القراءة.. حياة جديدة خارج الواقع

%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a9-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d8%ae%d8%a7%d8%b1%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%a7%d9%82%d8%b9

علاء الدين محمود
القراءة هي المتعة الأكبر، هي حياكة تفاصيل جديدة خارج الواقع، ربما هي حياة موازية، وهذا ما ظل يفعله الإنسان عبر التاريخ.
في كتاب «داخل المكتبة..خارج العالم، نصوص عالمية حول القراءة»، وهو كتاب جديد صدر في هذا العام ويحتوي على مجموعة مقالات لكتاب عالميين، للمترجم السعودي راضي النماصي، وتقديم الدكتور سعد البازعي، صدر عن دار «أثر»، يرصد فيه المترجم عبر 160 صفحة، مقالات لكتاب كبار يسردون تلك التفاصيل الجميل والممتعة في علاقتهم مع القراة، ولئن كانت القراءة هي المتعة الكبرى، فإن تحقق تلك المتعة وصنع علاقة معها يتطلب قراءة مختلفة، أو كما تقول مقدمته فإن كل ما يطلبه منك هذا الكتاب هو ألا تقرأ مثل باقي الناس وإلا ستفكر مثلهم. فهذه المجموعة ليست عن الكتب، ولا عن المكتبات، بل عن القراءة كفعل وممارسة، ولأن الكتاب قد أراد له محرره وجامع هذه المقالات أن يبرز لنا جمال القراءة المختلفة، فقد حشد له تسعة من كبار المؤلفين العالميين الذين أثروا العالم بنتاجهم المتميز.

هذه النصوص كما يشير الكتاب تترجم لأول مرة للعربية، والكتاب هم: فرجينيا وولف: كيف نقرأ كتاباً كما يجب؟ ورديارد كيبلنغ: منافع القراءة، وهنري ميللر: أن أقرأ أو لا أقرأ، وهيرمان هيسه: حول قراءة الكتاب، وفلاديمير نابوكوف: القراء الجيدون والكتّاب الجيدون، وماريو بارغاس: لماذا نقرأ الأدب؟ وجوزيف برودسكي: كيف نقرأ كتاباً؟، ونيل جايمان: أهمية المكتبات والقراءة، وألبرتو ما نغويل: فن القراءة وحرفة الكتابة… والكاتب لا يريد لنا فقط أن نتبع قولهم، فهذه ليست المهمة الحقيقية للكتاب بقدر ما أنه يريد للقارئ أن يشكل منعطفاً وتحولاً في طريقة تعاطيه مع الكتابة، أو كما يقول: «لا تقرأ كما كنت تفعل، أو على الأقل لا تقرأ لأجل ما كنت تقرأ لأجله، اقرأ بشكل مختلف لترى بطريقة مختلفة، ومن هنا ستنطلق وتعبر عن ذاتك بما يختلف عن بقية من حولك، سترى في هذا الكتاب نماذج مختلفة من القراء المميزين ونظرتهم المختلفة للقراءة وما يتصل بها، مما سيخرج بك – كما آمل – إلى مستوى جديد للقراءة، سواء باتباعهم أو بشق طريقك الخاص».
فالكتاب، هو عن القراءة ومتعتها، وما تنتجه من معارف لدى القارئ وكيف تغير منه، ولئن جاء الكتاب يحمل هذا العنوان الجميل «داخل المكتبة، خارج العالم»، فهو هنا تحديدا يوضح كيف أن القراءة تشكل عالما جديدا مختلفاً، وأن المكتبات التي يعتبرها كتاب كبار جنة الأرض، هي بالفعل تشكل مكانا وزمانا خارج العالم، فبدخولنا للمكتبة نكون قد عبرنا من خلال عملية القراءة العالم الفعلي، إلى عالم من صنعنا، من صنع القراءة عبر المتعة التي توفرها والمعارف التي تقود إلى اكتشافات جديدة.
وفي المقدمة يسرد محرر الكتاب ومترجمه راضي النماصي تلك العلاقة التي جمعته بالقراءة وكيف تطورت من خلال مزيد من القراءة النوعية والمبتكرة لكتاب عالميين ولنصوص أدبية رفيعة المستوى، فالكتابة بالنسبة له متعة قبل كل شيء، متعة في ذاتها، ثم تأتي بعد ذلك الفائدة، فهو يقول:«أزعم أني قارئ جيد على أقل تقدير، ولكني أواجه مشكلة منذ زمن بعيد في الحديث عن الكتب التي تعجبني، أستطيع الكتابة على امتداد صفحات عن روايات جيدة أو معقولة، وأستطيع الإفاضة حينما أتحدث عن الكتب التي لا تعجبني، لكني لا أعلم ما الذي يحدث حينما أود الحديث عن كتابٍ أبجله، حدث أن انفكت هذه العقدة عندما أردت الحديث عن مدام بوفاري وحكايتها الساحرة، ويا لها من رواية عظيمة، ولكن بمجرد أن قرأت كتاب الروائي البيروفي العظيم ماريو بارغاس يوسا عن هذه الرواية، التي كانت بعنوان «مجون لا نهائي: فلوبير ومدام بوفاري»، شعرت بأني لم أقرأها مطلقاً، كيف له أن يرى كل ذلك الكون الكامن في ذات الكتاب الذي قرأته؟ وكيف استطاع الحفر في هيكل الرواية والخروج بمعانٍ أنفذ مما وجدت؟ ألم نقرأ الكتاب نفسه؟».
هي محاولة للكاتب أن يشركنا في متعته الخاصة وتجربته مع القراءة من خلال فعل «التثاقف»، ومحاولة منه كذلك للقول إن على القراء أن يتعلموا في كل مرة القراءة بشكل جديد ومختلف، وأن القراءة المتواصلة لنصوص جيدة من شأنها أن تقلب عاداتنا في القراءة، وصولا لجيل من القراء النوعيين، الذين يكملون المتعة والعملية الإبداعية التي بدأها المؤلف بكتابة نصه.
بداية الكتاب حملت مقالا للكاتبة الإنجليزية الكبيرة فرجينيا وولف تحت عنوان «كيف نقرأ كتاباً كما يجب؟»، ويشير الكتاب إلى أن تلك الكاتبة الكبيرة لم تحصل على أية جائزة أدبية في حياتها، على الرغم من أننا لا نستطيع المرور دون أن نؤرخ ب«ما قبل فرجينيا» و«ما بعد فرجينيا»، متناولا إسهامها الخالد عبر ما عرف ب«تيار الوعي»، في كسر قوالب السرد النمطية منذ القرن السابع عشر الميلادي، وفي مقالها الذي تضع فيه وولف سؤالا: كيف نقرأ كتاباً كما يجب؟، لا تضع الكاتبة إجابة بل ترى أن «الجواب» سيظل محصورا بها، وليس بنا، وهي هنا تشير إلى سلطة القارئ، وتوصله هو إلى فائدته دون وصاية، وتقول وولف «إن النصيحة الوحيدة التي يمكن أن يسديها شخص لآخر حول القراءة هي أن لا يتبع أي نصيحة، هي أن تتبع حواسك، أن تستخدم عقلك، وأن تتوصل إلى استنتاجاتك الخاصة» وترى وولف أن تلك هي الخاصية الأهم لأي قارئ، وأن القراءة الأولى ليست سوى نصف عملية القراءة فهي تقول:«انتظر، دع غبار القراءة يهدأ»، وتحمل وولف بشدة على أصحاب الكتب السيئة، والذين تشبههم بالمجرمين عندما تقول: «ألا يجب أن نعتبر بعض المؤلفين كالمجرمين؟ ألا يحق لنا أن نعتبر أولئك الذين يكتبون كتباً سيئة، كتباً تضيع وقتنا وتعاطفنا، كتباً مسروقة، كتباً خاطئة، كتباً تملأ هواءنا بالعفن والأمراض، ألا يحق لنا أن نعتبرهم أخبث أعداء المجتمع؟»، وتتحدث وولف عن متعة القراءة، وعن أهمية ايقاظ وتمرين طاقاتنا المبدعة.
ويضيء لنا الكتاب تلك الفائدة التي نجنيها من عملية القراءة، في حال أنها صارت عادة يومية، عبر مقال «منافع القراءة» للكاتب رديارد كيبلينغ الذي يحرض في مقاله على قراءة الأدب، فهو يرى أن الشخص الذي لا يقرأ الأدب هو جاهل، كما يتناول الكتب ودورها في تكوين الإنسان مشيرا إلى وجود كتب جيدة وأخرى سيئة، وفي «روح اللعبة» يأخذنا هذا المقال للعوالم الأثيرة مع القراءة للكاتب الكبير هنري ميللر الذي يتناول أثر الكتب السيئة والعادية، ويقول «إنه لا يشجب تأثير الكتب السيئة، بقدر ما يشجب أثر الكتب العادية، ويشرح ذلك بأن الكتاب السيئ قد يشكل تحفيزا موازيا للذي يصنعه الكتاب الجيد، بينما الكتب العادية مضرة، إذ إنها مؤلفة من أناس كالآلات، يستقبلون أي شيء دون وعي، لكي يقرأه آخرون مثلهم دون وعي».
وتتحدث وولف عن أهمية القراءة، موضحة أن الفائدة يجنيها المرء من القراءة هي رغبته في التواصل مع غيره، فأن تقرأ كتاباً يعني أن تستيقظ من سباتك الروحي وتحيا، وتظهر اهتماماً أكبر بمن يجاورك، خصوصا أولئك الذين يختلفون عنك في كل شيء، أما الروائي والكاتب الكبير هيرمان هيسه فهو يقسم القراء إلى ساذج لا يضع أي اعتبار لشخصيته حين يقرأ، بينما هنالك نوع آخر من الكتاب هم كالأطفال لا يقدرون شكل الكتاب أو محتواه بوصفه يقدم قيمة، فهم كالأطفال يعلمون بأنه ممكن اختراع أكثر من ألف معنى لشيءٍ واحدٍ، بينما النوع الثالث من القراء هو ذلك المتعلق بذاته أكثر من أي شيء، الكتاب عنده مجرد نقطة تحفيز وانطلاق، وينبه هيسه إلى أنه لا يمكن لأي واحد منا أن ينتمي بشكل دائم إلى أحد الأنواع الثلاثة من القراء، بل يتنقل بين تلك الأنواع في كل مرة.
أما الروائي فلاديمير نابوكوف فهو يرى أن القارئ العظيم، هو الذي يعيد ما يقرأ، وأن الكاتب هو قد يكون حكاء، وقد نراه كمعلم، أو قد نراه كساحر، غير أن الكاتب العظيم يحتوي هؤلاء الثلاثة، لكن الساحر بداخله هو من يتحكم به، ويجعله كاتباً عظيماً.
الكتاب يوفر مادة جيدة للقراء الذين يبحثون عن كيفية أن يصيروا مختلفين، عبر هذه المقالات النوعية لأولئك الكتاب الكبار في عالم الأدب، فهم لا يوجهون نصائح حقيقية للقارئ بقدر ما يحرضونه على تحرير طاقته الإبداعية في عملية القراءة.

You may also like...