القراءة.. ثقافة حياة

القاهرة: «الخليج»

تعد مبادرة «عام 2016.. عام القراءة» تتويجاً لمجموعة كبيرة من المبادرات الثقافية والفكرية التي تبنتها دولة الإمارات العربية المتحدة تشجيعاً للعلم والمعرفة، وتأكيداً على الدور التنويري الذي تقوم به في المنطقة، وتأتي المبادرة لتسهم في بناء عقل جديد قائم على احترام الآخر والحوار الثقافي، وتعزيز مهارات القراءة والإبداع عند الجيل الجديد.

يؤكد الكاتب المسرحي محمد أبوالعلا السلاموني أهمية المبادرة قائلاً: هذه إحدى المبادرات الجيدة التي تضرب مثالاً يحتذى به في السعي نحو المعرفة ونشرها، مع تسهيل الطرق للقارئ من خلال توفير الكتب التي يحتاجها في كافة جوانب المعرفة الإنسانية، وتأتي أهمية المبادرة من كونها ترمي إلى تثقيف شعب الإمارات، وهذا له نتائج جيدة في المستقبل القريب، فالقيادة السياسية هناك تعطي للثقافة وللفكر الجاد أهمية كبرى، هي في الأساس تكوين جيل مسلح بالعلم والمعرفة، وكل فترة تخرج لنا مبادرة جادة تسعى للإصلاح والتغيير والتفكير والتنوير من خلال رؤية ثاقبة.
وتأتي هذه المبادرة – الكلام لأبي العلا السلاموني – لتؤكد عمق فهم الساسة الكبار في الإمارات لدور الثقافة في الحياة، فهم دائماً يطلقون شرارة البداية، من خلال توفير المعرفة المقروءة والمسموعة والمرئية، مع استخدام أحدث التقنيات، كل ذلك لمصلحة المواطن، الذي يجد نفسه أمام متعة حقيقية هي متعة القراءة، متحققة بالمجان، وفي كل مكان، وهذه التجربة مثال جيد على وعي القيادة السياسية هناك بأهمية «العقل» والتجديد في الخطاب الثقافي.

ويقول السلاموني: بالإضافة إلى إنشاء المؤسسات الثقافية الكبرى المنتشرة في ربوع الإمارات، في دبي وأبو ظبي والشارقة على سبيل المثال، وكذلك كثرة عدد المهرجانات الثقافية ومعارض الكتب، هناك نظرة مستقبلية تظهر ملامحها من خلال مثل هذه المبادرات التي تهدف إلى الارتقاء بالإنسان، والدفع به نحو التقدم، وهذا لا يأتي من فراغ، بل عبر استراتيجية فكرية وإبداعية قائمة على التخطيط السليم والدراسة الواعية لحاجات المجتمع، من أجل نهضة حقيقية، تقود المواطن نحو مستقبل أكثر ازدهاراً.

أجيال واعية

يرى د. شاكر عبدالحميد أن المبادرة في حد ذاتها تدل على تقدير السلطة الإماراتية للثقافة والمعرفة، فبعد إنشاء عشرات المراكز الثقافية المهمة، كان هناك توجه واضح نحو النهوض بالمواطن وجعل الثقافة جزءاً من حياته، وهذا التصور يهدف إلى خلق أجيال واعية، مؤسسة فكرياً وثقافياً على نحو جيد، وهنا تصبح الثقافة كالماء والهواء بتوفير وسائل المعرفة المختلفة للمواطنين.
ويضيف د. شاكر: أما إذا نظرنا إلى التركيز على فكرة القراءة، فإنها فكرة ثمينة وعظيمة، من خلال توفير «المعرفة المقروءة» لأبناء الشعب، فوصول الكتاب إلى المنازل يوفر على المواطنين الكثير، والتنوع مطلوب عند اختيار الكتب التي توزع، ما بين كتب دينية وسياسية وفكرية وفلسفية، بالإضافة إلى الكتب المترجمة، ويمكن الاستفادة من مراكز صنع الكتاب في العالم العربي، وهنا تتم الفائدة، والنتائج المرجوة من المبادرة كبيرة من أهمها وجود جيل مبدع، وتنمية المواهب الفنية والإبداعية، ويمكن لكل مواطن تكوين مكتبة خاصة به، من خلال الكتب التي يشتريها أو تهدى إليه، فالبيت الذي به مكتبة يختلف كثيراً عن البيوت التي لا يوجد بها أي نوع من المعرفة.
وتشير «المبادرة» إلى أهمية «الكتاب» كأحد الروافد المهمة للثقافة والابداع والحياة أيضاً، وأن دوره مازال قائماً، وبإمكانه إحداث الفارق، وتدل أيضاً على مواكبة التطورات العالمية، فهناك رجوع إلى الكتب الورقية، بعد أن سادت لفترة طويلة ثقافة الإنترنت التي على أهميتها لا تقدر أن تمحو الدور الذي يلعبه الكتاب المطبوع.
ويشير فنان الكاريكاتير نبيل صادق إلى أن المبادرة تؤكد الدور المستقبلي للقراءة، فهي الوسيلة الأولى للمعرفة ولتنمية العقل، لقد عشنا لفترة طويلة نقول إن زمن الكتاب انتهى لكن هذه المقولات ثبت خطؤها، فالزمن مازال زمن الكتاب المقروء رغم سطوة وسائل الاتصال الحديثة، وعام القراءة في دولة الإمارات والمخصص للتأكيد على أهمية عادة القراءة، وتعميمها، حتى يصبح الكتاب «زاداً وزوداً» لا غنى عنه أبداً.
لقد تربى جيلنا على حب المعرفة – يقول صادق – كنا ونحن صغار نوفر من مصروفنا لشراء الكتب، بالإضافة إلى أننا كنا نذهب إلى المكتبات العامة وقصور الثقافة لعمل استعارات للكتب، فبني وعينا مبكراً على القراءة، وفي المدرسة كانت حصة المكتبة جزءاً أساسياً من جدول الحصص، وكانت فرحتنا غامرة بحضور هذه الحصة داخل مكتبة المدرسة، الآن تراجع كل ذلك، نتيجة تراجع المنظومة التعليمية، وهذه المبادرة فرصة طيبة للاقتداء بها، ومطالبة القائمين على التعليم في مصر بضرورة عودة حصة المكتبة، بما فيها من استفادة كبيرة للطلاب.
أصبح الطالب الآن يتخرج في الجامعة ولم يقرأ كتاباً واحداً خارج الكتب الدراسية المقررة عليه، وكثير منها مملوء بالحشو الذي لا يفيد، وأتمنى أن تبدأ المبادرة الإماراتية بالمدارس، لأن تكوين وعي الطفل في مراحله المبكرة، يجعله قادراً على استشراف المستقبل.
يؤكد الشاعر د. عبدالحكيم العلامي على أن القراءة هي أهم شيء بالنسبة للإنسان، فهي العتبة الأولى للدخول في معترك الحياة، وهي كذلك أول خطاب إلهي موجه إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: «اقرأ باسم ربك الذي خلق» فهي إذن تشريف للإنسان حيث تعلو بقدره.
وكثرة المعرفة تجعل الإنسان في المكانة التي يهفو إليها في المجتمع، والمعرفة الرصينة لا تتأتى إلا من القراءة الجادة في كل فروع المعرفة، وهذا ما تهدف إليه «مبادرة عام القراءة في الإمارات» وهي مبادرة رائدة، يا ليت الجميع يقتدي بها، إن ما نفتقده في العصر الراهن هو عودة الناس إلى قراءة الكتب، الكثيرون استسهلوا وبدأوا يكونون ثقافتهم من الإنترنت والفيس بوك، وهذه يمكن أن تسمى ب «المعرفة الناقصة»، لا تقدم المعلومة كاملة.
يضيف العلامي: يؤكد هذا التوجه على أنه مازال للكتاب سحره، ومثل هذه المبادرة ستعمل على تنشيط حركة النشر، لأن الكتاب بمختلف فروع المعرفة سيكون مطلوباً، وسيولد الشغف بالقراءة خاصة لدى الأجيال الجديدة فتعودها على الإمساك بالكتاب يجعلها متعلقة به، وسيدرك الطفل أن هناك نوعاً من الثقافة والمعرفة خارج الكتب الدراسية، ومن هنا نتمنى أن تواصل هذه المبادرة طريقها لأنها مبادرة إصلاحية، مبادرة بناء وتكوين وتأسيس لأشياء جميلة في الحياة، وعلى المثقفين وأصحاب الفكر أن يدعموها أيضاً بأفكارهم وكتبهم.
وترى المترجمة سحر توفيق ضرورة تكاتف كل المؤسسات لإنجاح مثل هذه المبادرات التي يكون الهدف منها تنمية القدرات الإنسانية في مواجهة المستقبل بتحدياته، فالمستقبل لا يؤمن إلا بالعلم والاجتهاد والفكر العقلاني، وهذا كله لن يأتي إلا من خلال عملية التأسيس للعقل البشري من خلال «القراءة الواعية» الناضجة، التي تعمل على تحريك الوعي وإثارة التفكير.
لابد وأن تشتمل المبادرة على طرح تصورات مستقبلية وهذا موجود في طبيعتها حيث تصبح المعرفة زاداً يومياً للمواطن، والقراءة هي الشيء الوحيد الذي كلما زادت زادت الاستفادة منها الكلام لسحر توفيق – ونحن بحاجة إلى تجديد دماء الثقافة العربية، بتنوع منابعها وروافدها.
ويؤكد الفنان التشكيلي أحمد الجنايني أن عادة القراءة تلاشت وتراجعت في الفترة الأخيرة مقابل زيادة الاهتمام بالقراءة البصرية على شبكة الإنترنت، وهذا أمر فيه خطورة كبيرة، فالاعتماد على شكل واحد لتحصيل المعرفة صعب للغاية، في حين أنه لو تم الاهتمام بالجانبين القراءة التقليدية والقراءة المعلوماتية، والأخذ من كليهما فسوف يكون ذلك مدعاة للتفاؤل.
ويضيف الجنايني: المبادرات الجدية هي التي تعمل لمصلحة الإنسان ومن هذه المبادرات «مبادرة عام القراءة في دولة الإمارات العربية المتحدة» وهي مبادرة طيبة تعمل على إثراء الثقافة العامة بتوزيع الكتب والتشجيع على شرائها، والأهم من ذلك تعويد الأسر على جعل الثقافة من البرنامج اليومي لها وتعويد الشباب على اقتناء وشراء الكتب التي تقدم المجال المعرفي الذي يعملون فيه، وهنا تكون الاستفادة مزدوجة.
ويشير الجنايني إلى أن لكل إنسان ذكريات مع أول كتاب قرأه، وأول كتاب كان نواة لتكوين مكتبته الخاصة، ودور الكتب في حياته وهو دور مهم لا يقارن، خاصة إذا تعلقت القراءة بمجال التخصص الذي يعمل فيه، وأنه شخصياً كفنان تشكيلي، وفي رؤيتي كأديب، له عدة مؤلفات في الشعر والرواية، فإن مثل هذه المبادرة سوف تعمل على تفعيل حركة النشر، ليس في الإمارات وحدها، بل في العالم العربي.
يتمنى الجنايني أن تتكرر هذه المبادرة في الدول العربية التي بنيت حضارتها على القراءة والمعرفة، موضحاً أن عادة القراءة متوارثة إنسانياً منذ العصور البشرية الأولى بعد اكتشاف الكتابة وهذا ما نراه على الجداريات الفرعونية، وليس أدل على ذلك من تمثال «الكاتب المصري» رمز المعرفة والثقافة .
لقد اهتم الأقدمون بالقراءة على اعتبارها حجر الزاوية في بناء العقل ، وهناك حفر في الحضارتين الفينيقية والبابلية، وكذلك الحضارة الآشورية تدل على ذلك.

صاحبة الدور الأبرز

يقول الناقد د. محمد عبدالمطلب: «المبادرات الطيبة دائماً ما تأتي من الإمارات، التي تؤكد دائماً على أن الثقافة هي اللبنة الأولى في تكون المجتمع، ظهر ذلك جلياً في الأبنية الثقافية الشامخة التي أصبحت قبلة المثقفين في العالم العربي، ومن خلال مطبوعاتها الغنية بالمعرفة والإبداع، ما يجعلها صاحبة الدور الأبرز في السنوات الماضية، والجميل هو أن هذه المبادرات تأتي من القيادات السياسية الحكيمة التي تضرب كل يوم نموذجاً ومثالاً لرعاية الثقافة والمثقفين.
وتأتي هذه المبادرة لاستكمال المنظومة الفكرية والثقافية التي بدأت منذ سنوات، من خلال مشروع موجه لتثقيف المواطن الإماراتي، وجعله يعيش اللحظة بتجلياتها المتنوعة، وبقدرة ثقافية تجعله قادراً على مواجهة صعاب الحياة.
ويضيف د. عبد المطلب أن أي مشروع سياسي أو اجتماعي لابد له من جذور ثقافية وهذه الجذور متعلقة ومرتبطة بفعل القراءة والإمارات تقدم تجربة فريدة في»الفعل الثقافي»حيث أصبحت مراكزها الثقافية منارات يجيء إليها مثقفو العالم في حالة من الإبهار والدهشة، لكنها الإرادة السياسية الواعية التي رأت أن السياسة لا تنفصل عن الثقافة وعن حياة المواطن، فراحت تنوع من مبادراتها الجادة التي ترمي إلى مستقبل معرفي مختلف وهذا ليس جديداً على دولة الإمارات التي ضربت مثالاً مهماً في التنمية بشكل عام.
ويتفق مع هذا الرأي الفنان التشكيلي أحمد عز العرب الذي يقول: القراءة بشكل عام خطوة مهمة نحو التقدم، وقد بنت الأمم حضارتها عليها، فالحضارات في الأساس هي حضارات تاريخية ومعرفية، القراءة تعرفك أين أنت وموقعك من التاريخ والجغرافيا، لقد تعلمنا من أساتذتنا أن نقرأ كل شيء نجده من الصحف والمجلات والكتب، تعودنا منذ الصغر على قيمة «الاقتناء» وكل واحد بالتأكيد مازال عنده كتب من تلك التي قرأها في طفولته وشبابه المبكر، فالقراءة تنتج وعياً بكل الأمور، وتبني عقلية الإنسان. ويضيف عز العرب: دائماً ما تعلمنا أن الموهبة وحدها لا تكفي فلابد من وجود ثقافة تتضافر مع هذه الموهبة حتى تبرز ويكون لصاحبها خصوصية الإبداعية، وأن أية نهضة ثقافية لابد أن تتأسس على «القراءة» وأنا لست مع من يقولون إن القراءة تراجعت، والدليل على ذلك أن هناك حالة من الشغف بشراء الكتب وحضور الندوات الفكرية والإبداعية على مستوى الوطن العربي، كذلك كثرة معارض الكتب، وهي معارض نوعية، وفي دولة الإمارات – على سبيل المثال – يقام أكثر من معرض دولي للكتاب، وهذه ظاهرة ثقافية مهمة يجب أن تأخذ حقها من الإشادة والدراسة أيضاً.
يؤكد الشاعر حسن طلب على أن سعي دولة الإمارات العربية إلى جعل هذا العام عاماً للقراءة هو توجه طيب يدل على أشياء كثيرة منها: الخطوات الجادة التي أخذتها الإمارات للتحديث والتجديد على مستويات كثيرة ما جعلها ذات مكانة رائدة ومميزة في المنطقة العربية بشكل عام، ومثل هذه المبادرة تأتي لاستكمال مبادرات سابقة كلها كانت تصب في مصلحة المواطن الإماراتي، وتؤكد هذه المبادرة أهمية محو الأمية الثقافية من أجل وجود مواطن «مثقف» مطلع على أحدث الإصدارات والتقنيات، متابع للأحداث عن وعي وثقافة.
ويضيف طلب: مثل هذه المبادرات فيها من الحافز لمن يريد التقدم، فالبداية الصحيحة لنهضة أي مجتمع تبدأ ببناء العقل، والقراءة تربي العقل تربية سليمة.

 

قد يعجبك ايضا ...