الشارقة.. وجهة صنّاع المعرفة

لا يتوقف مشروع الشارقة الثقافي عن طرح الرؤى الجديدة والمغايرة التي تحوّل الإمارة إلى مركزٍ للفعل الثقافي العربي، سواءً عبر معرض الشارقة الدولي للكتاب، الذي يعد ثالث أكبر معرض للكتاب في العالم، أو من خلال المعارض والمهرجانات الدولية التي تمتد لتحتفي بأشكال الإبداع كلها؛ بما في ذلك السرد، والشعر، والمسرح، والموسيقى، والتراث، والفنون، والخط، وغيرها.

لذلك ليس غريباً أن تسعى الشارقة لتكون وجهة العاملين في صناعة الكتاب، بدءاً من الكاتب، والناشر، والموزع، والمسوّق. فما أن أطلقت «مدينة الشارقة للنشر»، أول منطقة حرة للنشر في العالم خلال حفل الإعلان عن هيئة الشارقة للكتاب في عام 2015، حتى تحولت أنظار الناشرين إليها، وبات الكُتّاب ينتظرون ما ستحدثه المدينة من أثر في الثقافة العربية.
لا يمكن الحديث عن «مدينة الشارقة للنشر» من دون الحديث عن الجهود المتراكمة التي أوصلت الشارقة إلى هذا المشروع، فالمتابع لمجمل العلاقات التي أسس لها مشروع الشارقة الثقافي بقيادة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، يجد أنها كانت تؤسس لمثل هذا الحجم من المشاريع، إذ توسعت مشاركات الدول في معرض الكتاب، وتنامى عدد المهرجانات الدولية، وازداد عدد دور النشر، وتأسست جمعية الناشرين الإماراتيين، وأنشئت هيئة الشارقة للكتاب، وطُرحت الكثير من المبادرات التي تعنى بنشر الكتاب، وتشييد مكتبة في كل بيت إماراتي في إمارة الشارقة من خلال مشروع ثقافة بلا حدود، ودعم الكتاب الإماراتي والناشرين الإماراتيين عبر مبادرة نوعية عبر مبادرة 1001.

إلى جانب ذلك، كانت الجهود الرسمية تبني علاقات مع مختلف معارض الكتب الدولية الكبرى، وكانت تقدم المشروع الثقافي للشارقة بوصفه تجربة رائدة في المنطقة العربية والشرق الأوسط، التي تكرس جهدها كاملاً لتكوين مجتمعات ذات أساسات ثقافية متينة، والعمل على الوصول بالإبداع العربي ليكون الخطاب الحضاري الذي تحاور فيه مختلف حضارات العالم.
لهذا كله يمكن القول إن إنشاء منطقة حرة للنشر، والعمل على تعميق جودة معرض الشارقة الدولي للكتاب وزيادة حجمه، ومختلف المبادرات ذات العلاقة بالكتاب، كانت تضع هدفاً مركزياً أمامها، يتمثل في تحويل الشارقة إلى وجهة للعاملين بصناعة الكتاب، والمعنيين بإنتاج المعرفة.

تظهر هذه الأهداف أكثر وضوحاً في «مدينة الشارقة للنشر»، التي ستوفر لجميع العاملين في حقل صناعة الكتاب والنشر، الفرصة للاستفادة من حزمة واسعة من الامتيازات، والتي ستدعم قطاع النشر، وترتقي به إلى مستويات أعلى، فيجد صنّاع الكتاب كل ما يلزمهم من تسهيلات الطباعة، والشحن، وعقود التوزيع، وغيرها من الخدمات.

إلى جانب هذا المشروع الضخم الذي يلخص رؤية الشارقة الثقافية التي تقودها توجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، تنكشف مشاريع لا تقل ريادة عن مدينة للنشر، إذ تعتزم الشارقة إنشاء إدارة خاصة بالبحوث والدراسات تدعم صناعة النشر العربية.

تأتي كل هذه المبادرات والمشاريع بالتزامن مع العمل المتواصل على البنية التحتية القادرة على استيعاب حجم المشاريع المطروحة، فالمتابع لحركة المؤسسات الثقافية، يجد أنه أمام حالة نمو متسارع، كان الشاهد الأبرز عليها المدة الزمنية التي احتاجها مسرح المجاز ذو النمط المعماري الروماني، وكذلك حال جزيرة العلم المهيّأة لاستقبال الفعاليات الثقافية، والمكتبات العامة المنتشرة في الإمارة والتي شيدت فيها أول مكتبة عام 1925، والمراكز الثقافية التي توسع حضورها من قلب المدينة إلى المناطق الشرقية للإمارة، لتشمل مليحة، والذيد، وخورفكان، وكلباء، وغيرها.
لذلك يبدو تحوّل الشارقة إلى وجهة، ومركز لكل المعنيين بالكتاب بصورة خاصة، والفعل الثقافي بصورة عامة، نتيجةً لجهود كبيرة يمتد العمل عليها إلى سنوات طويلة ماضية، وإلى خطط واستراتيجيات واضحة، تقود الإمارة لتصبح قِبلة المثقفين من مختلف بلدان العالم.

أحمد بن ركاض العامري
رئيس هيئة الشارقة للكتاب

 

قد يعجبك ايضا ...