«الشارقة للفنون».. التشكيل في كل مكان

%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a7%d8%b1%d9%82%d8%a9-%d9%84%d9%84%d9%81%d9%86%d9%88%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b4%d9%83%d9%8a%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d9%83%d9%84-%d9%85%d9%83%d8%a7%d9%86

الشارقة: غيث خوري

تقدم مؤسسة الشارقة للفنون في كل عام جملة من النشاطات الفنية متنوعة الاتجاهات والرؤى والتي تثري الحياة الفنية، وتطرح مجموعة من التجارب والأعمال الفنية رفيعة المستوى، وتجمع تحت مظلتها نخبة من المعارض والفنانين ورواد الثقافة ومقتني الأعمال الفنية والزوار من كافة أنحاء العالم. وقد أصبحت المؤسسة بمثابة منصة نوعية أخذت على عاتقها مهمة تطوير الفنون والإسهام في صياغة وترسيخ حالة ثقافية ريادية، تسبر الراهن وتستشرف المستقبل، ضمن مشروع الشارقة الثقافي بأبعاده الإنسانية الشاملة.
وقد شهد عام 2016 مجموعة كبيرة من المعارض والملتقيات والورش التي نظمتها المؤسسة، والتي أكدت التزامها بتقديم كل جديد، وانفتاحها وقدرتها على التواصل مع العالم، وإنتاج الفنون بشكل احترافي.

بدأت المؤسسة موسمها مع معرض «مختارات» الذي قدم أعمالاً فنية من مقتنيات مؤسسة الشارقة للفنون. شملت أعمال الفنانين: لارا المرسيغي، وبسمة الشريف إيمان عيسى، وعمل لمجموعة «السلاف والتتار»، وكذلك عمل نحتي للفنان أدريان فيلار روخاس.
لتنطلق بعد ذلك بمشروع متفرد من حيث الفكرة والمضمون وهو «do it بالعربي» والذي تعاونت فيه المؤسسة مع المدارس والجامعات والمجتمعات في جميع أنحاء دولة الإمارات العربية المتحدة، بما في ذلك مركز عجمان لتأهيل المعاقين، الجامعة الأمريكية في الشارقة، ومركز تمكين، وجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، ومدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، ومعرض الشارقة الدولي للكتاب، وجامعة الشارقة.

وقد كان هدف المشروع الرئيسي هو دمج الفن بالحياة اليومية ونقله للناس، عبر إشراك الجمهور في كل تفاصيل المعرض الفنية، بمشاركة 61 فناناً، في معرض تجريبي يرسي تجارب جديدة في الفنون البصرية، أبرزها إحالة المساحات إلى فضاء فني، يتجلى فيه الدور الجمالي على الوظيفي، ويشارك فيه الجمهور بمختلف فئاته كجزء رئيسي في المعادلة الفنية، فيما يبدو أنه محاولة لإعادة تعريف التلقي وأدواته.
وفي بادرة متميزة قدّمت المؤسسة معرض «حول المعارض في الإمارات»، الذي قدم لمحة شاملة عن مراحل تطور معارض الفن المعاصر في دولة الإمارات على مدى الأعوام الأربعين الماضية من خلال عرض ما يزيد على 100 عمل ل15 فناناً إماراتياً. وقد بني المعرض على بحوث واسعة النطاق شملت أرشيف المقالات الصحفية، وكتابات الفنانين، والكتالوجات، بالإضافة إلى المقابلات مع فنانين وممارسين ثقافيين، كما ركز البحث على السجل التاريخي غير المعروض وتطور بعض أهم فناني الإمارات الحداثيين والمعاصرين، عاكساً بذلك مسارات تاريخية ومتغيرات سياسية وأخرى شخصية.
كما استضافت المؤسسة عدة معارض لفنانين لبنانيين، كان أولها معرض الفنانة سيمون فتال، التي قدمت مجموعة من الأعمال التي أنتجتها في الفترة ما بين 2006 و2013، تنوعت بين منحوتات، وأعمال غير تشخيصية، وتشكيلات طينية بسيطة، بالإضافة إلى الأعمال التي تركز على التكوينات النصية، والمجسمات التي تجسد أولئك الذين يقفون بشكل مستمر في مواجهة الحرب والصراع، حيث سمح لها استخدام مادة الطين التي تتصف بالهشاشة والقوة، أن تقتفي أثر الماضي وصولاً إلى الحاضر.
وفي معرض نوعي تحت عنوان «شمسان في المغيب» قدم الفنانان وصانعا الأفلام اللبنانيان جوانا حاجي توما وخليل جريج، مشاريعهم الفنية والسينمائية التي أنتجت منذ أواخر التسعينات وحتى يومنا هذا.
وجاء معرض «وقت خارج الزمن» وهو المرحلة الثانية من برنامج معرض أشغال داخلية أقيم في بيروت، ليستلهم مقولة ابن عربي «الزمان مكان سائل.. والمكان زمان متجمد». حيث يمزج المشروع بين أزمنة وأمكنة مختلفة، بين مدن وفعاليات فنية حدثت في الماضي وستحدث في المستقبل، ليعيد صياغة معرضين رئيسيين أقيما في لحظات انتقالية عبر التاريخ، واكتملا بالنظر نحو المستقبل، مستحضراً معرض «السنتين العربي الأول» في بغداد (1974)، ومعرض «الصين/ الفن الطليعي» في بكين (1989)، متخطياً في ذلك القيود من خلال قفزات بين تلك الأمكنة والأزمنة، وبين القواعد الأساسية التي حكمت وما زالت تحكم الأفكار. داعياً الجمهور للانخراط في برنامج متنوع يضمّ معرضاً لأعمال فيديو وأعمال تركيبية وأعمال تصوير فوتوغرافي، بالإضافة إلى غرفة قراءة، وبرنامج عروض أداء ومحادثات للفنانين.

لقاء مارس 2016

إن لقاء مارس الذي تنظمه المؤسسة كل عام يعد خطوة نحو متابعة الفنون المعاصرة والفنون في العالم كيف تسير وما الذي يطرأ عليها من تطور، وهذا ما تحتاج إليه الحركة التشكيلية الإماراتية، إذ من المهم أن تطّلع التجارب التشكيلية الإماراتية والعربية على آخر التجارب الفنية في الدول المتقدمة، فلا يمكن أن يسير الفن العربي أو الإماراتي بمنأى عما يجري عالمياً.
يأتي عام 2016 لتحل الدورة التاسعة من لقاء مارس، هذا اللقاء الذي انطلق في عام 2008 عبر مشاركة 24 فناناً، انضموا إلى ما تم وصفه بأنه لقاء بين مجموعة من المؤسسات الفنية في العالم العربي للقيام بمهمة واضحة تتمثل في معالجة القضايا الملحّة التي تواجه الفنانين والمؤسسات الفنية مع التركيز على الحاجة إلى تنظيم لقاءات بين الفنانين، والقيّمين، والمنتجين، وممارسي الفن من مختلف أنحاء العالم، وتوفير فرص التعارف بينهم.
ورغم أنه أصبح أكبر حجماً بعض الشيء، فإن لقاء العام الحالي في مارس/آذار 2016، عكس عبر موضوعاته روح اللقاء الأصلي، والذي تم ابتكاره كمناسبة لتشارك المعرفة والخبرة، وكمنصة التقاء لأشخاص وأفكار جمع بينها إيمان متفائل بقوة التشارك ضمن هذا المجتمع، حيث تم بحث الأولويات المؤسسية في مواجهة التطور والتوسع/ من خلال منظور مؤسسات متنوعة مثل «التيت» في لندن و«التاون هاوس» في القاهرة.
إضافة إلى بحث نماذج جديدة من ممارسات التقييم من قبل حلقة من الممارسين يعملون مع مجتمعات تشاركية خارج الأطر المؤسسية التي تم إرساؤها، واستراتيجيات ترسيخ التعليم في عمل البيناليات.
وانتهى اللقاء بعروض لثلاثة فنانين وجمعيات وهم ساندي هلال التي تمثل «جمعية دار للتخطيط المعماري والفني» من فلسطين، وفريد راكون من «روانجروبا» في إندونيسيا وريك لوي من هيوستون الأمريكية. يقدم عمل هؤلاء الفنانين مع المجتمعات وداخلها أمثلة محفزة للفكر والممارسات التعاونية.

معارض استعادية

تستمر المؤسسة على الدوام في استضافة معارض استعادية لتجارب فنية بارزة من كل أنحاء العالم، لما تحققه هذه المعارض من فائدة كبرى تتمثل في عرض التجربة الكاملة للفنان وتسمح برؤية التحولات التي حدثت خلال مسيرته، لذا فقد قامت المؤسسة بتقديم جملة من المعارض الاستعادية، بداية مع معرض الفنانة الإيرانية فريدة لاشاي، الذي استعرض تطور ممارساتها منذ أوائل الستينات وحتى القرن الواحد والعشرين، والتي تنعكس على تطور أفكارها وأشكالها التعبيرية في تناغم مع تطور العصر من حولها، وقد ضم المعرض رسوماً زيتية ومنحوتات وأعمالاً تركيبية ولقطات رسوم متحركة ثابتة أنتجت على مدار مسيرة فنية امتدت لأكثر من خمسة عقود، حيث تستند أعمال لاشاي إلى الرموز الفنية والأدبية والسينمائية، فيما تتشابك مع الظروف السياسية والاجتماعية في بلدها.
أما معرض «كبسولة الزمن للسريالية المصرية»، لمحة نادرة عن حياة الفنان المصري – الأميركي كمال يوسف، وعالمه الفني، وهو أحد أبرز السرياليين المصريين في جيله، حيث عُرضت أعماله في ترتيب شبه زمني مع الأخذ بعين الاعتبار الثيمات المتكررة في أعماله الفنية المعقدة، التي اختبر فيها مجموعة متنوعة من الأساليب، والموضوعات، والوسائط التقنية، والتي تعكس تمكنه من المفردات البصرية والممارسات الجمالية للحداثيين في فترة ما قبل وبعد الحرب العالمية الثانية في القرن العشرين، عبر المزج بين التصويرية والتجريدية.

وسلّط معرض «نحو تورية اللون» الضوء على بواكير أعمال الفنان النمساوي أرنولف رينر، حيث عرض لأول مرة مجموعة مختارة تتضمن منحوتات ولوحات وأعمال فيديو ووثائق أرشيفية. وضم أعمالاً مختارة من سلسلتي «اللوحات العمياء»، و«نحو تورية اللون»، إلى جانب المنحوتات والوثائق الأرشيفية والفيديوهات، حيث يستكشف عمل أرنولف رينر الطاقة المفاهيمية والتواصلية للوحة الفنية، فمنذ أواخر حقبة الأربعينات، استخدم رينر هذا الوسيط لسبر الحدود العقلانية والنية الإنسانية. وفي بداية مسيرته المهنية، سعى إلى إعادة تصوّر المادة الداعمة للوحة الفنية وهيئة سطحها المادي.

أما معرض «الوقت يمضي» فضم مجموعة من بواكير الأعمال التي أنتجها الفنان روبرت برير، والتي تتضمن اللوحات الفنية وتجاربه في الرسوم المتحركة، إلى جانب الأعمال التالية التي تشمل المنحوتات الحركية والأعمال الكبيرة
ويعد الفنان روبرت برير (1926-2011) أحد رواد مجال الرسوم المتحركة وأحد مؤسسي الحركة الفنية الطليعية الأمريكية. وهو صانع أفلام تجريبي ورسام ونحات، وقد تطورت أعماله الفنية خلال مسيرته المهنية التي امتدت لأكثر من 50 عاماً، منذ أولى لوحاته الهندسية الكبيرة وحتى الرسوم المتحركة التي قدمها في عدة أشكال، مثل كتب الصور المتحركة، أجهزة الصور المتحركة (الميوتوسكوب) والمنحوتات المتحركة.

السرياليون

تعمل المؤسسة بدأب على الحضور والتفاعل مع كافة التجارب العربية خارج حدود دولة الإمارات، ولذا فإنها تقوم وبشكل دوري بجملة نشاطات خارجية تسعى من خلالها إلى خلق أواصر متينة مع عموم التجارب والاتجاهات العربية والعالمية، لذلك فقد نظمت بالتعاون مع قطاع الفنون التشكيلية في وزارة الثقافة المصرية، والجامعة الأمريكية بالقاهرة، معرضاً متجولاً بعنوان: «حين يصبح الفن حرية: السرياليون المصريون (1938-1965)، ويهدف المعرض إلى عرض أعمال من السريالية المصرية وإرثها العريق في مصر، وإبراز الجوانب المتعددة لتجددها وترابطها العالمي في القرن ال20 في ظل الإطار العالمي للسريالية. وشارك في تقييم هذا المعرض الشيخة حور بنت سلطان القاسمي رئيسة مؤسسة الشارقة للفنون، ومدير قاعة أفق، إيهاب اللبان، والأستاذ المشارك بقسم الفنون البصرية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، نجلاء سمير.

ركز المعرض على تاريخ الجماعات السريالية المصرية والتطور الذي شهدته، وكذلك علاقتها المعقدة مع نظيرها الغربي، وبالتحديد السريالية الفرنسية، مسلطاً الضوء على أثرها الدائم في الساحة الفنية المصرية في الأربعينات وحتى ستينات القرن العشرين وما بعدها.
إن هذا المعرض المهم يؤكد مفهوم الحداثة والطرق العديدة للتعبير عنها بصيغة جمع شاملة لا تقبل الانتقاص، بدلاً من نفي التعبيرات الفنية والأدبية الحديثة خارج الغرب وكأنها ثانوية وبلا أهمية.
كما ركز على ظهور جماعات أخرى تأثرت بجماعة الفن والحرية في الخمسينات والستينات، من ضمنها جماعة الفن المعاصر التي قادها فنانون معروفون كعبد الهادي الجزار، كمال يوسف، حامد ندا، ماهر رائف، منير كنعان، سالم الحبشي، سمير رافع، إبراهيم مسعودة، وحسين يوسف أمين.

بينالي الشارقة

استطاع بينالي الشارقة منذ انطلاقه عام 1993 أن يعكس المنجز الجمالي والفكري في كل مرحلة من المراحل التي قدمها، وأن يستوعب المستجدات في الفنون البصرية ويسهم في تعزيز الوعي الفني وتحريض الطاقات الإبداعية، نحو اختراع أساليب فنية جديدة، محوّلاً هذه التظاهرة إلى حدث فني مهم محلياً وعربياً وعالمياً، بانفتاحه على الحداثة واستقطابه لأهم الإبداعات والتحولات الجمالية والفكرية التي يحفل بها العالم، إلى جانب تجاوزه لمفهوم العروض البصرية السياحية، وإبراز الحدث كحاجة أصيلة، وليس كترف بصري
تأتي الدورة ال13 من بينالي الشارقة للفنون تحت عنوان «تماوج»، وسيتوسع البينالي مكانياً، فتكون الشارقة نقطة ارتكاز ومحوراً لمدن وجغرافيات عدة. إذ تجري الفعاليات وتنعقد في خمس مدن، هي إسطنبول وبيروت وداكار ورام الله والشارقة.
ويسعى بينالي الشارقة ال13 الذي تشرف عليه القيّمة كريستين طعمة، إلى صوغ تساؤلات، وطرح أجوبة حول الأوضاع في عالم الفن وإمكاناته، بمنهجية قائمة على حصد نتاج سياسات التكاتف والتعاون في الأمكنة التي يشتبك معها البينالي، ويتشكل بينالي الشارقة ال13 من خمسة مكونات أساسية هي: مكتبة إلكترونية تحوي مادة بحثيّة خاصة بثيمات البينالي، وأربعة مشروعات يقيمها أربعة محاورين من خارج الشارقة، وبرنامج تعليمي – تثقيفي يمتد لعام كامل في الشارقة، ومنصّة للنشر الإلكتروني على مدار العام، وبرنامج من فصلين: الفصل الأول المبتدئ في الشارقة، يليه فصل ثان في بيروت، ويشتملان على معارض وعروض وندوات وأداءات وأفلام. ويستقطب بينالي الشارقة طيفاً واسعاً من الفنون المعاصرة والبرامج الثقافية، لتفعيل الحراك الفني في المجتمع المحلي في الشارقة.

 

You may also like...