الفنون غذاء البصر

بيتر بروغل.. فنان الريف البلجيكي
%d8%a8%d9%8a%d8%aa%d8%b1-%d8%a8%d8%b1%d9%88%d8%ba%d9%84-%d9%81%d9%86%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%8a%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%84%d8%ac%d9%8a%d9%83%d9%8a
الشارقة: غيث خوري

يعتبر الفنان الفلمنكي الكبير بيتر بروغل (1525- 1569) من ألمع العبقريات، التي عرفها فن التصوير في القرن السادس عشر، وقد حمل أسلوبه الخاص وألوانه الدافئة وصور الحياة الريفية معالم تفرده وألمعيته الفنية.

ولد بروغل في قرية قريبة من مدينة «بريدا» تدعى «بروغل»، وقد بدأ حياته الفنية في وقت مبكر، فلم يكد يبلغ الخامسة عشرة من عمره، حتى ذهب إلى مدينة «أنفرس» لكي يتعلم التصوير، على يدي الفنان «بيير كوك»، وكانت هذه المدينة مشهورة بازدهار الحركة الفنية في ذلك العصر، حيث تلقى بروغل دروساً ثمينة عن أستاذه ودرس أعمال الفنانين الكبار، الأمر الذي أغراه بالذهاب إلى إيطاليا، حيث كان فنانو عصر النهضة في أوج تألقهم الفني.

بعد وفاة «كوك» ورث بروغل مرسمه، ثم قام بجولة في أنحاء إيطاليا وصقلية، فترك ذلك أثراً كبيراً في أسلوبه الفني، وعلى الرغم من تأثير اللوحات التي رآها وعظمتها، فإنه حافظ على طابعه الفلمنكي الخاص، إذ كان حريصاً على تصوير المشاهد المحلية ولاسيما المناظر الريفية وحياة الفلاحين، وهنا تمرد بروغل على قواعد ومسارات الفن النهضوي، عبر موضوعاته التي أصر على رسمها وصدقيتها فأنتج أعمالاً جديدة في ذلك الزمن، دون أن ين يكون مدركاً لهذه الحقيقة، فكل ما كان يحاول فعله هو الاقتراب من حياة الريف ومعاناة الفلاحين ويومياتهم، أي أن يكون صادقاً في التعبير بعيداً عن اتجاهات فناني عصر النهضة.
بعد عودته إلى «أنفرس» رسم عدة لوحات كبيرة، سجل فيها تغيرات البيئة التي كان يعيش فيها خلال تغير الفصول، وما يطرأ على حياة الريف من تبدلات، وقد كان شيء من الكآبة يطبع لوحاته، ولا سيما مظاهر الحياة البشرية في هذه اللوحات، يقول مؤرخ الفن «ريمون كونيات»: «في لوحات بروغل يبدو الفلاحون بثيابهم السوداء الكئيبة، وخطواتهم البطيئة، وقد حملوا حاجياتهم على ظهورهم المحنية، يبدون وكأنهم يحملون هماً دفيناً ولد معهم، وكثيراً ما تزيد الثلوج المتراكمة على المروج والطرقات، من إيحاء هذا الطابع الحزين.. إن لوحته «الشتاء» التي يحتفظ بها المتحف الملكي في بروكسل، تمثل كل شخصيته، وفيها تضفي الشمس الغاربة بلونها الأحمر الأرجواني، ظلاً حزيناً على المشهد بأسره».
معظم لوحات بروغل تأخذ هذا الجو الريفي، صيادون على الثلج، الحصاد، رقصة الفلاحين وغيرها. غير أن أروع آثاره تتمثل في لوحته الإنسانية المشهورة «قافلة العميان» وقد رسمها في وقت متأخر من حياته، واحتفظ فيها بجو الريف الشتائي، وهي تمثل عدداً من العميان، يحملون عكازاتهم، يستند بعضهم إلى بعض، على ممر ثلجي، معتمدين في ذلك على أول شخص في القافلة، وهو أعمى مثلهم. ولكنه يوشك أن يهوي في حفرة، لقد استطاع بروغل أن يوحي في هذا المشهد المثير، بصورة الشقاء الإنساني الذي يرتسم على وجوه العميان الحائرة، وهم يتوقعون كارثة مقبلة دون أن يتبينوا حقيقة ما قدر عليهم من مصير، وقد استلهم الكاتب والشاعر إريش لوتس الذي فقد بصره في الحرب العالمية الأولى من هذه اللوحة ليكتب قصيدته التي يقول فيها:

الجرس يجلجل في أرجاء البيت/‏ والرعب يرج فؤاد الليل الساكن/‏ وعلى مضض يجفو النوم جفوني/‏ في الحلم رأيت الصورة/‏ آخر صور الرسام بروجيل/‏ نحو الموت الداهم تتعثر أقدام رجال ستة/‏ الكريات بتجويف الأعين جوفاء بغير بريق/‏ وشعاع الحي كذلك مطفأ/‏ والكل تشبث بقضيب وتحسس وجهة دربه/‏ سقطوا في قبضة قدر أعمى/‏ واندفعوا في الليل الأعمى.
بقيت أسطورة «إيكاروس» الإغريقية تفتن الفنانين والكتاب، وقد صور بروغل في لوحته «سقوط إيكاروس» هذه الأسطورة التي تحكي قصة ديدالوس وابنه إيكاروس اللذين سجنا في جزيرة كريت، ولكي يتمكنا من الهرب، صنع ديدالوس جناحين لكل منهما من الريش وألصقهما بالشمع، ثم حذر ابنه إيكاروس من الطيران قريباً من الشمس، إلا أن الفتى الأحمق لم يستمع لتحذير والده فذاب الشمع وسقط إيكاروس في البحر وغرق، وصار يضرب المثل بهذه الأسطورة في ذلك الوقت على الحماقة والطموح، قدم بروغل هذه العبرة بأسلوب مبتكر، فبالرغم من أن طيران إيكاروس كان خارقاً، إلا أنه بالكاد أثر على مسار الأمور الإنسانية المعتادة: فالفلاح والراعي مستمران في شؤونهما اليومية، والسفينة مستمرة في إبحارها، وكل شيء يجري كما هو دون أن يلاحظ أحد سقوط الفتى.
أنتج بروغل مجموعة من اللوحات البانورامية العامة التي رصد من خلالها مواضيع مختلفة، منها لوحة «لعب الأطفال» التي سجل فيها ألعاب الأطفال في ذاك الوقت على ضفة النهر، وفي طرقات المدينة من تسلق الأشجار، ولبس الأقنعة، تخطي الأرجل دون السقوط، إلقاء الكرات، العرائس، الطبل والزمر، ركوب العصي كحصان، التأرجح بين الأذرع، الألعاب الأكروباتية، القفز على الظهور، ركوب البراميل، دفع الإطارات، التوازن في حمل العصي على الأصابع، امتطاء المكانس كالساحرات.
أما لوحته «انتصار الموت» فتقف بين أهم أعماله البانورامية على الإطلاق، وهي من أكثر اللوحات قوة وسوداوية عبر الأزمنة، فلم يشهد الفن الأوروبي مثيلاً لهذا الجحيم الذي صوره بروغل، إلى أن رسم غويا لوحاته الكابوسية مطلع القرن التاسع عشر.
اللوحة تصور جيشاً من الهياكل العظمية التي تعيث فساداً ودماراً في مشهد أسود موحش، النار تشتعل في الأفق، وحطام السفن قد تناثر في البحر.. نرى جحافل الهياكل العظمية تتقدم نحو الأحياء، الذين إما هربوا مذعورين، وإما حاول بعضهم عبثاً المواجهة والقتال.
في أسفل الجهة اليسرى نرى الهياكل العظمية وهي تقود عربة من الجماجم، أما أعلى الجهة نفسها فنرى هياكل أخرى تدق الجرس معلنة عن الخراب والموت القادم نحو البشر.
نرى كلباً جائعاً هزيلاً يقضم وجه طفل رضيع ساقط على الأرض بين يدي أمه، وبالقرب من مركز اللوحة تجمع الناس فيما يشبه الأفخاخ، وقد اعتلى أحد الهياكل العظمية صهوة الحصان ليقتل الناس بضربات من منجل طويل النصل.. في اللوحة نرى الناس من كل الطبقات الاجتماعية، الفلاحين والجنود، النبلاء والكاردينالات والملك، كلهم يحصدهم الموت من دون تمييز.
لكن مقابل هذه السوداوية في تصوير انتصار الموت، يتجلى انتصار الحياة في اللوحات التي تصور عمل الفلاحين في الأرض، والغفوات السعيدة للحصادين بعد التعب، ومتعة تناول وجبات الطعام بنهم بعد الجوع. أما الأعراس والاحتفالات الراقصة، فهي المعادل الفَرِح للحياة التي تقابل الموت وتتحداه، وهذا يبدو جلياً في لوحتي «مأدبة العرس»، و«رقصة الفلاحين»، المرسومتين بألوان زاهية وبتكوينات دائرية مفعمة بالحيوية، التي تظهر ميل بروغل نحو تصوير الحياة الواقعية والمعاشة للناس.
ولبروغل أيضاً سلسلة من الأعمال تصور الشهور وسلسلة أخرى تمثل الفصول تحتوي على لوحات مثل «الصيادون في الثلج» و«الحصاد» و«الذبول»، إضافة إلى «عودة القطعان» و«اليوم القاتم»، وهي تظهر عبقريته في تصويره المناظر الطبيعية، وبراعته في نقل التفاصيل وفي تصوير المساحات الشاسعة والمناظر البانورامية التي لم تكن مألوفة في عصره.
لم يعش بروغل حياة مديدة، وتوفي في الرابعة والأربعين من العمر، وقد ترك ولدين، حملا هذا الاسم في تاريخ الفن، وكانا من كبار الرسامين في ذاك العصر، وهما بروغل الابن، الذي ترك عدداً من اللوحات تعدّ تتمة لأسلوب أبيه، وتتناول نفس المواضيع الريفية، أما الابن الثاني فهو جان بروغل، الذي يقتني متحف اللوفر لوحة مشهورة له، بعنوان «معركة آبيا».

قد يعجبك ايضا ...