العلم سلاح اليابان في معركة النهضة

%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85-%d8%b3%d9%84%d8%a7%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%a8%d8%a7%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%83%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%a9

القاهرة: «الخليج»

الثقافة جاءت في الأصل من العلم والتعلم والمهارة في الفهم والإدراك وقد اجتمعت في الشخصية اليابانية كل هذه المعاني، فالشعب الياباني شعب فضولي، يعشق المعرفة منذ القدم ويضعها في أوج اهتماماته الحياتية، وقد يكون هذا ما جعل من اليابانيين أمة رائدة في مجالات البحث العلمي واستكشاف التاريخ والبحث عن كل جديد، ما يجعل منهم أمة جديرة بالاحترام والثقة، فهم شعب لا يتوانى عن معرفة كل جديد عن الشعوب الأخرى، مهما كانت متأخرة عنهم لأنهم يؤمنون بحتمية التاريخ، عكس الغرب الذي يؤمن بحتمية الحاضر، وإطلاق القدرة الإنسانية دون اعتبار للماضي مهما كانت أسراره الباهرة.
يشير كتاب «تاريخ الثقافة اليابانية» لمؤلفه «إييناغا سابورو» إلى أنه نظراً لإحساس اليابانيين بضآلة تاريخهم، بالمقارنة بحضارات أخرى قريبة أو بعيدة، فقد دأبوا على البحث عن أسرار هذه الحضارات من حيث البعد الإنساني والعلمي، فوجدوا أن سر هذه الحضارات يرجع إلى الاهتمام بالعلم من ناحية، والبعد عن الصراعات من ناحية أخرى، لكن كان هناك شك يساورهم دائما حول العنصر الإنساني الذي أنتج هذه الحضارة، ما دفعهم إلى البحث والسعي لاستكشاف هذه النظرية التي روج لها الأوروبيون منذ العصر الحديث حول سيادة الجنس الأوروبي ودونية ما عداهم من أجناس أخرى، لكن اليابانيين لم يكونوا ليقتنعوا بهذه الدعاية العنصرية الساذجة بدليل وجود حضارات أخرى غير أوروبية لا تزال آثارها قائمة إلى اليوم، ولا تزال محل بحث ودراسة، ولمتستكشف كل أسرارها حتى الآن، لقد اندفع اليابانيون ليجدوا ضالتهم المنشودة لفهم سر التاريخ ونشأته، وليؤسسوا نظريتهم في الحضارة والتقدم.
لقد آمن اليابانيون بالعلم والمعرفة كما يوضح الكتاب وبالتالي تطورت حياتهم في كل عصر، لتناسب احتياجاتهم الوقتية وتؤمن مستقبلهم المجهول، وبداية فإن إيمان اليابانيين بحتمية التاريخ وطلاقة القدرة الإنسانية جعلتهم لا يدخرون وسعاً في البحث عن هويتهم الثقافية والإنسانية والبيولوجية أيضاً، متمسكين بسلاح العلم التقني التجريبي الذي جعل من الوصول إلى الحقيقة أمراً مؤكداً، ولم يستعينوا إلا بسلاح التجربة العلمية وإن كانت تجارب التاريخ تؤكد استعانة اليابانيين بالخبرات الأجنبية أحياناً للحصول على خبراتهم، وقد وجدنا ذلك في مذكرات الكهان الذين أوفدوا إلى الهند والصين قديما، كذلك الحال في رحلة رواد الفكر والسياسة اليابانيين إلى أوروبا لاستكشاف العالم في القرن الثامن عشر.

يشير الكتاب إلى أن الأمة اليابانية لا تجد في الجدل قيمة أو مضموناً، لأنها تستحي من خدش حياء الآخرين وبالتالي خدش مشاعرهم وتعكير صفو علاقتهم القومية، إن من لا يفهم حركة العلاقات الجماعية عند اليابانيين لا يمكن أن يفسر سر تقاعس اليابانيين عن مناقشة ومجادلة بعضهم بعضاً، أو سر رفضهم الدخول في جولات سفسطائية عن مفاهيم وقضايا شائكة حول الوجود والكون والإله، ولو أن هذه الأمة آمنت بالبحث عن تلك الحقائق أو استشعرت الخطر من عدم وجود معرفة ضرورية لما توانت عن البحث في تلك الموضوعات، بل الأجدر بالأهمية عندهم هو البقاء على الود والسلام الاجتماعي دون المناظرة بقيمة هذه العلاقات تحت ضغط فضيلة الخجل.
لقد أثبتت الدراسات أن الشعب الياباني من أكثر الشعوب في العالم حباً للادخار وبعداً عن البذخ، وإن كانت السنوات الأخيرة شهدت تحولاً في تفكير اليابانيين واتجاههم نحو السفر حول العالم نتيجة وفرة السيولة المادية، ورغبة منهم في رؤية العالم البعيد عنهم.

قد يعجبك ايضا ...