السينما المعاصرة ضد المنطق

القاهرة: «الخليج»

نشأت السينما كفن يحاول إعادة خلق لحظة تلو الأخرى، والتي نجد أنفسنا نستطيع السيطرة عليها بواسطة طبع تلك اللحظات، على شريط الفيلم، وهذا ما يحدده الوسيط السينمائي بشكل حاسم في اختلافه عن بقية الفنون الأخرى، هذه اللحظات المطبوعة على شريط الفيلم هي ما تشكل في النهاية الأسلوب السردي في الفيلم السينمائي بكل أشكال السرد المعروفة من سرد تقليدي إلى سرد معاصر، من هنا نستطيع أن نقول إن الفن السينمائي بدأ يتقدم نحو وعيه بذاتية السينما، وتفردها عن بقية الفنون، فأساليب الأفلام دائماً ما تتغير من شكل إلى شكل فني آخر، حتى يبدو أنها ضد التسلسل المنطقي للأحداث.
توضح د. سعاد شوقي في كتابها «الزمن في السرد السينمائي» أن المتفرج لا يستطيع بأي حال من الأحوال أن يقاوم أو يصرف انتباهه عن التغيرات المتلاحقة التي يراها على الشاشة، ويسببها المونتاج، مثل الاقتحام المفاجئ داخل الكادر، وسرعة تتابع اللقطات أسرع من الواقع، مع استيعابه للطاقة الحسية للقطة القريبة، التي تظهر الأشياء بداخلها متضخمة ومحسوسة بشكل مبالغ فيه، إن هذه الخاصية للصورة تنفذ إلى أغوار النفس البشرية أكثر من الكلمة أو الفكرة، أو الموسيقى، أو حتى اللوحة التشكيلية، إن محيط بصر المشاهد يحتوي كل ما يحدث أمامه، ومن هنا اكتسب الفن السينمائي أهميته.
تشير الكاتبة إلى أنه مع ذلك فإن السينما ليست شكلاً واقعياً مثل بقية الفنون، لأنها تقوم على خلق شكل مصطنع قائم على الزمان والمكان، لأن الزمان والمكان السينمائي دائماً خاضعين لإرادة المخرج، ويمكن التعامل معهما بحرية تامة، سواء في فصلهما أو ارتباطهما ببعض، لقد اختفى الشكل الكلاسيكي للفن السينمائي، اختفى تقريباً عندما ظهرت المؤثرات الخاصة والمونتاج الخلاق، ولم تعد هناك ضرورة للتمسك باستخدام واقعية الحبكة مثلاً أو التسلسل المحدد للأحداث وترابط الزمان والمكان.

تضيف الكاتبة أن حكاية الفيلم أصبحت تروى أو تسرد بشكل ربما لا يحكمه منطق عقلاني، فالتبرير المنطقي لبواعث الشخصيات والسلوك الإنساني القائم على ماضي الإنسان، كل هذه المفاهيم أصبحت مرفوضة في السينما المعاصرة، يقول هارولد بنتر: «إن الشخصية التي لا تستطيع أن تقدم براهين مقنعة أو معلومات وافية فيما يتعلق بتجربتها الماضية وسلوكها الحالي أو طموحاتها، لا تقدم تحليلاً شاملاً لبواعثها، هي شرعية وحقيقية وجديرة بالاهتمام» .

قد يعجبك ايضا ...