الفكر العربي.. اللاحسم هو الأصل

%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%83%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%b3%d9%85-%d9%87%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b5%d9%84

محمد إسماعيل زاهر

«لقد ظلت الشخصية العربية المعاصرة تعاني تمزقها الفعلي الفاجع بين الأضداد والنقائض بوعي فوقي توفيقي متفائل مخادع»، عبارة تقرؤها في الفصل الختامي من كتاب «الفكر العربي وصراع الأضداد» لمحمد جابر الأنصاري، يستوقفك التوصيف الإشكالي «الوعي الفوقي المتفائل المخادع» في مسألة الثنائيات، لتسأل هل هو يعبر عن حالة من الجدل الدائري المثقفن الذي شهدته مئات النصوص العربية الباحثة في مسألة النهضة في الثقافة العربية؟، أو بمعنى آخر هل هذا الجدل نخبوي دائم، أم واقعي معيش دائم أيضاً؟، هل يتعلق بالنخبة أم بالجمهور؟، بمعنى ثالث هل الثبات في تلك النصوص أم في الواقع أم في الشخصية العربية ذاتها؟.

إن السؤال السابق يكتسب وجاهته من تلك الكتابات الفكرية العربية التي ميزت العقود الأخيرة من القرن العشرين، حيث ندر أن تعثر على مفكر عربي واحد لم ينخرط في بحث مسألة الثنائيات الثقافية، المؤبدة، التي لا تعرف بعد أن تنتهي من قراءة تلك الكتابات هل هذه الثنائيات نتاج هذه النصوص، أن صناعة مجتمع عبرت تلك النصوص عن همومه وتطلعاته؟، ولماذا انتهى بها الحال إلى رسم ملامح لشخصية عربية عاجزة عن الفعل والتأثير؟، وما الحدود بين النص والواقع، بين المكتوب والمجتمع الذي يعكس تحولاته؟. إن وصف الوعي الثقافي بالفوقية والخداع، يحتاج إلى عدة قراءات أخرى، خاصة وأن الكثير من المفكرين العرب انطلقوا من تحليلهم للثنائية من واقع مجتمعاتنا، فنحن نفكر ونرى العالم بذهنية القدماء ونسعى فيه ونتعامل معه وفق الرؤى الغربية، نتخيل العالم وفق رؤية الفارابي وابن سينا ونركب أحدث سيارة ونستخدم أحدث حاسب آلي ولا نعرف الأفكار العلمية الكامنة وراء كل اختراع، وهو نموذج شائع في كتابات توصيف «اللاحسم» أو تشخيص العلة، يهدف إلى تصوير حالة الفصام العربية بين فكر لا يصلح للعصر وموروث لا حيلة لنا فيه، ومنتج وافد لا نملك مفاتيحه أو أدواته.

في الجدل النظري البحت يبدو كل شيء صواباً، فالفكر العربي المعاصر شهد دورات من النهضة والسقوط بصورة تكرارية، مقولة أساسية لغالي شكري، وهو فكر لا يستطيع الفكاك من حالة المراوحة الأبدية التي يعيشها، محمد عابد الجابري، وبالنسبة للأنصاري يشخص كتابه «حالة اللاحسم في الحياة العربية والاحتواء التوفيقي للجدليات المحظورة»، وهناك عشرات الأطروحات الشبيهة، وعشرات الأطروحات الأخرى التي ذهبت تبحث عن تبرير حالة المراوحة الثقافية أو التوفيقية بين الموروث والوافد، وهناك قاموس لغوي كامل انتجته هذه الكتابات يعبر عن أطراف التوفيقية/ الثنائية/ المراوحة/ النهضة /السقوط، والأهم أن كل هذه الأفكار قيلت في سياق مشروعات بحثية قضى أصحابها سنوات في الدراسة وقراءة نصوص الأنا والآخر، والأكثر أهمية ان الجميع ادعى أن سيقدم رؤية لنهضة الأمة، وانتهى الحال بشخصية عربية، وفق هذه الكتابات، مترددة، نكوصية، عاجزة عن الفعل، لا تعرف كيف تنهض، وربما لا تستوعب فعل النهضة نفسه، أو لا تريده، أو تفعل كل ما يؤدي إلى التراجع، ولم يكن حال النصوص بأفضل من ملامح الشخصية التي بحثتها، فهذه النصوص في النهاية كانت أيضا مترددة، نكوصية..الخ، أي أن حالة اللاحسم أصبحت عامة تشمل النص والمتلقي المفترض.

هو الجدل النظري البحت المدعوم بمراجع وأبحاث ومناهج وأدوات وآلاف النصوص المستشهد بها، جدل يضع الأطروحة ويقع في أسرها ولا يستطيع الفكاك منها، هو يؤبدها ويتصور أنه يبحث عن منفذ للخروج من ذلك النفق الطويل المسمى بالسقوط أو التراجع أو التخلف. هل نقول إن هذا الجدل النخبوي وبمصطلحات الثنائية نفسها ظل يراوح بين نصوص شرعنت في أقصى تجلياتها تفاؤلا لتلك المراوحة بين الموروث والوافد أو الأنا والآخر. وفي أقصى تطرفاتها، وانتقامها اللاوعي من مجتمع لا يتغير بالنصوص، ذهبت ترسم صورة لا تختلف كثيرا عن الاستشراق في تعاطيه مع الشخصية العربية، هل نقول إن البعض من مفكرينا ذهب إلى الثقافة بل إلى عمق وركائز هذه الثقافة، ليبحث عن أسس روحية لتلك الثنائية، وراح يحلل التاريخ والتراث والموروث والوافد وبعد أن يئس من الإصلاح وصف الشخصية العربية مرة بعاهة التخلف، ومرة بعاهة الثبات، وثالثة بعاهة الاستعمار المؤبد، ورابعة بالاستبداد الذي تحول إلى حالة وجودية لا فكاك منها، وخامسة ببنية اجتماعية عصية على الإصلاح.

نسي الجميع أن التفاؤل شرط النهضة الأساسي، ونسي الجميع أن المفكر لا بد أن ينتج رؤية مستقبلية منفتحة متحولة باستمرار، حتى ولو على الورق.. طالما ندور جميعاً في أفق النصوص، ونسي الجميع وعودهم التي تطالعك في مفتتح هذه الكتب بكتابة مشروع ينقذ الأمة من عثراتها.

هذا الكلام ضروري ونحن نقرأ أهم كتاب بحث موضوع الشخصية العربية، أسيرة الثنائيات، العاجزة عن الحسم. كتاب الأنصاري في الأصل رسالة دكتوراه ناقشها في عام 1979، ويقع في 650 صفحة من القطع المتوسط، ويعتمد فيه على مئات المراجع، والدوريات والصحف، والأهم في الكتاب تلك المتعة الفكرية التي تنتابك وأنت تتجول بين كل تيارات الفكر العربي المعاصر، وباطمئنان يمكن القول إن الأنصاري لم يترك علما أو تيارا فكريا أو معركة أدبية أو رواية أو نصا سياسيا أو صحفيا لافتا يخدم فكرته.. إلا ويشير إليه، بحيث يتحول الكتاب إلى موسوعة بإمكانك أن تضعها بجانبك عند الرغبة في مراجعة أفكار هذا العلم أو ذلك التيار، وأيضا هناك سلاسة في الوصف والتحليل، وتصاعد في ترتيب الفصول وفق الفكرة التي يريد الأنصاري البرهنة عليها، بحيث يذكرك الكتاب أنك امام مفكر سارد أو مفكر روائي أو كاتب نهضوي موسوعي.

تعود أهمية كتاب الأنصاري إلى اعتماده على أكثر من منهج أو أداة أو مدخل لتأبيد الثنائية في الحياة العربية، فأنت إذا بحثت في الأسباب الاقتصادية والاجتماعية المسببة لمجتمع مراوح دائماً حول أفكاره ومشاكله، ستجده يمتلك الحس اليساري أو الماركسي الواضح، وإذا انطلقت من منظور حضاري ستعثر على عوامل مطولة متعلقة بالنهضتين الأوروبية والعربية وجذور المواجهة بين الأنا والآخر، وإذا كنت من هواة ربط الفكر بالبيئة الجغرافية المعبر عنها ستعثر على مفكر يضع هذه المسألة على رأس أولوياته، وإذا كنت من هواة البنيوية، سيواجهك الأنصاري بتحليلات مستفيضة تركز على الثنائية وتحولاتها من الداخل.

التوفيقية في كتاب الأنصاري رؤية للعالم تبدأ من الدين الحنيف وتنتهي بالناصرية، التوفيقية كانت منطلقا للإسلام للجمع بين النزعات المادية والاتجاهات المغرقة في الروحانية السائدة قبله لسعادة الإنسان، لقد نظّر معظم فقهاء وفلاسفة ومفكري الإسلام إلى هذه الفكرة، هي فكرة الإسلام الأساسية كما يؤكد الأنصاري مدعومة بأبعاد الجغرافية، المنطقة المتوسطة، وحقائق التاريخ، حيث استوعب الإسلام حضاريا جميع التوجهات والطوائف والأقليات، بمرونة تحت مظلته الجامعة.

وجاءت كل مشروعات النهضة الحديثة منذ محمد علي لتتأسس على ضرورة التوفيق بين الأنا والآخر، وحتى الناصرية فقد قامت على فكرة ضرورة استيعاب انشطار المجتمع نفسه بين اليمين واليسار، بين الإخوان والعلمانيين في الشق الثقافي، والليبراليين والماركسيين في الجانب السياسي، والأنا والآخر في المسألة الحضارية، هو مزيج كما يشرحه الأنصاري وأنت تلهث وراءه لا بد أن يثير فيك الإعجاب خاصة وهو يمتد من الماضي إلى العصر الحديث، مع وقفات تاريخية مطولة هنا وهناك، ولكن وصفه باللاحسم ومنذ الغلاف ثم نقده باستفاضة في الفصل الأخير، فضلاً عن نقد عشرات المثقفين له، لا بد أن يدفعك للسؤال عن تلك المفارقة: تثبيت نموذج حضاري مدهش واستخدام كافة الحجج والبراهين المؤكدة لامتداده في الروح والرؤية والسلوك، ثم نقده بعنف.

ولنستمع إلى صوت الأنصاري وهو يدفع بأسباب ذلك النقد أو النقض أو كما أسماه في ختام الكتاب بضرورة أن «ننظر نظرة نقدية في تأثير النزعة التوفيقية على طبيعة الهوية العربية المعاصرة»، يقول: «في ضوء النسيج التوفيقي للشخصية العربية المعاصرة، ماذا يبقى منها هي وحدها في تحليلها النهائي من خصوصية صميمة وتميز فريد؟…ماذا ينسب بأصالة إلى العرب المعاصرين، وحدهم، في زمانهم ومكانهم المتعينين، من شخصية حضارية متميزة، ووجهة تاريخية خاصة، وإبداع ذاتي وتفرد أصيل»، العرب وفق تقسيم الأنصاري «إما ماضويون واقعون تحت وطأة التراث أو علمانيون واقعون تحت تأثير الغرب، أو توفيقيون – في الأغلب- يحاولون إقامة التوازن الضائع، شبه المستحيل بين الغرب والتراث»، وفي كل الحالات يعيشون حالة اغتراب في الزمان والمكان، ثم يتم نقض تلك الحالة بمقولات تعبر عن الغضب والرفض «أين صوته هو، يقصد العربي، لا صوت الماضي البعيد، ولا صوت الغرب الأجنبي، ولا الصوت المركب من الصوتين؟، أين إرادته هو؟ لا الإرادة المحكومة برفض طرف لصالح آخر، ولا الإرادة المشلولة بالتأرجح بين الحدين؟»، والنتيجة أو نتيجة التوفيقية أو الثنائية أو المراوحة أو الفصام وفق الأنصاري: «كانت الصيغ التوفيقية المتتالية تنعقد وتنحل لتخلف وراءها سلسلة من التجارب المجهضة أو المبتورة التي لم تصل في مجموعها إلى ما يشبه النهضة الحقيقية الشاملة؟»
لا يطرح الأنصاري أي بديل سوى في آخر فقرات كتابه، فبعد أن ينزع العربي تراثه، وافتتانه بالغرب للخروج من تلك الدائرة المفرغة لكي يعيش واقعه هو عليه ان يبدأ الإبداع من نقطة الصفر: «يصعب القول ماذا يبقى من العربي في ذاته إذا نزع عنه هاتين القوتين، التراث والعصر، ولكن خير له أن ينتبه إلى هذا الخواء الذاتي، ويكشف عنه، ويملؤه بإبداع أصيل من أن يظل في الحلقة المفرغة تتجاذبه القوتان النقيضتان إلى ما لا نهاية؟». وهناك أمنية طيبة أن يقوم العربي بإعادة اكتشاف تراثه ومفاتيح عصره من منطلق مغاير وبصورة تجعله فاعلاً في العالم.
يثير كتاب الأنصاري إشكاليات عدة وأسئلة لا نهاية لها، والكتاب كعشرات غيره تحدثت في هذه المسألة نتاج هزيمة 1967، تلك الفاجعة الكابوسية التي جعلت المفكرين العرب مثل الأرواح المضطربة على حد وصف ألبرت حوراني، فبعد أن كان الفكر العربي يمارس توفيقه بروح متفائلة منذ محمد علي، روح تكتشف أفضل ما في الذات وتتطلع إلى التعلم من الآخر، ثم بروح نضالية تمزج بين الطرفين وتحارب من أجل الاستقلال، ثم روح أدركت موقعها في العالم، وسعت لتكون فاعلة فيه خلال الحقبة القومية، جاءت الهزيمة لتصيب هذه الروح الوثابة بانتكاسة ربما لا مثيل لها في تجارب الشعوب الأخرى، من هنا عشرات الأعمال التي نقضت التراث، ورأت القدرة على المزج بين الثقافات وهضمها نقمة لا ميزة، كانت تنتقد موقعها وتراثها وهي في الأصل تنتقد واقعها هي وعجزها هي عن الفعل وتغيير هذا الواقع، لم تكن الهزيمة نتيجة لسوء تخطيط أو عدم كفاية في الاستعداد أو حتى في فشل التجربة والمرحلة، كانت هزيمة للروح تمتد في التاريخ والتراث وإنسان هذه الأرض، غير القادر على الحسم، الفاشل دائما، المتخلف أبدا، ومع توالي الهزائم تضخم النقض، واقتربت بعض الأعمال بل تماهت مع الرؤية الاستشراقية في توصيف حالة وشخصية وتاريخ العربي، ومع نهيار الأفكار الكبرى ووصول هذه الأعمال إلى طريق مسدود، إذ لم تقدم البديل، سكت العرب عن التفكير.
لماذا كانت الهزيمة الفكرية أثقل من العسكرية والسياسية؟، وماذا نفعل في عصر فرض علينا فيه التراث والوافد معاً؟، وكيف يمكن الاستفادة من إيجابيات التوفيقية وتحويلها إلى طرفي معادلة صحية للنهوض الفعلي؟، ولماذا هذا الخيار المر، أما.. أو وخاصة أن هناك تجارب أخرى حولت هذا التوفيق إلى قوة بناءة خرجت من المراوحة وتخلصت من الفصام؟، ولماذا صمتنا عن التفكير ونحن في أمسّ الحاجة إليه؟، وعلى الجميع الإجابة عن السؤال الذي افتتحنا به هل الثبات فعلاً في مجتمعاتنا أم في تلك النخبة المنتجة لتلك النصوص؟، وكيف يرى الأنصارى نفسه كتابه بعد ما يقرب من ثلاثة عقود على صدوره؟، وهل يتضخم النقض في واقع تحول من الهزيمة والنكبة والنكسة إلى التشرذم والتفكك والتشظي؟، هنا وبمنطق تلك الكتابات فنحن خرجنا من المراوحة إلى حالة من التراجع المطرد، حالة أطلق عليها فوزي منصور يوماً «خروج العرب من التاريخ».

 

You may also like...