القراءة.. وجوه ودلالات وأسئلة

يونس ناصر

يتفق أغلب المثقفين، من كل الثقافات، على أنّ (ماذا) هي المفتاح السحريّ للمعرفة، وقد طرح الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط، مثلاً، أسئلته الأربعة المعروفة، وكانت منطلقاً للعديد من أطروحاته، والقدرة على طرح الأسئلة تشكّل ثقافة بحدّ ذاتها، ولكن (كيف) نحصل على المعرفة؟ يبرز كسؤال موازٍ، وهو سؤال مبرّر، وجوهريّ، حقاً، غير أنه يغيب في خضم البحث عن المعرفة، ونسيان الوسيلة الوحيدة لذلك وهي: القراءة.
ومن استخدام هذا «المفتاح» يمكننا الولوج، والوقوف إزاء أهميّة مبادرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بجعل 2016 عام القراءة، ابتداء، وتكريساً لسنّة جليلة، لهذا الجيل، ولكلّ الأجيال المقبلة، وبما يؤدي إلى تكوين، وإيجاد قارئ جيّد متنوّر، على جميع الصّعد، والأعمار، ومن المستويات العلميّة، والثقافيّة كافة. وهي مهمّة حضارية، تاريخية فارقة، تشكل منعطفاً باهراً في مسيرة الإبداع، والابتكار، والإنجاز، على المستويين الوطني والقومي، انطلاقاً إلى مستوى إنساني أرحب، لخدمة البشريّة جمعاء، وبما يحقق لها الأمن، والرخاء، ويوفر أجواء صافية من التسامح، والسّعادة.

تفصيلاً، فإن (اقرأ).. هي أوّل كلمة نزلت من السماء على صدر النبي محمد، صلى الله عليه وسلم.. وهو لم يكن يعرف القراءة والكتابة، وفي مجتمع لم يكن يعرف ذلك إلا قليلاً.. رغم أنه مجتمع عرف باحتفائه الكبير بالشعراء الفحول، كما هو واضح في المعلقات ومكانتها، ومكانة شعرائها بين كل العرب.. ما شكّل تحدّياً كبيراً للشعر أمام الأداء القرآني المغاير المختلف، والمتماسك، والمكتنز، مثلما كان هو أمام تحدي الذائقة السائدة آنذاك، من قوة اللغة وسبكها وجزالتها، ونضوجها العالي الذي أهّلها لأن تكون لغة القرآن، جديرة بمحمول سوره من الأوامر والنواهي الإلهيّة، بكل ما يتعلق بحياة، ومصائر البشريّة، حتى قيام الساعة..
والقراءة لغة، باختصار، هي الإظهار والإبراز، ونطق بالكلام المكتوب، أو المحفوظ على ظهر قلب، ومنها القراءة الجهريّة والصّامتة. وقَرأ الكتابَ قراءة، وقُرْآناً: تتبّع كلماته نظراً، سواء نطق بها، أو لم ينطق.

والقراءة اصطلاحاً، بشكل تقريبي، هي فعالية مركبة، تتوفر على فاعلية فكريّة شاملة، من الضرورة إلى المزاجية أحياناً، باعتبار أن القراءة حالة مزاجيّة وإن بدرجة أقل من الإبداع أعلى مستويات التعبير عن فعالية الموهبة.. كما أن القراءة ليست مجرّد مشاهدة رسم الكلمات بالنظر كما هي مكتوبة بحروف متوالية، إنما هي شبكة العلاقات بين البصر والعقل وتحفيز لمراكز الفهم والإدراك، في محاولة للوصول إلى المعاني والدلالات من هذه التراكيب الحروفيّة، قد نختلف معها، وقد نتفق، أو نخرج بقناعة ثالثة، فيها ملامح متآلفة، تستفيد من خلفيّاتها، وهكذا، ضمن متوالية متعالقة ومستمرة للوصول إلى تكريس موقف ما، أو مناقشته، أو فتح منافذ جديدة للتفكير في تفاصيل الحياة كافة، العلميّة والأدبيّة والفلسفيّة والعقليّة والمعرفيّة والفنيّة والنفسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعية، وكل ما يتعلق بالبنية الفوقيّة، واستمرارها، وما تفرزه من جديد فاعل ومؤثر.

من هنا، فإن الاستزادة من القراءة تعني زيادة في تنوير العقل والوعي، وإطلالة عبر نوافذ جديدة على مساحات بِكر بحاجة إلى حرث واستزراع.. بما يخلق فضاءات للحوار والنقاش من فائض القراءة والمعلومات المتحصّلة منها، وهنا يبدأ الحراك الثقافي المُنتج عبر الحوار والنقاش، مع النفس أولاً، ثم الأفكار المقروءة، وصولاً إلى النقاش مع الآخر، بعد الاعتراف بوجوده، وأهليّة قناعاته للحوار، وهي عمليّة ضروريّة ومركّبة نوعاً ما، إذ من مخرجاتها إمّا اتفاق الأفكار، وإمّا اختلافها مع ما تستحق من الاحترام، وأما الخروج بتوليف جديد هو عبارة من مزيج متجانس من الأفكار الخلاقة في كل جوانب الثقافة والفكر والمعرفة..

ومن هذا الفائض من الاسترسال في معنى القراءة، ما يذهب نحو المعنى، أو التعبير المجازي عن القراءة فنقول: قراءة الأحداث، قراءة الخريطة، قراءة الوجوه، إلى الكثير غير هذا من التعابير التي أصبحت معروفة ومتداولة بمعناها، ودلالتها المحدّدَين. وهذا التعدد في الدلالات يجعل من القراءة ضرورة قصوى، ويخرج بها من النخبوية، إلى الشمول والتعميم، في امتداد أفقي وعمودي، متساوق في الكميّة والنوعيّة، يسيران معاً باتجاه المحصلة النهائية.وهكذا تتسع دائرة أهمية القراءة لتكتسب صفة الإبداع، والتنوع الذي يأخذ أهمّيته من اتساع مفردات الحياة، وتفاصيلها، واتجاهاتها، وانفتاحها على الجديد الجدير بالمستقبل.. وهنا سنكون أمان تحدّيات معاصرة تفرض نفسها، بما يضع الجهد الإنساني كله أمام الامتحان والبرهان.

من هذا التوصيف يتضح أن للقراءة مستويين، هما بمثابة الواجبين، الأول شخصي محض، يتعلق بالفرد وقدراته، ومزاجه، وحاجاته، والثاني موضوعي بامتياز، يتعلق بالمجتمع والشعب والوطن، وحقوقها المفروضة على كل المستويات.. وكلا المستويين من منظور المصالح العليا يتنافذان، بل يجب أن يتنافذا لتحقيق الأمنيات، بعد تحولها، وارتفاعها إلى مصاف الأهداف السامية، والفرق واضح وجلي بين الهدف والأمنية. وأيّ خلل في أحدهما ينسحب بالضرورة على الآخر، ولا يمكن تداركه إلا بالوعي والإدراك اللذين هما نتيجتان باهرتان من نتائج القراءة، بما هي فعل إبداعي..

على أن هذا الوضوح لا يعني الاستسهال المؤثر سلباً في القراءة، لأنّ الوعي يختلف من قارئ لآخر، ودرجة الإدراك ليست متساوية بين جميع القراء، فهناك القارئ الذي يهضم ما يقرأ، ويتمثله جيّداً، ليتحصل منه على الفائدة المرجوّة من القراءة، سواء ما تعلق بحاجة القارئ، أو الغرض الذي يتوخاه الكاتب من الكتابة، وبدرجات غير متساوية أيضاً، تتعلق بنسب القراء والمؤلفين.

وثمّة القارئ الذي يقرأ ويحفظ فقط، من دون التمثل والاستزادة من المعاني والأفكار، أي من دون إعمال العقل لتفكيك السطور وفهمها، وفهم ما بينها من تلميحات، وإشارات، لا تستوجب المباشرة والتصريح، وهنا تتضح الفروق بين التكوين الخَلقي للقارئ، والعادات المكتسبة لاحقاً.. كما يفصّل ذلك ابن خلدون، عندما يفرّق بين القارئ الذي يهضم، والقارئ الذي يجتر.

ويخضع هذان النوعان من القراء إلى العديد من المؤثرات، أبرزها التربية، والتعليم، والإعلام، ودرجة التقارب بينها، وتعاونها، أو افتراقها، وتباعدها، بحسب الظروف الثقافيّة العامة للمجتمع، وكذلك الاقتصادية، والحضارية، وغيرها، لا يتسع المجال لتفصيلها في هذه العجالة.
ومن هنا تتضح أهمية مبادرة (عام القراءة) على المستويات الفرديّة، والعامة، والوطنية التي تسوّر هذه العملية برمّتها، لتكون حصناً وطنياً للتراث الأصيل، وتفاعلاً مع الحاضر، وبناء للمستقبل.. والقدرة، والاستحقاق، في التعامل الخلاق مع معطيات العصر، تأثراً وتأثيراً خلاقاً، وكذلك الحوار مع الشعوب والأمم الأخرى، بكل ما تحمله من إرث ثقافي وحضاري وقيمي، فضلاً عن تعريفها بحضارتنا وتاريخنا، في تلك الساحات والميادين، وما قدمته الأمّة من خدمة للإنسانيّة على مدى الحقب والعصور الماضية، في المجالات الثقافية والعلمية والفكرية، وغيرها، وهي موجبات لا بد من تحقيقها، والاستعداد الدائم للتفاعل الحيوي معها، من قبيل وضوح الضرورة، من حيث التعالق بين الفعل والرؤية والرؤيا، لتكمل إحداها الأخرى، وتحققها، في متوالية متلاحقة مستمرة من دون انقطاع.. وإذا كان «اتساع الرؤيا» يضيّق العبارة، فإن القراءة الواعية تؤدي، حتماً، إلى فتح فضاءات تؤدي إلى وعي الرؤيا، ومن ثمّ تجسيدها، بما تستدعيه من ممكنات، موجودة ولكنها غير منظورة في كثير من الأحيان، واستناداً إلى ذلك، يتبدى أن القراءة ليست ترفاً، أو نوعاً من التباهي، ليس إلا، وإنما هي، باختصار شديد، الحياة بكل تفاصيلها، أخذاً وعطاء.. وهي عمليّة استثمار حقيقي في كل الإمكانات النفسيّة والعقليّة والفكريّة، متى ما أصبحت عادة يوميّة أساسيّة، وجزءاً مهمّاً من السلوك الفردي، والمجتمعي، وضرورة لا غنى عنها، وليست نوعاً من المزاج الزائل. وبما يشكّل أسساً قويّة للقراءة تُبنى عليها المعرفة والثقافة، ومنها إلى قوة الدولة، ورصانة الوطن، وحصافة الفكر، وحصانة المجتمع، بتراثه العريق، وحاضره المشرق، ومستقبله الآمن السعيد.
iraqspoet@yahoo.com

 

قد يعجبك ايضا ...