الحرف لغة بصرية تشكيلية

النحت يستثمر طاقات الخط العربي

%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%ad%d8%aa-%d9%8a%d8%b3%d8%aa%d8%ab%d9%85%d8%b1-%d8%b7%d8%a7%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a

الشارقة:محمد ولد محمد سالم

الخط العربي: فن بصري بما في الكلمة من معنى، فشكله الخارجي يثير الدهشة ككتلة تمتلك الكثير من التناسق والإيقاع والحركة الماثلة في تشكيل الحرف في ذاته، وتشكيله بالتجاور مع حرف آخر في إطار كتلة نصية، هذه الخواص البصرية للخط العربي أغرت الفنان العربي المعاصر، في إطار بحثه عن أشكال فنية جديدة نابعة من تقاليد الممارسة الفنية العربية، ومتصلة بالفنون البصرية المعاصرة، أغرته بأن يجرب الحرف العربي في إطار التشكيل البصري، سعياً إلى تثوير الحرف العربي، وتقديمه كأساس لرؤى فنية مستجدة.

حظيت فنون الرسم والتلوين بالنصيب الأكبر في محاولات التثوير تلك؛ حيث استخدم الحرف العربي كأساس للوحات تشكيلية تستخدم تقنيات الرسم والتلوين، وظهرت هذه الحركة منذ السبعينات، وانتشرت فيما أطلق عليه اسم «الحروفية»، لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك الحد، فقد استخدم الحرف في تجارب جديدة تتعلق بفن النحت، فبرزت منذ تسعينات القرن الماضي محاولات جادة تسعى إلى أن تختبر إمكانات الحرف هذا الفن، منطلقة من حقيقة أن الخط العربي قدم في القرون الماضية إبداعات فنية تقترب من فن النحت، خصوصاً عندما كان يتخذ كتقنية فنية من تقنيات الزينة العمرانية، فقد كان النقش على الجدران نوعاً من النحت، لأن الحرف فيه يتجسم ويصبح بأبعاد ثلاثية، والنحت هو فن تجسيم الرؤى والأفكار، وإعطائها حيزاً فيزيائياً فنياً، ومن هنا فإن على الفنان المعاصر أن يواصل هذا الاتجاه ليحقق الأصالة والحداثة معاً، إلا أن هناك فارقاً واضحاً بين تراث النقش، وإنجازات عدد من ممارسي نحت الخط؛ حيث اقتضى الولوج إلى عالم النحت تحرير الحروف من الارتباط بالسطح واعتبار الحرف نفسه أو الكلمة شكلاً قابلاً للتجسيم في الفضاء الحر، دون الارتباط بالجدار أو اللوحة أو أي سطح آخر.

انطلقت تجارب نحت الحرف العربي من فرضية أن الحرف في أصله الأول كان تمثيلاً للطبيعة، فالإنسان الأول كان يصور ثم تحولت الصورة إلى حرف، ولهذا علينا أن نعود به إلى هذه الوظيفة الأولى لكي نتمكن من إعادة استخدامه فنياً في مجال النحت، ويقول الباحث المغربي مليم العروسي في هذا الصدد: «إن الحرف العربي مثله مثل الحرف في جميع الحضارات الأخرى كان في الأصل تمثيلاً تصويرياً للإنسان والجماد والحيوان، ومع الوقت تجرد ليصبح تمثيلاً للمعنى، وأصبح أسيراً لهذه الوظيفة جامداً وغير قادر على التطور، ولكي نعيد الحرف إلى إمكاناته التصويرية وقدرته على التمثيل والإبداع علينا أن نحرره من الكلمة ومن المعنى ونتعامل معه ككتلة بصرية، وكشكل قابل للتشكيل والنحت».
المسألة إذن بالنسبة للفنانين الجدد هي تحرير الحرف من وظيفته الدلالة على المعنى إلى الوظيفة التصويرية باعتبارها الأقدم، ومن ثم فتح الباب له لكي ينساب في المجالات البصرية، وهذا التحرير مشروع بالنسبة للفنان لأنه إنما يجري فيه على عادة الفنانين القدماء، فتاريخ الخط العربي منذ نشأته إلى أن استقر على ما هو عليه هو تاريخ اجتهادات في الخط، كما يرى الفنان السوري عاصم الباشا؛ حيث يقول: «إن كل الحضارات التي تعاقبت على المنطقة العربية كانت لها اجتهادات فنية عميقة في التعامل مع الخط، وعلينا أن نبحث في عناصر تلك الاجتهادات الفنية ونستفيد منها في تطوير هويتنا الفنية الخاصة بنا، بدل أن نظل مسلوبين نقلد غيرنا، والحرف العربي بما يتميز به من مرونة وإيقاع وقدرات تشكيلية له القدرة في تقديم إبداعات في مجالات الفنون التشكيلية، وخاصة في مجال النحت، فتشكيله قريب إلى هذا الفن، وينبغي على الفنانين أن يستقصوا طاقة الحرف عندما يتحول إلى صورة نحتية».
يمكن تمييز ثلاثة تيارات فنية في مجال نحت الحرف العربي تتواجد اليوم على الساحة الفنية، أولها ينطلق من الحروفية التي تعد تشكيلاً فنياً، يقوم على اختراع علاقات هيكلية بين الحروف، فلا ضرورة للكلمة أو الجملة في الحروفية، لكنّ الحرف وما يمكن أن يجمعه بأخيه من أشكال هندسية، وما يمكن أن يضفيه عليه اللون والضوء من إضافة، ذلك الحرف هو الأساس، ومن أشهر رواد هذا الاتجاه فنان الحروفية التونسي نجا المهداوي، والتيار الثاني يلح على دور القيمة الدلالية الكامنة في الكلمة أوالجملة في إضافة جمالية روحانية وإنسانية على العمل الخطي، ولهذا جاءت منحوتات أصحابه على شكل جمل وعبارات.

ومن الذين جربوا هذا الاتجاه الخطاط العراقي إياد الحسيني، والفنان السوري سامي برهان، التيار الثالث يمثله النحاتون الذين نظروا إلى الحرف (مجرداً عن كل سطح أو تشكيل فني أو ارتباط دلالي)، باعتباره شكلاً قابلاً للنحت، فتوازن أجزائه، وأطواله وحجم كتلته، كل ذلك يمثل لغة بصرية يستطيع الفنان أن يصنع منها منحوتة مثيرة ومدهشة، ويعد النحات السوري عاصم الباشا من أهم من مارسوا هذا التجربة، منطلقاً من الحركة الخارجية الظاهرة للحروف في تشكيلاتها، ساعياً إلى شحنها بطاقة الكمون والحركة الداخلية تماماً كما يفعل النحات مع منحوتاته.

You may also like...