الرواية.. رهان الإبداع في الخليج

%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%b1%d9%87%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%b9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84%d9%8a%d8%ac

محمد ولد محمد سالم

أصبحت الرواية الخليجية رقماً مهماً في الرواية العربية، وبرزت من الناحية الكمية والكيفية، وفاز بعض كتابها بجوائز عربية رفيعة، وأصبحت دور النشر تتنافس على الكتاب الخليجيين نظراً لازدهار الرواية، وللحظوة التي يجدونها لدى القارئ الخليجي، وشهدت معارض الكتب في دول الخليج إقبالا على أجنحة الرواية ما يعني أن دورها في الثقافي والاجتماعي في تصاعد، ولم تصل الرواية الخليجية لهذه المرحلة إلا بعد أن قطعت أشواطاً طويلة شهدت فيها إخفاقات كثيرة، ونجاحات كثيرة، وراكمت خلالها كمّاً من الإنتاج أدى إلى تطورها وبلوغها مرحلة النضج، وساعدها على ذلك توفر آليات النشر، والدعم الرسمي للكتاب، وبرامج وتطور وعي القارئ وإقباله على الرواية.
كانت البداية في السعودية، حيث ظهرت فيها أول رواية وهي رواية «التوأمان» لعبد القدوس الأنصاري في عام 1930، ثم ظهرت رواية «فكرة» لأحمد السباعي 1948، وقد كانت البدايات ضعيفة المستوى من حيث البناء الفني، وركزت على معالجة القضايا الاجتماعية في سياق التحولات السياسية والحضارية التي شهدها المجتمع السعودي آنذاك، حين بدأ ينتقل من مجتمع البداوة إلى مجتمع المدينة، لكن الرواية السعودية سوف تعرف في ستينات وسبعينات القرن العشرين تطوراً مهماً، تمثل في بروز كاتبات سعوديات انخرطن بشكل احترافي في كتابة الرواية، وهن سميرة خاشقجي (بنت الجزيرة)، وهدى الرشيد، وهند باغفار، اللواتي استفدن من تحصيلهن الدراسي وانفتاح الثقافة المجتمعية على آفاق عدة، وقد طرحت كتاباتهن بقوة، قضايا المرأة وما كانت تعيشه في السابق من قهر، وأسست هؤلاء الكاتبات لما سيعرف لاحقاً بظاهرة الرواية النسائية السعودية التي أثرت في الساحة الخليجية كلها، وجاءت الرواية الكويتية في المرتبة الثانية، من حيث الظهور، فأول رواية صدرت فيها كانت في عام 1948 وهي «آلام صديق» لفرحان راشد فرحان.

بدايات

وشهدت فترة الستينات صدور عدد جيد من الروايات، وسارت في الطريق نفسه الذي سارت فيه الرواية السعودية، من حيث معالجة التحولات الاجتماعية والسياسية، أما في الإمارات وقطر وسلطنة عمان والبحرين، فسوف تبدأ الرواية تقريباً في سبعينات القرن الماضي بشكل شبه متزامن، نظراً لأن هذه الفترة شهدت خروج المستعمر، وما رافق ذلك الظهور من تحولات سياسية واجتماعية كبرى، وسوف تتخذ الرواية في تلك البلدان مساراً يبدأ بكتابة الرجل ثم ينتهي بطغيان العنصر النسائي على ساحة السرد، ففي الإمارات على سبيل المثال، كانت رواية «شاهندة» للكاتب راشد عبدالله النعيمي، أول رواية ظهرت في عام 1971، تبعتها روايات لعلي أبوالريش ومحمد عبيد غباش، وغيرهم، وفي عام 1992 ستدشن الكاتبة سارة الجروان مرحلة الرواية النسائية الإماراتية بروايتها «شجن بنت القدر الحزين»، لتبدأ مرحلة صعود الكتابة النسائية مع أسماء الزرعوني، وباسمة يونس، وصالحة غابش، وصولاً إلى العدد الكبير من الكاتبات الشابات اللاتي انطلقن مع مطلع الألفية الثانية.

الكتابات النسوية

الظاهرة الأبرز في الرواية الخليجية كانت الانفجار الكبير للكتابات الروائية النسوية، وقد استقطبت هذه الظاهرة اهتمام الدارسين الذين وجدوا فيها مؤشرات على تطورات اجتماعية وفكرية مهمة، وقد بدأت الظاهرة كما أسلفنا مع الكاتبة السعودية سميرة خاشقجي (بنت الجزيرة) في الستينات من القرن العشرين برواياتها «آمالي» 1958 و«ذكريات دامعة»1961 و«بريق عينيك»، وغيرها من الروايات، وبعد بنت الجزيرة شهدت فترة السبعينات ظهور روائيات سعوديات كثيرات، منهن صفية عبد الحميد، وفاطمة العلي، وهند باغفار، ثم أخذت الظاهرة تتسع حتى وصلنا إلى بداية الألفية الثانية التي شهدت أوج ذلك الانفجار للرواية النسوية الخليجية، لكثرة ما ظهر فيها منها، وأصبحت بعض العناوين الروائية النسوية تصيب من الذيوع ما لم يكن في الحسبان، فظهرت رواية «حبي» 2000 و«موقد الطير» 2002 لرجاء عالم و«بنات الرياض» 2005 لرجاء الصانع، و«جاهلية» 2007 لليلى الجهني و«البحريات» 2006 لأميمة خميس، وظهرت «صمت الفراشات» 2007 لليلى العثمان، و«سعاد» 2005 لبثينة العيسى في الكويت، والجسد الراحل 2004 لأسماء الزرعوني، وأوجه المرايا الأخرى 2006 لفاطمة السويدي، وطروس إلى مولاي السلطان لسارة الجروان 2008 في الإمارات، ومنامات 2004 لخوجة الحارثي في عمان، ومهرجان الأيام والليالي 2001 لدلال خليفة في قطر.

الحضور البارز

وكانت الحضور البارز للرواية مرتبطاً بالتطور السريع الذي حدث للمجتمع الخليجي في العقود الأربعة الأخيرة الذي وضعها في موضع الصدارة الاقتصادية واستغلال التكنولوجيا الحديثة، ما انعكس على المجتمع في تغيير أسلوب حياته، فضلاً عن التحاق للمرأة بالتعليم ودخول ميدان العمل، واتسع هامش الحرية المتاح لها، وانفتحت آفاق تفكيرها إلى شيء أرحب من غرف النساء والمطبخ والأولاد، ووجدت في الكتابة وسيلة للتعبير عن هذه الحرية الجديدة، والتوق إلى ما هو أكثر، والتمرد، وكانت فنون السرد والرواية بشكل خاص أقدر على القيام بهذه المهمة، والمرأة جبلت على الحكاية، فكيف بها وقد وجدت الورقة والقلم، وامتلكت ناصية العبارة، وآنست من نفسها الشجاعة على رفع الصوت بحكايتها، لقد كان ذلك هو ما أنتج هذه الظاهرة الفريدة اللافتة التي نشاهدها اليوم.

وقد تدرجت كتابة المرأة في خطابها للواقع من الاحتجاج النسوي التقليدي وفيه عالجت الروايات قضايا المرأة من زاوية المقبول اجتماعياً، ولم تحاول الصدام مع المواضعات الاجتماعية، ثم جاء الانقلاب الروائي النسوي، حيث نزعت المرأة عنها رداء معالجة القضايا العامة الذي كانت تتستر به، وراحت تطرح قضاياها، وتجاهر بثورتها متحدية بعض الممارسات ضدها، ثم جاءت مرحلة «السرد الذاتي» حيث تقدم الكاتبة سيرة ذاتية حقيقية، أو متخيلة على لسان بطلة هي في العادة تتحدث بلسان المتكلم.

تطور مستمر

يرى الكاتب العماني الدكتور عامر العسيري، أن الرواية في الخليج هي في تطور مستمر، وذلك لاحتضان مؤسسات ثقافية ومجلات مثل مجلة نزوى في عمان التي تستقطب كتابات أدبية وتصدرها في ملحق مع المجلة، ومثلما تفعل مجلة الدوحة، وقد قطعت الرواية الخليجية أشواطاً كبيرة، وتناولت مجالات عدة، وعبرت عن المجتمع، وهي حاضرة بقوة في المشهد الثقافي الخليجي، لكن الذي لا يزال قليلاً وناقص الحضور هو الرواية المكتوبة للطفل، وإن كان الواقع اليوم يبشر بخير لمستقبل هذا النوع من الكتابة، وقد بدأت تنتشر لكن المشكلة تبقى في أسلوب الكتابة، فمعظم الكتابات التي تقدم للطبع تأتي بلغة لا يفهمها الطفل، ما يجعلها صعبة ولا تبلغ مقاصدها، فنحن بحاجة إلى إيجاد قاموس لغوي وأسلوب مناسب للطفل، وكذلك بحاجة إلى مجلات أدبية تتناول هذه الكتابات، وتقيمها وصولاً إلى المستوى الأسلوبي والأدبي المطلوب.

وأضاف العسيري أن السيادة في الساحة الثقافية العمانية هي للشعر، لكونه يمثل تراثاً ثقافياً ضخماً، وشهد حركة حداثية جيدة، وله منابر تقليدية راسخة، ويلقى تشجيعاً، ومع ذلك فالرواية لها بعض معجبيها، ولها منابرها، لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من العناية مثل إقامة الجوائز، والمسابقات، وملتقيات، وكذلك ضرورة وجود متابعة إعلامية تعرف بها وتقدمها للقارئ، وكذلك وجود نقد متخصص يقدم يتابع ويقيم ما يكتب من روايات.

الإمارات نموذجاً

ويضيف أن الدعم لا يزال ناقصاً ولا يرقى إلى ما ينبغي، وما يمكن أن ينهض بالرواية، نحن بحاجة إلى مزيد من الدعم، وأنا أرى في الإمارات نموذجاً يحتذى في التشجيع، سواء المسابقات وعقد الملتقيات، وفي الدعم المتكامل، بمعنى إيجاد مؤسسات تتعاضد في ما بينها في تقديم الدعم للكتاب والشباب واستيعابهم، وأدعو بقية الدول لأن تحذو حذوها، وأن تقدم مزيداً من الدعم لشباب الكتاب بشكل خاص.

القاص السعودي هاني الحجي قال إن الرواية السعودية بدأت من منطلق كشف المسكوت عنه، وأصبحت رواية تهتم بالجانب الفضائحي أكثر، والسعي إلى سبر أغوار المجتمع السعودي الذي هو مجتمع محافظ، وكشف المخبوء فيه، خصوصاً في القضايا التي تتعلق بالمرأة، وقد وجدت المرأة الكاتبة بشكل خاص في الرواية صيغة مناسبة للتعبير عن ذاتها، ونحن نعرف ما لقيته رواية «بنات الرياض» من ضجة، وصلت إلى العالم، حيث ترجمت هذه الرواية إلى الكثير من لغات العالم، وأعيدت طباعتها عشرات المرات، ربما الآخر تعامل معها كوثيقة عن المجتمع السعودي، في هذه الرواية كشفت الكاتبة رجاء الصانع لأول الحياة الداخلية المخبأة وراء الأبواب للمرأة السعودية، وهذا كان مشوقاً للآخر خارج المملكة، خاصة الآخر الغربي، الذي لا يعرف المجتمع السعودي، وهو ما شجع على ترجمتها كل تلك الترجمات، ولم يكن لذلك الرواج علاقة بمستوى النضج الفني، فهي من هذه الناحية رواية متواضعة.
ويضيف الحجي: لا يعني هذا أن الرواية السعودية لا تتمتع بنضج فني، فصحيح أنه كان الاهتمام في الأول منصباً على الكم، وشهدنا في العقود الماضية موجة من الروايات النسوية التي طبعها في الأغلب ضعف فني، وعدم نضج في الطرح، لكن الرواية السعودية قطعت أشواطا كبيرة في النضج الفني، وهناك روايات جادة، إلى الدرجة التي جعلت روايات سعودية تحصل على أكبر الجوائز العربية، مثل الجائزة العالمية للرواية العربية التي حصلت عليها رجاء عالم عن روايتها «طوق الحمام»، وعبده خال عن روايته «ترمي بشرر»، كما حصل يوسف المحيميد على عدة جوائز عالمية، فهي اليوم تنافس الرواية العربية في النضج والحضور على الساحة العربية، وتشارك في محافل دولية وعربية كبيرة، وهناك أسماء كثيرة أخرى لها حضورها وقدمت أعمالاً ناضجة، مثل أميمة الخميس، وبدرية البشر.
وتابع الحجي: إن الرواية الخليجية بشكل عام قرأت المجتمع، وكشفت المستور فيه، ودخلت في مناطق ما كان يمكن الحديث عنه بغير الرواية، والمرأة تحديداً وجدت في الرواية ضالتها، وتخفت تحتها لكتابة رأيها وإسماع صوتها للمجتمع، وشكلت وسيلة لإظهار التمرد، حتى إنه بلغ الأمر في بعض في الحالات درجة أصبحت فيها الكاتبة تمارس العنف الكتابي ضد المجتمع، وضد الرجل بالذات، ففي بعض الروايات والقصص تحس أن الرواية كلها هي حالة انتقام من الرجل، مكرسة لموته، عن طريق الإصابات والحوادث، وهذا مؤشر خطر جداً، وحبذا لو أجريت دراسات اجتماعية ونفسية تعكف على هذه الروايات لاستخلاص دلالاتها، وقد وجدت أن باحثاً هندياً أعد رسالة في جامعة هندية درس خلالها المجتمع السعودي من خلال الروايات، فالرواية تعطي مؤشرات نفسية واجتماعية لدراسة المجتمع السعودي.

أسماء وجوائز

الكاتب الكويتي طلال الرميضي يقول: في العقود الأخيرة تطورت الرواية الخليجية تطوراً كبيراً، وبرزت أسماء كبيرة حققت الكثير من الجوائز الأدبية على المستوى العربي، وأصبح لها حضور كبير في معارض الكتب، ونذكر من الأسماء البارزة عبده خال، وسعود السنعوسي، وباسمة العنيزي، وفي الكويت تحديداً برزت الكثير من الروايات المهمة في الثلاثين سنة الأخيرة، وتحضرني هنا أعمال الروائي إسماعيل فهد إسماعيل رائد الرواية الكويتية، الذي قدم للرواية العربية الكثير من الأعمال الإبداعية، وليلى العثمان وليلى حمد صالح، والكثير من الأسماء الشبابية، مثل عبدالوهاب السيد الذي اتخذ لوناً جميلاً في أدب الرواية وهو أدب التشويق والإثارة، وهناك الكثير من الشباب من خالد النصر الله، وعلياء الكاظمي، وعبد الله بصيص، ومحمد البغيلي، وآخرين، وقد حصلوا على الكثير من الجوائز العربية ما يدل على تميز وتطور الرواية العربية، وقد وصلوا إلى القارئ العربي من خلال معارض الكتب، وهذا بفضل تطور ملكة الكتابة لدى الكتّاب، وأيضاً بفضل ما تقوم به دور النشر الجديدة التي قدمت هذه الرواية إلى القارئ العربي، ولا شك في أن الرواية الكويتية ناقشت الكثير من القضايا الاجتماعية والفكرية داخل المجتمع الكويتي والعربي، بأساليب لائقة، وكان من بين ما ناقشته بإسهاب قضايا التفكك الأسري، ووضع المرأة، والإرهاب، وغيرها من المواضيع التي تمس المواطن الكويتي والعربي، ولا شك في أنها بذلك أسهمت في تطوير الوعي، ومواكبة التطور الحضاري والتغيرات التي حصلت في المجتمع خلال العقود الماضية.

 

You may also like...