعية استمر النمو يحفز الانتعاش في الولايات المتحدة واليابان. وفي الأولى كانت السياسات المالية والنقدية التحفيزية (خفض أسعار الفائدة وخفض الضرائب) وتحسن إنتاجية العمل العوامل الأساسية لاستمرار النمو. وفي اليابان، فإن المخاوف من استمرار الكساد قد حل محلها موجة تفاؤل، مدعمة بأداء جيد للعديد من القطاعات الإنتاجية.

وبجانب ذلك شهد الاقتصاد العالمي العديد من التطورات الجديدة. التطور الأول، هو التحول الملحوظ في التوقعات على المستوى الدولي من مخاوف من حدوث كساد عالمي، إلى مخاوف من عودة ظهور التضخم مرة أخرى. ينبغي تذكر أن الانتعاش الاقتصادي العالمي حدث في ظل ظاهرة فريدة وهي انخفاض غير مسبوق في أسعار الفائدة، حيث إن هذه الأسعار استقرت عند مستويات لم تشهدها منذ الحرب العالمية الثانية. ولذا فإن المرحلة الأولى من هذا الانتعاش لم يصاحبها تخوف من التضخم خاصة في ظل بيئة عالمية كانت مشحونة بالمخاطر. إلا أنه وفي العديد من الدول، ومنها الولايات المتحدة، فإن النمو الاقتصادي المرتفع وزيادة الطلب الخاص وارتفاع أسعار المواد الأولية دفع التضخم للارتفاع من جديد. وفي الجانب الإيجابي من هذه القضية فإن وجود طاقة إنتاجية فائضة في العديد من القطاعات في الاقتصاديات العالمية، والارتفاع الطفيف في الأجور مقارنة بالإنتاجية، وارتفاع ربحية الشركات ستكون عوامل مهمة في تخفيف حدة الضغوط التضخمية.

التطور الثاني، هو أن تحسن الطلب العالمي ومصاحبة ذلك باتخاذ العديد من سياسات العرض (Supply – Side) قد أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع الأولية. ويقدر صندوق النقد الدولي في آخر تقرير له (أكتوبر 2004) أن أسعار هذه السلع قد ارتفعت بحوالي 27% بعملة وحدة حقوق السحب الخاصة (SDR) منذ ديسمبر 2003. وفي أسواق النفط، ارتفعت الأسعار بمقدار كبير معززة بارتفاع الطلب والقلق بشأن الإمدادات العالمية للنفط، وخاصة من العراق وروسيا وفنزويلا ونيجيريا. وقد فاقم ذلك تضاؤل الطاقة الإنتاجية الفائضة وزيادة حدة المضاربات. وسنأتي على تفصيل ذلك بعد قليل.

التطور الثالث، هو تحول التخوفات المستقبلية من حدوث كساد عالمي إلى عوامل أخرى مثل الآثار التي يمكن أن يحدثها الارتفاع المستمر في أسعار النفط، والتوجهات المستقبلية لأسعار الفائدة والتأثير المحتمل لذلك على الاستهلاك الخاص وعلى أسواق المال وأسواق العقارات، وحركة أسعار الصرف بين الدولار الأمريكي والعملات الرئيسية وتأثير ذلك على حركة التجارة العالمية وعلى السياحة. ومن المخاطر الأساسية التي تواجه الاقتصاد العالمي العجز المتنامي في الحساب الجاري في الولايات المتحدة والذي بلغ مستويات قياسية. وكل الدلائل تشير إلى ضرورة حدوث تصحيح لهذا العجز. إلا أن السؤال المطروح هو: ما تأثير ذلك على سعر صرف الدولار في الأسواق العالمية. والتأثير على سعر الصرف هو أحد الآثار، أما الأثر الآخر المحتمل فهو تأثير ذلك التصحيح على النمو الاقتصادي في الدولة التي تعاني من العجز، حيث إن تصحيح العجز عادة ما يكون مصحوباً بانخفاض النمو الاقتصادي.

الاقتصاد الخليجي:

كان التطور الأبرز خلال العام الفائت هو قدرة الاقتصاديات الخليجية على تخطي المشكلة العراقية بسرعة قياسية، والتحرك قدماً نحو العديد من سياسات الإصلاح والمشروعات العملاقة ومشروعات إعادة البناء. وقد ساعد على ذلك ارتفاع الإيرادات النفطية إلى مستويات قياسية لم تشهدها هذه الدول في تاريخها، وذلك بسبب ارتفاع أسعار النفط، وإنتاج هذه الدول عند طاقاتها القصوى. وقد أدى ذلك إلى تعزيز النمو الاقتصادي في النصف الثاني من عام 2003 والنصف الأول من عام 2004، ومتوقع له أن يستمر حتى نهاية عام 2004 على الأقل. وبلوغ إنتاج النفط طاقته القصوى سيعني أن النمو في المرحلة القادمة سيعتمد إما على استمرار ارتفاع أسعار النفط وبقائها عند تلك المستويات فترة معقولة، أو إلى حفز الاستثمار في القطاع غير النفطي. وهناك دلائل تشير إلى أن هذا الأخير قد يستمر في حركته الصعودية مدعوماً بسياسات الإصلاح الاقتصادي وتحسن الاقتصاد العالمي، واستمرار جهود إعادة البناء في العراق، واستمرار جهود التجارة الحرة مع المنطقة العربية وأوروبا وتوقعات دخول بعض هذه الدول إلى منظمة التجارة العالمية.

ووفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي فإن جميع الدول الخليجية، باستثناء عمان، شهدت معدلات نمو اقتصادي عالية تفوق 3.0% عام 2003. بل إن بعضها مثل الكويت والسعودية حققت معدلات نمو قياسية تفوق 7% (الكويت 10.0%). وبالرغم من أن التوقعات التي وضعها الصندوق عن مستويات النمو في هذه الاقتصاديات لعام 2004 تبدو متواضعة مقارنة بالسنة التي سبقتها (معظمها تتراوح بين 2.5% – 3.5% باستثناء قطر وإيران والبحرين) فإنه من شبه المؤكد أن هذه التوقعات ستشهد تصحيحات مهمة، وذلك بسبب التطورات في الساحة النفطية، والآثار الإيجابية لذلك، في المدى القصير على الأقل، على اقتصاديات دول الخليج. أما في عام 2005، فإن التوقعات تشير إلى أن تعود معدلات النمو إلى مستوياتها الطبيعية والقابلة للاستمرار، مع التوقعات بعودة أسواق النفط لأوضاعها المعتادة.

وبجانب التحسن في أسواق النفط، فقد ساعدت جملة من العوامل على تعزيز النمو الاقتصادي في دول الخليج، منها تحسن بيئة الاستثمار بعد انتهاء مرحلة عدم التيقن بعد سقوط النظام العراقي السابق، وتسارع جهود إعادة الإعمار وآثارها على الاقتصاديات المجاورة التي عززت الطلب على السلع والخدمات، يضاف إلى ذلك العديد من السياسات الإصلاحية وجهود تنويع القاعدة الإنتاجية مثل إنشاء المناطق المالية الحرة في الإمارات وفتح أسواق الاتصالات فيها، والبدء ببناء مرفأ البحرين المالي وتوسيع شركة #187;ألبا#171; للألمنيوم وتوسيع وتأهيل #187;بابكو#171; للمنتجات النفطية، وبيع الحكومة العمانية لـ 60% من حصتها في شركة #187;المها النفطية#171; وعزمها على بيع 60% من حصتها في شركتي الهاتف الثابت والمحمول للقطاع الخاص. ومن ذلك أيضاً فتح باب المنافسة في إنشاء شركة ثانية للهاتف المحمول في السعودية، والاتجاه لخصخصة العديد من القطاعات ومنها البريد والنقل الجوي وخدمات المرافئ الجوية والبحرية وإدارة المصافي النفطية.

وفي إيران، استمر الانتعاش في القطاعات غير النفطية، وذلك بسبب السياسات التوسعية التي اتبعتها الحكومة، وخاصة في إنفاق الفائض النفطي، وإجراء العديد من الإصلاحات الحديثة، وخاصة تحرير التجارة وإصلاح نظام أسعار الصرف.

ولم تتوقف الآثار الإيجابية لارتفاع الإيرادات النفطية على النمو الاقتصادي، بل امتدت أيضاً إلى المالية العامة وميزان المدفوعات لدول الخليج. فقد شهدت الموازنات العامة في هذه الدول تطورات إيجابية تمثلت في تضاعف الإيرادات مع بقاء الإنفاق عند مستوياته المخططة. وسيساعد هذا الارتفاع على معالجة العجز في الموازنة الذي عانت منه بعض الدول الخليجية لفترة ليست بالقصيرة، كما سيساهم في تسديد ديونها الداخلية والخارجية، وإذا ما توافرت السياسات الحصيفة فإن ذلك يفترض أن يؤدي إلى عودة بناء الاحتياطيات النفطية التي كانت إحدى ظواهر عقد الثمانينات من القرن الماضي.

أسواق النفط ودول الخليج:

من التطورات الواضحة في عام 2004 ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تاريخية بالقيمة الاسمية، واستمرار التقلبات الكبيرة في تلك الأسعار، متوسط أسعار النفط لسلة أوبك ارتفع من 27.5 دولار للبرميل في الربع الثالث لعام 2003 و28.7 في الربع الرابع إلى 34.5 في الربع الثاني لعام 2004، وإلى مستويات قاربت 54 دولاراً للبرميل لنفط غرب تكساس المتوسط في أكتوبر عام 2004. وبالرغم من أن منظمة أوبك قد رفعت السقف الإنتاجي بمقدار مليوني برميل في يوليو و0.5 مليون برميل في أغسطس من عام 2004، فإن ذلك لم يكن له سوى آثار متواضعة، وذلك بسبب تدهور الأوضاع الأمنية في كل من العراق ونيجيريا، واستمرار الخلاف في روسيا بين الحكومة وشركة يوكوس، وانخفاض المخزون في الولايات المتحدة.

وبالرغم من أنه ينبغي عدم إغفال الدور الذي لعبته وتلعبه المضاربات في التقلبات الكبيرة في أسعار النفط، والتي تتمثل في المتاجرة الورقية عن طريق البيع والشراء الآجل لبراميل النفط التي تفوق بأضعاف التجارة الفعلية، فإن جزءاً مهماً من الارتفاع في الأسعار يعود إلى زيادة الطلب العالمي على النفط والذي بلغ 80.1 مليون برميل يومياً في الربع الأول من عام 2004 وحوالي 79.7 مليون برميل يومياً في الربع الثالث من العام نفسه مقارنة مع 79.1 ب/ي و79.0 ب/ي في الربعين الأول والثالث من عام 2003. وقد ازداد الطلب بشكل خاص في كل من الصين والهند والولايات المتحدة. وتشير منظمة الطاقة العالمية في آخر توقعاتها إلى أن الطلب على النفط سينمو بمقدار 3.2% عام 2004 مقارنة مع توقعاتها في يوليو بأن الطلب سينمو بمقدار 1.3%. وهذا المقدار من النمو يمثل أعلى معدل للنمو في الطلب على النفط منذ عام 1980. وتتوقع المنظمة أن تكون آسيا هي المنطقة الأساسية لنمو الطلب على النفط، وأن ينمو الطلب في الصين بمقدار 15% عام 2004، وهو يشكل ثلث الزيادة في الطلب العالمي على النفط.

وهناك ملاحظتان أساسيتان بشأن أسواق النفط، الأولى هي أنه مع انخفاض الطاقة الإنتاجية الفائضة إلى أدنى مستوياتها التاريخية، فإن سوق النفط أصبحت الآن أكثر عرضة للصدمات الخارجية مما كان سابقاً. وأية أحداث قد تبدو هامشية، مثل الذي يحدث حالياً في نيجيريا، أو أية تطورات سياسية في بلد منتج مهم للنفط، ستكون لها آثار هائلة على الأسواق العالمية. وهذا يظهر الحاجة لرفع الطاقة الإنتاجية من جهة ولخفض الاستهلاك من جهة ثانية.

الثانية، أنه بالرغم من توقعات صندوق النقد الدولي أن ارتفاع أسعار النفط ستكون له آثار محددة على الانتعاش الاقتصادي العالمي، فإنه إذا ما استمرت الأسعار عند مستوياتها الحالية أو واصلت ارتفاعها فإن أثرها قد يبدو أكثر وضوحاً مما هو عليه الآن. واستمرار ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى تفاقم العجز التجاري للولايات المتحدة مما يحدث تصحيحاً أكبر مما هو متوقع. وبكل الأحوال فإن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يحد من قوة ومدى انتشار الانتعاش الاقتصادي مما يعيد المخاوف من جديد من حدوث ظاهرة الركود الاقتصادي وتأثير ذلك على الطلب العالمي على النفط في المدىين المتوسط والبعيد.

أسواق العمل في دول الخليج:

قد تبدو ظاهرة البطالة في دول الخليج ظاهرة هامشية بالمقاييس العالمية، وذلك لحداثتها وصغر حجمها وآثارها المحدودة حتى الآن على الأقل. إلا أنها استقطبت الكثير من الاهتمام منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، وذلك بسبب مشاركة بعض أبناء المنطقة في تلك الأحداث، ثم مشاركة آخرين في الحرب العالمية، ضد الدول الكبرى بدءاً من أفغانستان وإفريقيا ومروراً باليمن والعراق ثم أوروبا، ناهيك عن بعض الأحداث في دول الخليج ذاتها. ولتفسير بروز ظاهرة العنف والتطرف بين الشباب، كانت إحدى وجهات النظر تشير إلى التفاوت في المزايا التي يحصل عليها المواطنون والبطالة والإحباط كأدوات لتفسير ظاهرة العنف والتطرف.

ودون الدخول في جدال مع وجهات النظر هذه، فإن مما لا شك فيه أن التطورات في أسواق العمل في هذه الدول تدعو للقلق. فمن جهة فإن هذه الدول تشهد واحدة من أعلى معدلات نمو السكان في العالم، وما يتبعها من ارتفاع معدلات الدخول للنظام التعليمي ومعدلات المتخرجين من الكليات والجامعات والباحثين عن فرص عمل. ومن جانب آخر، فإن دول مجلس التعاون تمثل الحالة القصوى في العالم في زيادة الطلب على القوى العاملة الأجنبية التي أصبحت ظاهرة واضحة للعيان.

وقدرة دول الخليج على خلق الوظائف في القطاع العام أو توسيع الامتيازات الممنوحة للمواطنين والتي كانت توفرها في الماضي أصبحت محدودة. ولذا لم يعد هناك من سبيل سوى التوجه للقطاع الخاص من خلال السياسات الترغيبية والتحفيزية أو من خلال سياسات الفرض. ولن تكون هذه السياسات سهلة التطبيق وذلك لأن القطاع الخاص يعتمد في تحقيق ربحيته على عمالة أجنبية متدنية الأجور، وعلى شروط عمل تصب في معظمها لصالح صاحب العمل. ودخول العمالة الوطنية سيغير من هذه المعادلة، وذلك بسبب ارتفاع الأجور وصعوبة التعسف. وفي المدى البعيد فإن نجاح هذه السياسات سيعتمد بدرجة كبيرة على مدى قدرة هذه الدول على إجراء إصلاحات اقتصادية وهيكلية تتيح للقطاع الخاص التحول إلى وسائل الإنتاج عالية الإنتاجية والتي تعتمد على عدد قليل من العمالة غير الماهرة.

أقل التقديرات تواضعاً تشير إلى أن حجم البطالة في دول مجلس التعاون تصل إلى حوالي أربعمائة ألف فرد بين المواطنين. وهذا العدد مرشح للارتفاع، وذلك لأن معدل الزيادة في الطلب على الوظائف يفوق بكثير القدرة على إيجادها. ويبقى سوق العمل والبطالة أحد التحديات الرئيسية التي تواجه هذه الدول.

 

قد يعجبك ايضا ...