السياسة.. تاريخ وإيديولوجيا وعلم منضبط القواعد

القاهرة: «الخليج»

أصبحت «الفلسفة السياسية» في الغالب مرادفة ل«الإيديولوجية»، إنها تفهم بالتأكيد في مقابل «العلم السياسي» والتمييز بين الفلسفة السياسية والعلم السياسي هو نتيجة للتمييز الأساسي بين الفلسفة والعلم، وحتى هذا التمييز الأساسي ذو أصل حديث نسبياً، فالفلسفة والعلم ليسا متميزين، فقد كان العلم الطبيعي جزءاً من الأجزاء الأكثر أهمية للفلسفة، وكانت الثورة العقلية العظيمة في القرن السابع عشر التي كشفت عن علم طبيعي حديث، ثورة لفلسفة جديدة أو علماً في مقابل فلسفة تقليدية أو علم تقليدي، بصفة خاصة فلسفة أرسطو.
غير أن الفلسفة الجديدة أو العلم لم يكن ناجحاً إلا من بعض الوجوه، فالجزء الأكثر نجاحاً من الفلسفة الجديدة أو العلم هو العلم الطبيعي الجديد، وأصبح العلم الطبيعي الجديد بفضل انتصاره، شيئاً فشيئاً أكثر استقلالاً عن الفلسفة، على الأقل ظاهرياً، بل أصبح سلطة للفلسفة إن صح التعبير، وبهذه الطريقة أصبح التمييز بين الفلسفة والعلم مقبولاً بوجه عام، كما أصبح التمييز بين الفلسفة السياسية والعلم السياسي من حيث إنه نوع من علم طبيعي لأشياء طبيعية مقبولاً في الغالب، ومع ذلك فالفلسفة السياسية والعلم السياسي هما على حسب ما جرت العادة الشيء نفسه.
القصد من كتاب «تاريخ الفلسفة السياسية» الذي ألفه ليو شتراوس وجوزيف كروبسي، وترجمه إلى العربية محمود سيد أحمد هو أن يعرف دارسو العلم السياسي في المرحلة الجامعية الفلسفة السياسية، وقد بذل مؤلفا الكتاب أقصى ما في وسعهما لأن يطرحا الفلسفة السياسية بجدية، مفترضين باستمرار أن تعاليم الفلاسفة السياسيين ليست مهمة من الناحية التاريخية فحسب، أي بوصفها ظاهرة لابد أن نتعلمها إذا أردنا أن نفهم مجتمعات الحاضر والماضي، وإنما بوصفها أيضاً ظاهرة لابد أن نتعلم منها إذا أردنا أن نفهم تلك المجتمعات، ونحن نعتقد أن القضايا التي أثارها الفلاسفة السياسيون في الماضي لا تزال قيمة في مجتمعنا، إن لم تكن الطريقة التي يمكن أن تحيا بها القضايا التي تقدم لها في الغالب إجابة بصورة ضمنية أو دون قصد.

يقول مؤلف الكتاب: نقدم هذا الكتاب لأولئك الذين يعتقدون أنه يجب أن يكون لدى دارسي العلم السياسي فهم ما للمعالجة الفلسفية للقضايا الدائمة، أعني لأولئك الذين يؤمنون أن العلم السياسي ليس علمي النزعة مثل الكيمياء والفيزياء، أعني العلمين اللذين يستبعد منهما تاريخهما الخاص، إننا نأخذ القضية التي تقول إن الغالبية العظمى من المحترفين، تتفق في وجهة النظر التي تذهب إلى أن تاريخ الفلسفة السياسية جانب مهم من العلم السياسي، تقول إننا نأخذ هذه القضية على أنها قضية يجب البرهنة عليها عن طريق الممارسة العامة ذاتها بتقديم دورات دراسية في هذا الموضوع.
الكتاب ليس دراسة تاريخية كاملة، أي أنه ليس كتاباً مدرسياً كاملاً، كما يشير المؤلفان: «لقد كنا مضطرين إلى أن ندرج مؤلفين معنيين وموضوعات معنية، وأن نستبعد مؤلفين آخرين وموضوعات أخرى»، ولم نقصد من وراء ذلك أن نتسرع في الحكم على الجزء الحي من الفلسفة السياسية أو ما يستحق أن يكون كذلك، فلا جدال أنه يمكن تقديم حجج بالنسبة لإدراج دانتي وبودان وتوماس مور وهارنجتون ولإدراج العصور الوسطى الإسلامية واليهودية، ولإدراج ديكارت مثلاً.
إن الفلسفة السياسية ليست الشيء نفسه بوصفها فكراً سياسياً بوجه عام، إذ إن الفكر السياسي يتزامن مع الحياة السياسية ومع ذلك ظهرت الفلسفة السياسية داخل حياة سياسية معينة، أي في اليونان، وبناء على وجهة النظر التقليدية فإن سقراط هو مؤسس الفلسفة السياسية، وكان أستاذاً لأفلاطون الذي كان بدوره أستاذ أرسطو، وكانت أعمالهم السياسية هي أقدم الأعمال المخصصة للفلسفة السياسية.

You may also like...