السلاح في الشعر الجاهلي ..نبل وفروسية

%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a7%d8%ad-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a7%d9%87%d9%84%d9%8a-%d9%86%d8%a8%d9%84-%d9%88%d9%81%d8%b1%d9%88%d8%b3%d9%8a%d8%a9

يكتبها: يوسف أبولوز

ربما، تتذكر، أول ما تقع عيناك على هذا الكتاب بيتاً من الشعر لأبي الطيب المتنبي وفيه يقول: إن السلاح جميع الناس تحمله../‏‏ وليس كل ذوات المخلب السبع../‏‏ فذوات المخالب على نحو عالمي اليوم تملك السلاح، لكنها توجهه إلى الإرهاب والظلم وتدمير البشر والحجر والشجر.
السلاح عند العرب إشارة إلى النبل والفروسية، ولا يستعمل إلا في الدفاع عن النفس أو لمهمة نبيلة، وحتى الحروب كانت لها أخلاقيات وقوانين، وفي القدم، كانت الحروب تدور بين جيشين بعيداً عن المدن والناس، ومن ينتصر يحمل نصره على رأسه، ومن ينهزم يحمل هزيمته على ظهره.
اليوم تغير مفهومه وأداؤه عما هو وارد في هذا الكتاب المهم الذي بين يدينا للقراءة، وحشدت له الباحثة فاطمة علي المعمري الكثير من المراجع والمعلومات.. إن السلاح اليوم غير سلاح الأمس، هناك صواريخ وطائرات عابرة للقارات، وهناك النووي، والكيماوي، والغازي، والهيدروجيني والجرثومي، والانشطاري، كأن البشرية تريد أن تأكل نفسها بنفسها، وكأن الإنسان يبني الأرض فيندم، ويقوم بتدميرها من جديد، والقليل من يندم على ما فعله في الحياة، وفي العالم.

في ضوء هذا الكتاب نستعيد كوارث الأسلحة.. صنع (نوبل) الديناميت.. وأول ضحاياه كان شقيقه، وكأن جائزته العالمية في الأدب والعلوم تعويض أو ندم عما فعل، وقامت أمريكا بدك ناغازاكي وهيروشيما بقنابل ذرية وحتى اليوم ضحاياها إما مرضى أو أنهم مشوهون، ولم يشعر الطيار الذي ألقى القنبلة على هيروشيما بشيء من الندم، ودكت الطائرات مدينة (الجرنيكا)، وظلت هذه الكارثة عالقة في ذاكرة البشرية حتى اليوم.
يأخذنا هذا الكتاب إلى الكثير من التداعيات.. خصوصاً أننا في زمن الأسلحة، وزمن الحروب، غير أن سلاح الأمس، يظل مهما كان كارثياً في زمنه.. أقل وطأة على البشر. وعلى أي حال، فالسلاح هو السلاح.. (المنجنيق) تطور إلى راجمات الصواريخ وراجمات البراميل على رؤوس الأبرياء في سوريا، ومن كان في الماضي يستخدم الرمح تحول اليوم إلى قناص يتربص حتى بالأطفال، وهم في طريقهم إلى مدارسهم وأمهاتهم.
تبعت فاطمة علي المعمري في كتابها هذا الجدير بالقراءة للمقارنة بين سلاح الأمس، وسلاح اليوم أكثر من منهج في البحث.. المنهج الوصفي، والمنهج الاجتماعي، والمنهج النفسي، واستطاعت بذكاء الباحث أن تستعين بالشعر، وأخذت نماذج في الثأر والحرب والتحالفات بين القبائل، وقدمت لنا، بالتالي، مادة جديرة بالقراءة.
أول الأسلحة في الجاهلية هو السيف، وأوردت المعمري اسماءه: الحسام، المنصل، الصارم، المهند، والهندواني، الصمام، والصمصامة، الصفيحة، العضب، القاضب، المخذم، الأبيض، المأثور، المشرفي، القلعي، البتار والباتر، الصيلم، الفيصل، القاصل.. وكلها وردت في الشعر الجاهلي كما وردت في الشعر اجزاء السيف، مثل ذبابة السيف وعرار السيف، ونجاد السيف.
من الأسلحة في الشعر الجاهلي أيضاً.. القوس، ومن الطرافة بمكان أن الكتاب يخبرنا أن امرأة تدعى (رضوى) كانت تصنع القسي.
بعض المعلومات، فعلاً، جديرة بالتوقف عندها، فنحن نقرأ لا لكي نتوصل إلى معلومات فقط، بل، وإلى ظواهر اجتماعية، فإذا كانت المرأة تصنع القسي أو الأقواس في الجاهلية قبل الإسلام، فهذا مؤشر على مكانتها، وعلى مشاركتها الرجل في الحرب.
من أسماء القوس والسهام: الراصف، اللؤام، مبضوعة، كتوم، المحنب، الزوراء، الرهيش، معبلة، لأم، المريخ. النضي، أما أسماء الرمح: الصعدة، المثقف، عسال، عاسل، وعراص وعراث، رديني، رواعف.. وغيرها، ومن الأسلحة: الدروع ومن أسمائها: الدلاص، السابغة، الماذي، السلوقية، السربال، النثرة، وغيرها.. ومن أدوات الحرب أيضاً البيضة (خوذة تلبس على الرأس).. والترس وتورد الباحثة أسلحة أخرى معتمدة على نص للجاحظ منها: الرتيلة، الدباب، الحسك، الطبول، البنود وغيرها.
الحروب لها أسماء أيضاً: وهي الأيام عند العرب ومن أيام العرب أو أيام الحروب: يوم النهى، يوم الغبيط، ويوم جدود، ويوم البردان، ويوم خزاز وغيرها.
يهمنا هنا الإشارة إلى أن الشعر هو ميدان هذا البحث.. الأمر الذي يعني أن الشعر في الجاهلية، كما هو سجل أو تاريخ للوجدان العربي (الحب على سبيل المثال)، أو كما هو سجل للفخر والفروسية، هو أيضاً سجل للحروب وأدوات هذه الحروب كما يشير الشعر كميدان بحث إلى الأبعاد الاجتماعية والنفسية استناداً إلى تتبع الأسلحة، والحروب، وأيام العرب، وهو ما أشارت إليه الباحثة في هذا الكتاب، وقد توصلت، بإيجاز، إلى أن حياة وظروف العرب، كانت تستدعي أن يكونوا حريصين على اقتناء السلاح (حيث كان يحميهم ويقيهم مخاطر الصحراء) وتقول الباحثة.. (قد يجمع الشاعر أحياناً بين الحب والسلاح، وبين الأخلاق والسلاح)، وتربط الباحثة، من ناحية اجتماعية بين السلاح وحرص العرب على حماية قبائلهم، وتحديداً حماية المرأة، ومن لا يمتلك السلاح في الظروف تلك الجغرافية والاجتماعية فهو يفقد هيبته.
اعتمدت فاطمة علي المعمري على 21 مصدراً، وعلى عشرات من المراجع والمعاجم، وكتب التراجم، والدوريات، والمصادر الإلكترونية، كما اعتمدت على النص القرآني والأحاديث الشريفة.
من الشعراء الذين استندت المعمري إلى نصوصهم في تتبع السلاح وأنواعه وأجزائه وأسمائه: الأعشى، عنترة، قيس بن الخطيم، أوس بن حجر، امرؤ القيس، النابغة الجعدي، خداش بن زهير، الحارث بن عباد، تأبط شراً، حاتم الطائي، السموأل، مهلهل بن ربيعة، وغيرهم الكثيرون من الشعراء.
من القطع الجميلة قصيدة لعنترة بن شداد الذي يكثر ذكر السيف في شعره، وذلك لشجاعته المعروفة في الحرب.. يقول:

تعيرني العدى بسواد جلدي

وبيض خصائلي تمحو السوادا

سلي يا عبل قومك عن فعالي

ومن حضر الوقيعة والطرادا

وردت الحرب والأبطال حولي

نهز أكفها السمر الصعادا

وخضت بمهجتي بحر المنايا

ونار الحب تتقد اتقادا

* الكتاب: السلاح في الشعر الجاهلي أبعاده الاجتماعية والنفسية
* المؤلفة: فاطمة علي المعمري
* الناشر: وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع 2012

You may also like...