الجسمي: دعم سلطان أوصل المسرح الإماراتي إلى العالمية

«داعش والغبراء».. رسالة سلام ودعوة للتعايش بين البشر

الشارقة: محمد ولد محمد سالم

جاءت مسرحية «داعش والغبراء» من تأليف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة عند عرضها مساء أمس الأول، في افتتاح الدورة الثانية من مهرجان الشارقة الصحراوي باهرة بعناصر وتجليات الحياة الصحراوية التي صبغ بها مخرجها محمد العامري أجواء الساحة المفتوحة بين ربوات منطقة الكهيف في المنطقة الوسطى في الشارقة، مستخدماً كل التقنيات الممكنة؛ ليقدم عرضاً يتلاءم وطبيعة المهرجان، وأظهرت مستويات العرض وتشكيلاته المختلفة مدى التنسيق والجهد الذي بذله المخرج، وبذله معه مساعدوه: حميد سمبيج، والرشيد عيسى، ومهند كريم، ونبيل المازمي، وأحمد أبو عرادة، وما وفرته فرقة مسرح الشارقة الوطني، من أجل تقديم عرض باهر، رغم قصر المدة التي جرت فيها البروفات والاستعدادات، والتي لم تتجاوز عشرة أيام من تسلمهم للنص، حتى عرضه.
أثث العامري ساحة العرض المفتوحة بعناصر صحراوية خالصة، بدءاً بالخيام المتناثرة هنا وهناك، وكأنها مضارب قبائل من البدو الرحل الذين ينزلون في مكان زمناً، ثم يرحلون منه منتجعين مرعى خصيباً جديداً، وأغنامهم تجوس وسط الخيام، وإبلهم باركة في مناخها، والفوارس يأتون ويذهبون في شؤونهم، ووسط الخيام النساء يعكفن على شؤون حياة الأسر، ومن بعيد يسمع عواء ذئب يجاوبه نباح كلب، وألسنة النيران تلمع ودخانها يتصاعد إلى عنان السماء، إنها حياة بدوية بكل تفاصيلها.
ذلك هو الفضاء الذي أثث به العامري عرضه، الذي انطلق بلقاء بين حذيفة بن بدر سيد بني ذبيان، وأحد فرسان عبس كان يركب فرساً سريعاً، فسأل حذيفة الفارس عن الفرس التي تحته، فقال له: «إنها فرس قيس بن زهير سيد بني عبس المسماة ب«داحس»، وأخبره أنها أسرع فرس على وجه الأرض، وكان لحذيفة فرس اسمها «الغبراء»، فقال: «إن داحساً مهما بلغت سرعتها فلا تستطيع أن تسبق الغبراء، ثم إن حذيفة التقى بقيس، فتواعدا على السباق بين الفرسين، وتراهنا على مئة من الإبل لمن تفوز فرسه، وحددا المكان والزمان لذلك، وأثناء السباق كمن بعض أتباع حذيفة في الطريق، حتى إذا أقبلت عليهم داحس، وكانت متقدمة كثيراً على الغبراء، فاعترضوها، وأجفلوها، حتى جمحت بفارسها، فتأخرت وتقدمت عليها الغبراء، التي تابعت حتى وصلت نهاية الشوط، وفازت به».

وعلم قيس بن زهير أن بني ذبيان خدعوه، وأن فرسه كانت متقدمة، فقام إلى حذيفة وطالبه برد قيمة الرهان إليه، فأبى حذيفة، وقال: إن فرسه سبقت، وتخاصم الرجلان، وتجادلا، وحدثت مبارزة بين رجالهما، قُتل فيها حمل بن بدر أخو حذيفة، وكانت تلك فاتحة الحرب بين عبس وذبيان.
وقدم العرض مشاهد من تلك الحرب الضروس التي كوت بنارها القبيلتين وحلفاءهما، وأظهرت المشاهد بؤس وشقاء أبناء القبائل بها، فكانت القبيلة تغير على أختها ليلاً فتقتل الرجال وتسبي النساء، وتنهب الماشية، وتضرم النار في الخيام، ومضت أربعون عاماً، وهم على تلك الحال، حتى جاء الإسلام بدعوته السمحة السلمية، فدخلوا فيه أفواجاً، وصاروا إخوة متضامنين على الإيمان والدين الواحد، وذهب ما كان بينهم من الشنآن والدماء، والحروب المبيدة.
قدمت المسرحية فترة زمنية ممتدة على عقود من أربعين عاماً قبل مجيء الإسلام وحتى انتشار دعوته وانبساط سلطانه على بلاد العرب، وقد استعان المخرج في الانتقال من زمن إلى آخر، بطريقة الحكواتي، الذي مثل دوره أحمد الجسمي، حيث شكلت روايته تمهيداً للأحداث، وتعليقاً عليها، وربطاً بينها، فكان كلما انتهى مشهد، يبرز الراوي، فيمهد للمشهد الذي بعده، وبذلك تمكن المخرج من أن يقدم مواقف من حرب «داحس والغبراء» دون الانجراف في تفاصيلها الكثيرة التي لا تنتهي، كما استعان في آخر النص بطريقة «المنادي» أو «الخطيب» الذي ينادي في الناس للاجتماع، ويبلغهم تعاليم الدين الصادرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ويلقي عليهم الخطب والمواعظ التي ترشدهم إلى اتباع الحق، وسلوك سبيل السلام والمسالمة، وعدم الانجراف وراء الأهواء، وضرورة الانسلاخ التام من النعرات الجاهلية التي سببت القتل والحروب، واستباحت رقاب الناس، وقد جاء الإسلام ليحفظ تلك الرقاب، ويصونها، وليمنع الظلم والقتل.
قدمت المسرحية لوحات استعراضية كانت في صميم العرض وتماهت مع أجوائه الصحراوية، وحكاية الحرب بين القبيلتين، مثل لوحات الركض والسباق، التي أحدثت حركية للمشهد، خصوصاً في البداية قبل الدخول في الصراع، فكانت بذلك تشد الجمهور، وتمهد للأحداث، وكذلك حركية المجاميع البشرية الراجلة، سواء وسط الخيام أو في لحظات تجمع القبيلتين استعداداً للحرب، وكانت لوحات الحرب والتلاحم بين المقاتلين، ودخول الخيالة، ونزولهم وصعودهم من الكثبان، وسرب خيلهم الذي ملأ ميدان العرض على طوله وعرضه، كانت من أهم اللوحات الاستعراضية للمسرحية، وعندما تساقط الأبطال، وكثر القتلى، كما قدم العرض لوحة استعراضية جميلة لنساء يقدمن رقصات عكست حالة البكاء والتفجع على القتلى، وأكدت أجواء الحزن والألم التي سيطرت على مجريات تلك الحرب على طول زمنها، وشكلت تلك اللوحة القمة الدرامية في العرض، التي بعدها سيأتي الانفراج عندما يسري نور الإسلام إلى النفوس، وتذهب عنها نعرة الجاهلية بما فيها من حقد وثارات ودماء.
لم تتخلف الإضاءة عن ذلك المشهد، بل عززته بالتنوع الذي عكس أجواء العرض، حيث النهار والليل والمعارك والدماء، كما استخدم المخرج أيضاً المؤثرات الصوتية، ليعكس مختلف الأصوات التي تتجاوب في أجواء الصحراء، وقد اعتمد أيضاً على مجاميع بشرية، قدمت تشكيلات متنوعة، أعطت أجواء الفخامة للعرض، كما اعتمد على ممثلين مقتدرين مثل: علي جمال، وأحمد عبد الرزاق، وعبدالله مسعود، ورائد الدلاتي، وأحمد أبو عرادة.
تسمية المسرحية «داعش والغبراء» مفتاح لفهم ما تشير إليه، فلم يتناول العرض الواقع الحالي، ولم يتطرق إلى ما تقوم به «داعش» اليوم، لكنه من خلال تقديم مشاهد الحروب الجاهلية، أما القتل المجّاني في العرض فأراد أن يلفت إلى وجه التشابه بين ما تقوم به الحركات المتطرفة اليوم، وما كان سائداً قديماً فيما بين عرب الجاهلية، فهو قتل مجّاني أيضاً، وكانت اللوحة الأخيرة للمسرحية التي توحّدت فيها تلك القبائل المتحاربة بعد الإسلام، وسارت أفواجاً في أثواب الحج البيضاء تحت رايات بيضاء، دالّة على أن الإسلام ليس دين عنف وتطرف وقتل، ولكنه دين السماحة والسلام والمحبة.

توجيهات سديدة

قال الفنان أحمد الجسمي رئيس مجلس إدارة فرقة مسرح الشارقة الوطني: «إنه لولا دعم صاحب السمو حاكم الشارقة، ومتابعته الدقيقة لكل مجريات العمل وتفاصيله، خلال الأيام العشرة التي جرت خلالها بروفات العرض، وتوجيهاته السديدة، باعتباره كاتب النص الذي يفهم مراميه، وأهدافه، لولا ذلك لما وصلنا إلى ذلك النجاح، ولما حققنا ذلك الرضى الذي استشعرناه من تفاعل الجمهور مع العرض». وأضاف الجسمي، أن هذه المتابعة من سموه، لا تقتصر على هذا العرض، فقد تابعنا في كل مسيرتنا المسرحية الممتدة، وأسدى إلينا النصح، وقدم لنا الدعم من أجل أن ننجح، وينجح المسرح الإماراتي، تمثيلاً وإخراجاً وإدارة وعروضاً، ومن أجل أن نصل إلى العالمية، وهذا الدعم هو الذي جعل المسرح الإماراتي اليوم يحوز مكانة كبيرة في الحركة المسرحية العربية، وتابع الجسمي: نعاهد سموه على أن نظل دائماً أبناءه المخلصين، وأن نسعى لنحقق الأهداف التي يريدها سموه، فشكراً لكم على كل ما تبذلونه من أجل الارتقاء بالمسرح والثقافة.

حلم تحقق

مخرج العرض محمد العامري قال: «إنه حلم تحقق، لقد حظينا بلحظة ينتظرها كل مبدع، ليبلغ رسالة الجمال، ويحمل شعلة العطاء من يد حفظها الرحمن، خطت بحروف من ذهب، وفكر نبيل إبداعاً يضاف إلى منجزاتنا جميعاً، هي يد صاحب السمو حاكم الشارقة، وقد تسلحنا جميعاً بالعمل، وبذلنا الجهد من أجل أن نسمو بهذا العمل إلى ذرى الإتقان، يدفعنا الحماس الشديد للوفاء بعهد سموه، الذي عاهدناه على أن نكون مخلصين، وأن نسير على دربه الذي يقود دائماً للإبداع».

 

You may also like...