الجامعة الرأسمالية

    

 

تأليف: هنري هيلر

عرض وترجمة: نضال إبراهيم

تعيش الجامعات الأمريكية أزمة حقيقية، بسبب هيمنة الطبقة الرأسمالية على المحتوى الجامعي، وإقصاء إيديولوجيات وأفكار معينة في سبيل خدمة مصالحها السياسية والاقتصادية على حساب النزاهة المعرفية والعلمية. يحاول هذا العمل أن يسلط الضوء على التحولات التي طرأت على التعليم العالي في الولايات المتحدة 1945-2016، ويهدف إلى تأسيس مقاومة أكاديمية وطلابية للتوجهات النيوليبرالية والرأسمالية لتخفيف القيود.
أخبار التعليم العالي اليوم في الولايات المتحدة يمكن اختزالها في جملة واحدة وهي: الجامعة في أزمة. الارتفاع الشديد في الديون على الطالب، وانخفاض التمويل العام، وإضعاف فترة التثبيت في العمل، وصعود العمل المساعد، ومعارك على قيمة الإنسانيات، ودعوات إلى المهارات التي تركز على التوجيه وليس الإبداع. إن جميع المشاكل التي يعانيها التعليم العالي المعاصر في الولايات المتحدة مترابطة، ويمكن أن تعزى جميعاً إلى حقيقة واحدة وهي أن: الجامعات والفصول الدراسية هي الآن ساحات قتال في الصراع بين المعرفة لأجل المعرفة والتعلم السلعي الذي تدافع عنه الطبقة الرأسمالية.
يشكل كتاب «الجامعة الرأسمالية» تاريخاً راديكالياً متأسساً بدقة لمؤسسة يصل تأثيرها وأهميتها – وإخفاقاتها – إلى عمق الحياة السياسية والاجتماعية الأمريكية.

الضغط السياسي والتمويل

يقدم هنري هيلر في هذا الكتاب الصادر حديثاً عن دار «بلوتوبرس» البريطانية في 252 صفحة من القطع المتوسط، رواية متوازنة ورصينة حول الجامعة الحديثة التي تبين بالضبط كيف وصلنا إلى هذه النقطة. ويأخذ القراء من أوائل الحرب الباردة – عندما كان الدعم للجامعات دعماً للرأسمالية – من خلال التغيرات الاجتماعية والسياسية والتعليمية التي لا تعد ولا تحصى من العقود التي تلت ذلك. ويكشف هيلر كيف أن المؤسسات التعليمية الأمريكية أجبرت على أن تختار بين تعليم الطلاب على الشك في النظام المهيمن وطرح أسئلة عليه، أو المساعدة على استمراره. وما كان عليهم إلا اللجوء إلى الخيار الثاني، لأن الضغط السياسي والتمويل كله كان يدفع باتجاهه.
يغطي هيلر هذه اللحظات الحاسمة مثل المكارثية وحركة حرية التعبير في بيركلي، وكذلك الصراعات المعاصرة، من بينها محاولات تشكيل نقابات في مرحلة ما بعد الدكتوراه، والاحتجاجات في ولاية ميسوري المتعلقة بالعرق، والفوائد في مكان العمل، والقيادة، وإطلاق البروفيسور ستيفن ساليتا تغريدات مؤيدة للفلسطينيين، أفقدته وظيفته في جامعة إلينوي، ما أثار جدلاً كبيراً حول حرية التعبير والحرية الأكاديمية.
يقول الكاتب في مقدمته : «بعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت الكليات والجامعات المؤسسات الأساسية للمجتمع الأمريكي، وثانياً في الأهمية بالنسبة للشركات الخاصة والجيش. في الحقيقة، أصبحت الجامعات مرتبطة عن قرب بالمشاريع التجارية، خاصة من خلال البحث المدعوم من المؤسسات الخاصة. في الوقت ذاته، ارتباطاتها مع الجيش ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سي آي إيه» جعلتها أدوات افتراضية للحكومة الأمريكية. بالمعنى الغرامشي، أصبحت من أجهزة الدولة غير القسرية.
أحد أهداف هذا الكتاب هو تقصي ارتباط هذه الجامعات بشكل نقدي مع الاقتصاد السياسي الرأسمالي الناشئ للولايات المتحدة بعد 1945. والهدف الأساسي الثاني، هو الإقرار والاحتفاء بإنجازات المنح الدراسية والتعليم العالي، خاصة في العلوم الاجتماعية والإنسانيات».
ويضيف: «إن الثروة التي أنتجتها الرأسمالية الأمريكية قدّمت الأساس المادي لإنجازات التعليم العالي الأمريكي خلال هذه الفترة، لكنها كانت مسؤولة أيضاً عن القيود المفروضة عليها. هذه القيود أخذت شكل تحيّز ثابت في البحث والتعليم ضد الماركسية، وفي الحقيقة، ضد فهم للثقافة والمجتمع مبني على التاريخ، لصالح الدفاع عن الليبرالية، والرأسمالية والإمبريالية الأمريكية. كان هذا هو البرنامج الإيديولوجي الذي وحّد العلوم الاجتماعية والإنسانيات.
إن الثورات الطلابية والداعية لحقوق الإنسان في سنوات الستينات من القرن الماضي ساعدت باختصار على فضح الوظائف الإيديولوجية للتعليم العالي، لكنها لم تحولها في الأساس».

قيود على التفكير الحر

ويشير إلى أن «تخطيط تطوير الأكاديمية سوف يظهر الوظائف الإيديولوجية والاقتصادية والاجتماعية للجامعات خلال الجزء الأخير من القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين، وسوف يساعد على تحديد مستقبلها المحتمل. إن القيام بذلك أمر مهم، لأن الجامعات قد وصلت إلى مفرق طرق أساسي وتوقعاتها المستقبلية تعيش في شك خطر. وتحت تأثير الليبرالية الجديدة، تحولت العملية وأهداف الجامعات من خدمة الخير العام إلى مقاربة مصالح المؤسسات الخاصة قدر الإمكان، وبذلك تعرّض إمكانات البحث والتعليم النقدي والمستقل إلى خطر. مع الأيام، تنامت ردود فعل الطلاب والهيئات التدريسية في الجامعات بشكل متزايد مع إدراكهم لهذه الهجمة النيوليبرالية، ومحاولة تنظيم مقاومة في الدفاع عن الحرية الأكاديمية والفكرية».
وفيما يتعلق بالدافع وراء الإقدام على عمل من هذا النوع يقول: «كتبت هذا العمل كانعكاس لحقيقة أنني كنت منتجاً من منتجات مجد التعليم العالي الأمريكي خلال سنوات الخمسينات في القرن الماضي، كنت معاصراً لفوضى الستينات والسبعينات، وعشت خلال عصر ما بعد الحداثة والنيوليبرالية. خلال هذه المدة بأكملها كنت أعمل وأدرس في الحقل الأكاديمي، وأغلب هذه السنوات كنت مهتماً بشكل رئيسي بحقل اختصاصي وهو التاريخ، خاصة البدايات الأولى للأديان والمجتمعات، وبدايات الرأسمالية، والثورة الفرنسية والتاريخ المعاصر. بينما كنت أبقي عيناً على الحقول الأكاديمية الأخرى – وهو أمر ملزم على كل مؤرخ القيام به – حاولت قدر الإمكان أن أتجاهل إدارة الجامعات. حيث بقيت كما العديد من زملائي غير مكترث في هذا الجانب». ويضيف: «كعضو هيئة التدريس في جامعة مانيتوبا في كندا، ومن خلل موقعي راقبت الولايات المتحدة وحياتها الأكاديمية من الداخل والخارج. الجامعات مثل المعاهد الأخرى في كندا مختلفة عن نظيراتها في الولايات المتحدة. وشعرت بضرورة الدفع إلى فضح وكشف ما يخفى على الكثيرين في هذا السياق».
يشير الكاتب إلى أنه خلال سنوات الخمسينات، «أسست عمليات التطهير للشيوعية حدود الحرية الأكاديمية، مع شبه إزالة للماركسيين والماركسية من الجامعات. ويوضح أنه في التخصصات العلمية كانت هناك مساحة للسعي إلى التعمق والتحري والبحث بشكل كبير على الصعيدين التجريبي والنظري، على الرغم من الاعتماد مالياً على الحكومة والشركات. لكن في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية كانت المعايير مختلفة ، حيث كان هناك خوف من فرض قمع أكبر يضع حدوداً معينة على حرية التعبير. ولعبت الاعتبارات الإيديولوجية دوراً حاسماً في رعاية البحث من قبل الحكومة والمؤسسات الخاصة، وحرية التفكير كانت مقيدة تقريباً. كان الأمر في الظاهر مسألة حظر الماركسية، الإيديولوجية الرسمية للعدو السوفييتي، لكن في الحقيقة مثل هذه التعليمات أثارت الريبة والشك في حدود التفكير الحر في الولايات المتحدة».

في خدمة الرأسمالية

يتعقب الكاتب في الفصل الأول بعنوان «ولادة الجامعة المشتركة» تطور الجامعات والكليات من بدايات القرن العشرين إلى تحولها ما بعد 1945 إلى مؤسسات موجهة نحو البحث والتعليم العالي الجماهيري. وكانت المؤسسات والشركات التجارية الكبرى تهتم بشكل كبير في هذه التغيرات، لكن تأثير الجيش والحكومة لعب دوراً كبيراً، خاصة خلال الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة. ويوضح أن الجامعات في الجزء الأول من القرن العشرين عملت في خدمة الرأسمال والطبقة الرأسمالية.
ويوضح في الفصل الثاني بعنوان «الإنسانيات والعلوم الاجتماعية في الحرب الباردة (1945-1960)» كيفية تغير العلوم الاجتماعية والإنسانيات لتتلاءم مع آراء ومطالب الحكومة الأمريكية في الحرب الباردة، ويتوقف عند كيفية تسخير محتوى التخصصات الأكاديمية للدفاع عن الرأسمالية والليبرالية والإمبريالية الأمريكية ومهاجمة الأفكار اليسارية.

احتجاجات الستينات

يركز الفصل الثالث بعنوان «سنوات الستينات»، على احتجاجات سنوات الستينات، فالطلاب الذين ظلوا في حالة صمت خلال الفترة المكارثية، تخلوا فجأة عن سلبيتهم، وتمردوا بأعداد كبيرة ضد الجامعات المشتركة، بينما حاولوا تغيير المجتمع على العموم. كانت الانتفاضات تشعر بالإلهام في المقاوم الأول من الحركات المطالبة بالحقوق المدنية، وتعززت قوتها بالثورة المعادية للإمبريالية في فيتنام. وتوسع الاحتجاج الطلابي الذي بدأ مع حركة حرية التعبير في بيركلي، كنتيجة لظهور الحركات المدافعة عن حقوق المرأة والسود.
ويعلق الكاتب هنا: «على إثرها، تحررت الجامعات بعض الشيء من سلطة المؤسسات الرأسمالية، وأصبحت منصات لإطلاق الحركات الاجتماعية والإيديولوجية التي كانت تعكس بظلالها على كافة المجتمع الأمريكي، متحدية النظام السياسي والاجتماعي القائم. كما أن الماركسية انتعشت في داخل وخارج الصفوف الدراسية. وتم دمج كتابات الثوريين الماركسيين في العالم الثالث مثل ماو، هو تشي منه، وفيديل كاسترو وفرانز كافكا، بالإضافة إلى المؤرخين الماركسيين البريطانيين والمنظرين من مدرسة فرانكفورت، إلى مناهج الإنسانيات والعلوم الاجتماعية كما لم يكن من قبل».
ويضيف: «وفي تلك الأثناء، تم احتواء موجة من المطالب الداعية للتحرر وديمقراطية الحوكمة من قبل سلطات الجامعات من خلال مزيج من التنازلات والكبح. وحينها لم يقد كفاح الطلاب إلى تطور السياسة الثورية القائمة على قاعدة جماهيرية عريضة في أمريكا، بل ساعد في تحسين النضال لأجل الحقوق المدنية، وإحباط التطلعات الإمبريالية المباشرة للولايات المتحدة في فيتنام. كما أنها أجبرت الجامعات على التحرر من قواعدها، والتوسع في المناهج، وأصبحت أكثر احتراماً وتضميناً لحقوق المرأة والسود والمجموعات الفئوية الأخرى».
ويضيف الكاتب في هذا الفصل أنه رغم ذلك، تستمر الرأسمالية الأمريكية في فرض قيود على المعرفة بما يلبي متطلباتها وهذا يسهم في تشويهها، وحصرها، والتقليل من شأنها.

تأسيس مقاومة أكاديمية

ويتعامل الفصل الرابع بعنوان «الانسحاب من التاريخ (1980-2008)» مع التطورات في الفترة اللاحقة، حيث يغطي الكاتب الاتجاهات الصاعدة في تخصصات الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، وبشكل بارز ظهور وأهمية الاقتصادات النيوليبرالية وما بعد الحداثوية، حيث اشترك الاثنان في هدف إلغاء التاريخ من خلال الإصرار على أنه كان من الممكن العودة إلى الماضي طوعاً أو كراهية. كلاهما احتفل بفوائد رأسمالية السوق.
ويعود الفصل الأخير بعنوان «الجامعة الليبرالية الجديدة» إلى التحليل المؤسساتي للجامعة، حيث يتناول الجامعة النيوليبرالية، ويشير إلى أن الأفكار النيوليبرالية قادت الجامعات لتصبح كشركات ومؤسسات خاصة قدر الإمكان. وفي الحقيقة بعضها كانت في السابق مشاريع خاصة. ويشير إلى أن الرأسمالية ماضية في فرض شروطها على الجامعات، وهذا يؤدي إلى إضعاف البحث الموضوعي والتعليم في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية والطبيعية وتسهم في قتل الجامعات والكليات.
ويقول الكاتب في هذا الفصل: «وفقاً للأجندة النيوليبرالية، تشكل إعادة هيكلة الجامعات جزءاً من عملية شاملة من إعادة الهيكلة الاقتصادية لتعزيز الربحية والإنتاجية. وأصبح العديد من المواقع الأساسية للتدريب وللبحث وللتطور الاقتصادي وللجامعات مواقع أساسية ضمن تركيبة الرأسمالية المعاصرة».
ويجد أنه من الضروري توحيد الهيئات التدريسية والجامعية والنقابات التجارية كوسيلة في مواجهة التوجهات التي تفرضها الرأسمالية على الجامعات، والعمل على رفع الوعي الشعبي والطلابي والأكاديمي بهذا الخطر على الموضوعية والنزاهة الجامعية.
ويقول في الخاتمة إن «مثل هذه المقاومة سوف تشهد تحول الجامعات إلى مؤسسات ديمقراطية وعامة مهمة تنتج المعرفة كقيمة مستخدمة، وبذلك تساعد على تحسين الظرف البيئي والثقافي والاقتصادي. وفي مثل هذه الظروف الاجتماعية، تصبح المعرفة متحررة وقادرة على التحليل والنقد بما يخدم مصالح الجماهير، وليس مصالح فئة قليلة متنفذة. وفي هذه الأثناء، يجب أن تكون دمقرطة حوكمة الجامعات الهدف الرئيسي لهذه المقاومة».

الكاتب في سطور

* هنري هيلر بروفيسور أمريكي من مواليد 1938 نيويورك. يشغل حالياً موقع أستاذ التاريخ في جامعة مانيتوبا، وينيبيغ، كندا، وهو متخصص في التاريخ الفرنسي الحديث، ولديه اهتمام خاص بأصول الرأسمالية، وبمشكلات التاريخ المعاصر والسياسة. له العديد من المؤلفات والأبحاث منها: ولادة الرأسمالية: وجهة نظر القرن ال 21 (2011)، الحرب الباردة والإمبريالية الجديدة، تاريخ عالمي، 1945-2005 (2006)، الثورة البرجوازية في فرنسا (1789-1815)، (2006)، مكافحة الطلبة في فرنسا القرن السادس عشر (2003)، العمل والعلوم والتكنولوجيا في فرنسا 1500-1620، (1996)، قهر الفقر: الثورة الكالفينية في فرنسا القرن السادس عشر، (1986).

 

قد يعجبك ايضا ...