الجيوسياسية الكلاسيكية … «نموذج تحليلي جديد»

355-6

تأليف: فيل كيلي /ترجمة وإعداد:نضال إبراهيم

الجيوسياسية علم يدرس كيفية تأثر مخططات السلطة الأيديولوجية والثقافية والاقتصادية، أو العسكرية بالمشهد الجغرافي والسياسي الذي تعمل فيه، ورغم أهمية هذا العلم في العالم الحقيقي من الجغرافيا السياسية، إلا أن النظرة إليه لا تزال قديمة. كما يحدث خلط كبير بين هذا العلم وعلم الجغرافيا السياسية. يحاول الكاتب فيل كيلي بناء نموذج نظري مشترك في عمله هذا، حيث يدمج مجموعة من المتغيرات التي تعكس تعقيد مرحلة جيوسياسية حديثة، ثم يحلل 13 حدثاً تاريخياً محورياً، لكنه يتفاوت على نطاق واسع، حيث يمتد من الحرب البيلوبونيسية في القرن الرابع قبل الميلاد إلى الحرب العالمية الثانية، ومن سقوط الإمبراطوريتين البريطانية والسوفييتية إلى الدبلوماسية المعاصرة لأمريكا الجنوبية. ومن خلال هذا التحليل، يختبر كيلي فعالية نموذجه كأداة تحليلية جيوسياسية شاملة يمكن استخدامها عبر مجموعة واسعة من السياقات والأحداث الجيوسياسية.

يعرّف الكاتب الجيوسياسية الكلاسيكية بأنها دراسة تأثير ونفوذ الملامح الجغرافية من مواقع المناطق والدول والمصادر، إضافة إلى تأثير الطبوغرافيا والمناخ والمساحة، والهجرة وأحجام الدول وأشكالها، والديموغرافيا وما شابه ذلك، على سياسات الدول الخارجية وأفعالها كعامل مساعد للكفاءة والقدرة السياسية.

ورغم استخدام مصطلح «الجيوسياسية» في الصحافة، وبين الفينة والأخرى في الكتابات الأكاديمية، إلا أنه بقي غير واضح في تعريفه، وأسيئ استخدامه في تطبيقه، بشكل جزئي، وذلك بسبب ارتباطاته في الماضي مع الأيدلوجيات والنظريات سيئة السمعة دون أن يكون لها أية مصداقية، إلا أنه شهد في الآونة الأخيرة، وضوحاً، رغم أنه جاء بشكل كبير في الإعلام، حيث يرتبط الوصف مع الاضطرابات الدولية التي تلحق الضرر بالهدوء الدولي وأرباح أسواق الأسهم.

ويحاول مؤلف الكتاب أن يقنع القارئ بأن الجيوسياسية ينبغي أن تلقى احتراماً أكثر ضمن عالم السياسة ونظرية العلاقات الدولية.

يصف كيلي في الفصلين الأول والثاني من الكتاب النماذج والنظريات والتقاليد الجيوسياسية، ويناقض الفصل الثالث المنظور الجيوسياسي مع تحريفات عدة ضمن جيوسياسية الماضي، ويقدم افتراضات جيوسياسية محددة مقترحة في الفصل الرابع، إذ يعتقد أنها ينبغي أن تشكل نموذجاً جيوسياسياً، ويحمل الفصل الخامس والسادس أهمية أكثر لحقل العلاقات الدولية، لأنه يتم تقديم واختبار نظريات كلاسيكية عدة تلائم التعريف الجيوسياسي في هذه الأقسام، من خلال التطبيق لأجل قيمتها التفسيرية إلى السيناريوهات التاريخية المختارة. ويحتوي الفصل الأخير نداء لأجل توسيع الموقف المبدئي لهذا الكتاب، حيث يشير إلى اقتراحات عدة، لأجل استمرار الإسهامات في الجيوسياسية الكلاسيكية.

ويبني المؤلف هذا الكتاب وفقاً لثلاثة أهداف هي: 1- الغرض: بناء نموذج جيوسياسي كلاسيكي. 2- الهدف: مع مثل هذا البناء يحاول إظهار فائدة وشرعية الجيوسياسية الكلاسيكية كنموذج مهم في العلاقات الدولية. 3- النهج: الطرق الثلاث في الأسفل سوف تظهر فائدة الجيوسياسية. الكلاسيكية:
سوف تحدد الطريقة الأولى تعريفاً معيارياً للنسخة التقليدية، وهي ليست بالمهمة الصعبة جداً، لأنها تظهر أن أكثر التصاوير الكلاسيكية تميل عن قرب إلى مثيلاتها، وتأكيداتهم تقوم على التحديد الجغرافي للدول التي تؤثر في سلوكيات شؤونها الدولية.
وستكون الطريقة الثانية لتحديد النظريات المرتبطة بها التي من شأنها أن تدخل النموذج الجيوسياسي، وهو نموذج يعد فقط وعاء للنظريات التي تناسب تعريف «الجيوسياسية». وقد حدد المؤلف أكثر من 60 تعميماً يرتبط بأبعاد الجيوسياسية الجغرافية-الموضعية، توصف كلها، ويتم تطبيق بعضها في هذا العمل.
الطريقة الثالثة، وبصعوبة أكثر من الطريقتين الأولى والثانية، أي سلسلة من النظريات التي ترفق نفسها مع نموذج محدد، ينبغي أن تكون نافعة في تسليط الرؤى الجيدة على الأحداث والأفعال والشؤون الأجنبية. وفي فصل لاحق، يقترح الكاتب أربعة نماذج لتطبيق مثل هذه النظرية، تكون متبوعة بتشكيلة من دراسات الحالة التاريخية والمعاصرة، حيث تختبر أماكن لأجل النظريات المتراكمة، على أمل أن هذه الحالات سوف تؤيد هدف الكاتب في توضيح منفعة الجيوسياسية كنموذج عملي ومقبول لعلاقات دولية.

تداخل وتشابه

يوضح الكاتب الفروق والتداخلات بين الجيوسياسية والجغرافيا السياسية التي يشير إلى أنها محلية وداخلية النطاق، وهي تشدد على تأثير الملامح الجغرافية المتشابهة، لكن على السياسات والسلوكيات، تقريباً، ضمن الحدود السياسية المحلية للدول. ويوضح أن هناك قضايا عدة ضمن هذين الاتجاهين المتناقضين يتشابكان مثل الهجرة والتلوث والعنف، والأعمال التجارية، والنقل، لكنه يجد أنه لا يجب أن تلغي هذه القضايا المتشابكة الفوارق العامة. معلقاً: «إذاً المسألة متعلقة مع الجيوسياسية وليست الجغرافيا السياسية، الدولي وليس المحلي».

ويقول: «الجغرافيا السياسية تتضمن التأثير البيئي المباشر على الإنسان، وتنعكس بعض هذه العوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسلوكية من خلال المحيط الحكومي والسياسي. على سبيل المثال، تؤثر السياسات المحلية في التصويت، والدخل والجريمة، والطبقة، والمرض، وما شابه ضمن السياق المكاني إضافة إلى الحلول المؤسساتية لأجل المشكلات الخضراء ضمن المكان أو تأثير تحديد المساحة والموارد ضمن الظرف الإنساني. وعلى النقيض، يتموضع تركيز الجيوسياسية في تفاعلات الدول على المسرحين الاستراتيجي والإقليمي. وعوالم الحرب والسلم، وتشكيل التحالفات وتوازنات القوى، والأمن القومي، والحكومة العالمية والإقليمية كلها تناسب هذا المستوى الأكثر اتساعاً».
والتصنيف الكلاسيكي الذي يثيره الكاتب هنا هو لفصل الجيوسياسية التقليدية عن الجيوسياسية الخطرة «ما بعد الحداثة، ويختلف الثاني عن الأول على نطاق واسع تماماً، حيث يؤكد التقليدي تجميع وتطبيق النظرية التفسيرية والموضوعية، أما الخطرة فتركز على إعادة بناء الاستغلال المزعوم، وتلوم الجيوسياسية نفسها على المساعدة في الاستغلال، مع تجاهل للنظرية بشكل كبير».
والكاتب نفسه كعالم سياسي يفضل أن تكون الجيوسياسية على شكل حرفة لقادة الدول، وعملية لأجل التطبيق النظري. حتى إنه في تصميمه هذا العمل الذي يغلب عليه الطابع الأكاديمي من حيث الاصطلاحات، وطريقة العمل نفسها، لا يهتم بعملية اتخاذ القرار في الشؤون الخارجية، إذ يحاول أن يتخلص من انحيازات القادة كدوافع لأعمالهم، وبدلاً من ذلك يشير إلى سلوكيات الدول وحدها كلاعبين معنيين ضمن البيئات المتناقضة للمشهد الدولي.
ويقول: «رغم اختلافهما، عانت الجغرافيا السياسية والجيوسياسية من عيوب متشابهة في الماضي، على التوالي، وهي مشكلة لحتمية الجغرافية ومشكلة الفاشية لأتباع الجيوسياسية. وهذه المشكلات، للأسف، كانت مرتبطة في هذه المجالات مع العنصرية، ولم تتخلص أي من فروع العلوم الاجتماعية بشكل كامل من موروثها المريب، وهو عيب يضعف الاثنين». والكاتب هنا في حديثه عن التشابه والاختلاف بين الجيوسياسية والجغرافيا السياسية يفضل أن يسمي نفسه عالماً سياسياً مهتماً بالجيوسياسية، ولا يجد في الوقت ذاته أن تسمية «الجغرافي السياسي» مهينة.

جيوسياسية الولايات المتحدة

يتحدث الكاتب عن مناطق عدة في العالم، ونختار ما يتوقف عنده فيما يتعلق بالولايات المتحدة، حيث يشير إلى أن هناك مواضيع عدة ستعطي بعض التفاصيل عن جيوسياسية أمريكا الشمالية، قائلاً: «فوائد أمريكا الشمالية ضمن إطارها الجغرافي: كل العوامل المطلوبة لأجل مجتمع تكنولوجي – صناعي متقدم يأتي بوفرة معاً في أمريكا الشمالية، حيث الثروة المعدنية الضرورية (خاصة النفط والحديد والفحم)، إضافة إلى تربة خصبة وتساقط الأمطار ومناخ يدعم نمو المواد الغذائية، ويضاف إليها طبوغرافية فيها الأنهار والبحيرات، لأجل نقل البوارج الرخيصة، والافتقاد إلى الصحارى وسلاسل الجبال الوعرة ربما أبطأ الاستعمار الغربي. والقصد من هذا المزيج من العوامل الجغرافية، في وقت قصير جداً، ستكون الولايات المتحدة الأمريكية قادرة على نشر سيادتها، دون عوائق تقريباً، على مساحة هائلة تقريباً من الثروة الطبيعية التي تمتد إلى المحيط الهادئ وما بعده». ويضيف: «لا عجب أن قوة عالمية مستقبلية سوف تظهر من هذا الموقع الغني، ربما يعد أكبر مزيج من عوامل الثروة هذه في الكرة الأرضية كلها. هذه الثروة لم يتعرف إليها الإنجليز خلال سنوات استعمارهم أمريكا الشمالية».

ويشير إلى أن «الاستثمارات المهمة من أوروبا، وفيما بعد من آسيا جاءت إلى أمريكا الشمالية بسبب العوامل المذكورة أعلاه من الموارد الزراعية والمعدنية، والممرات المائية للنقل، والعزلة عن الحروب الأوروبية والخصوم والأعداء الأمريكيين المباشرين، وأسواق المستهلكين والعمالة جلبت من خلال الهجرة هذه الفوائد، وأسهمت في فرض استقرار سياسي، من شأنه أن يقاوم الحروب الأجنبية والتشابكات الدبلوماسية والتصنيع المتقدم والتجارة الدولية غير المقيدة بمثل هذه العوائق كحدود محصنة، والجيوش المحلية المتمردة، والغزوات من أوراسيا وغيرها من العوامل التي تبعث على عدم الاستقرار».
ويضيف: «باختصار، استفادت الولايات المتحدة من موقعها، حيث سهل عليها فيما بعد أن تصبح دولة قيادية حديثة في عالم السياسة والاقتصاد، ومواقع العديد من مناطق العالم الأخرى لا يمكن مقارنتها بموقع الولايات المتحدة في أمريكا الشمالية».

نهج جديد

في الفصل الأخير من الكتاب يسعى الكاتب إلى تقديم النموذج الكلاسيكي الأكثر وضوحاً للجيوسياسية، ويقدم مجموعة من الخطوط العريضة أشبه ما تكون بنداء تحرك للمساعدة في تحقيق الهدف الذي اشتغل عليه في هذا العمل وهي باختصار: تشريع دراسة الجيوسياسية، لتأكيد الجيوسياسية الكلاسيكية الخطرة على ما بعد الحداثية، وفصل الجيوسياسية عن نموذج الواقعية، وتوضيح تعريف مناسب للجيوسياسية والموافقة عليه، إذ تحتاج إلى جهد وإجماع أكاديمي حيال ذلك، والاتفاق على الأجزاء الأساسية لنموذج الجيوسياسية، وهي الافتراضات والمبادئ والنظريات التي تتطابق مع تعريف الجيوسياسية، وجمع النظريات والمبادئ الجيوسياسية الكلاسيكية وصقلها، وجمع التطبيقات ضمن النموذج الجيوسياسي وصقلها، وتنظيم مجموعة دعم مؤلفة من المتحمسين للجيوسياسية الكلاسيكية من أجل السير نحو تطلعات أكثر. ويختم الكتاب بملحق تعريفي بمبادئ جيوسياسية كلاسيكية، تسهل على القارئ الدخول بشكل أسلس في هذه النظرية وتطبيقاتها.

نبذة عن المؤلف

أستاذ جامعي يحاضر في مساقات العلوم السياسية ضمن العلاقات الدولية والسياسة الخارجية، والقانون الدستوري، وطرق البحث، وحكومات أمريكا اللاتينية. التحق محاضراً بجامعة إمبوريا في الولايات المتحدة عام 1980. يهتم بالدراسة والبحث في مجالات الديمقراطية والجيوسياسية في أمريكا اللاتينية، ونشر في هذا الصدد كتابين عن الجيوسياسية السياسية لأمريكا الجنوبية (مطبعة جامعة تكساس، 1997)، والآخر بعنوان «الجوسياسية لبلدان المخروط الجنوبي والقارة القطبية الجنوبية» (مع جاك جالد، 1988)، إلى جانب كتاب عن الديمقراطية بعنوان «تقييم الديمقراطية في أمريكا اللاتينية: تحية لرسل إتش فيتزجيبون (1998)، فضلاً عن مجموعة متنوعة من الأبحاث والمقالات.

وفي عام 2006 نشر مقالاً في مجلة بريطانية متخصصة في الجيوسياسية بعنوان «الجيوسياسية الخطرة».

شغل منصب أمين صندوق جمعية «ميدويست» لدراسات أمريكا اللاتينية من عام 1990 حتى عام 2004، وأشرف على مسح فيتزجيبون جونسون عن الديمقراطية في أمريكا اللاتينية من عام 1991 حتى عام 2008. وفي 1989-1990، حاضر في الجامعات الكاثوليكية والوطنية في أسونسيون (باراغواي).
وفي الآونة الأخيرة، سافر إلى اليونان وإيطاليا على فترات متعددة، لإجراء دراسات وأبحاث وتقديم محاضرات عن الجيوسياسية للحرب البيلوبونيسية.

 

قد يعجبك ايضا ...