الكتاب ضد النسيان

%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%b6%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d9%86

محمد الأسعد
من منظور تاريخي إلى سيرة الكتاب في هذه البقعة الجغرافية العربية، يلفت النظر أمران، الأول أن عصر الكتابة على ألواح الطين والنقش على المسلات والجدران الحجرية، شهد ازدهاراً لا يجاريه عصرُ الطباعة على الورق والتقانة الرقمية، والثاني أن تقديس الكتاب والكتابة تضاءلَ إلى حد كبير في الأزمنة الحديثة قياساً بما عرفته العصور القديمة، بما في ذلك أقربها إلينا حين شاعت صناعة الورق، وكثرت دكاكين الوراقين، أعني في ذروة ازدهار الحضارة العربية في مطلع الألفية الثانية/القرن الرابع الهجري.
الأمران متلازمان؛ تقديس الكتاب وزهوته كما هو واضح مذ كانت الهيروغليفية نقشاً يرتبط بالأسرار الدينية والحكم والشرائع الخاصة بالكهنة، المحجوبة عن عامة الناس، ومنذ أصبح مبذولاً إلى حد ما مع ابتكار الحروف الصوتية على هيئة أبجديات أولى ثم متطورة في مراحل لاحقة. إلا أن عصر الأبجدية حافظ على المكانة والهيبة الأولى التي انتقلت من الكاهن إلى الكاتب هذه المرة، سواء جلس ينقش على الألواح الطينية في المكتبات الملكية، أو على الجلود والجدران. ويبدو أن فكرة بدائية طابقت بين الصورة وبين ما ترمز أو تشير إليه، أعطت الهيروغليفية ثم الحروف الأبجدية هذه القوة الغامضة للكلمة، القوة التي ما زلنا نشعر بحضورها حتى اليوم.

هناك تقديس للكتاب والكتابة إذاً لازال رغم التقادم، يسري فينا وفيما حولنا، يشبه احترامنا للخبز أينما وقعت عليه أعيننا، فنرفعه إن سقط على الأرض، ولا نسمح أن تدوسه الأقدام، بتأثير إيحاء ظلَّ فاعلاً منذ أن ارتبط الخبزُ بالحياة؛ أي مذ كان أحد مقوماتها الأساسية. هل اكتسبت الكلمة، سواء كانت نقوشاً صورية أو حروفاً، قيمتها وقداستها بوصفها «خبزاً» أيضاً؟ ألأنها ارتبطت بهذه العلاقة بين ما ننطق به ونكتبه وبين حضور ما تشير إليه أو تدل عليه؛ يحضر الشخص أو الشيء حين نسمّيه؟
أعتقد أن هذا الترابط، رغم بدائيته وقدمه في العقول البشرية، هو الذي يقف خلف احترامنا الواعي واللاواعي للكتابة والكتاب حتى اليوم. صحيح أنه تم ابتذال الصورة والحرف في العصور اللاحقة، وفي عصرنا العربي الراهن، إلا أن الحفاظ على المكتبات، ومنح ما تخطه اليد قيمة أعلى مما تخرجه آلات الطباعة، ظلا حتى وقت قريب ماثلين في الأفهام والعقول. وكلّ هذا يجعل الكتاب بحد ذاته قضية، بمعزل عن البحث في نوعيته وكمياته ونشره وقراءته. قضية وجوده في الحياة ومعناه في وقت واحد معاً، قضية تتجاوز كونه أداة لنقل المعرفة والخبرة، وكونه تذكرة ضد النسيان، نسيان الماضي والحاضر، إلى ما أسميه مجمع الأزمنة والأمكنة ذات الوجهين الشبيهين بوجه الضوء بوصفه موجة وبوصفه جسيمات في الفيزياء الحديثة. بوجهه الأول، يعلو هذا المجمع على المكان والزمان فلا يمكن قياسه، وبوجهه الثاني يتخذ حيزاً يمكن قياسه. بتبسيط أكثر؛ يمتلك الكتاب روحاً ومادة. المادة بما هي حضور بين اليدين يمكن وزنها وقياسها، أما الروح فأمرها يعلو على الفهم البشري، وتفعل فعلها من دون أن نتمكن من تحديد مساراتها بداية ومنتهى. ومن هو ذلك الذي يستطيع معرفة المسالك التي يسلكها كتاب مقدس مثلاً في تنقله بين الماضي والحاضر أو العكس؟ من يستطيع الإجابة على سؤال عن سر تأثيره وحضوره مثلما يحضر النبع الذي لا ينضب مهما اغترف منه غارف؟ أو من يستطيع تفسير سحر البيان الذي يتجاوز تقانات البلاغة؟

* * *
الوجه الثاني للكتاب، أي وجوده كمادة ناقلة، يمكن الحديث عنه، فيشار إلى قلة المطبوع أو كثرته، وتؤخذ القلة والكثرة كمقياسين لقياس تخلف أو تقدم أمة أو شعب من الشعوب، ونرى هذا في أناس يمسكون بأيديهم ميزاناً يوازن بين عدد ما ينشر هنا أو هناك، ثم يخرج بمعيار يزن أهمية هذه الثقافة أو تلك. مثل هذه الحالات لم تُعرف إلا حديثاً، لأن تقديس ما يقال لا ما يكتب جعل مفكرين وفلاسفة يعلون من قيمة الملفوظ على المكتوب. السرّ بالطبع هو في كون الملفوظ ما لا يُستنفد لأنه يظل في حالة تفاعل دائم مع بيئته وأخذ ورد في وسط الجماعة، بينما يتخذ ما يستقرّ في الصحائف سمة الوجود الذي استنفد وتجمد ولم يعد في حالة تفاعل بينه وبين محيطه.
يغيب صاحب القول الملفوظ، فتغيب هذه الفاعلية، ويتحول النص إلى كيان لا يَستدخل ما يستجدّ ولا يخرج منه ما يتعلق بزمن لم يعد زمنه منذ وقت طويل. ونجد مثال ذلك في القياسات الجامدة التي يخرج بها من الكتاب، ليس من أدمن على قراءته وعكف عليه فقط، بل ومن دخل معه في زمنه ولم يرجع منه، بل اكتفى بالإطلال من نافذته بين فترة وأخرى.
ويشبه أمرُ هذا المدمن أمرَ ذلك المسافر إلى العالم حاملاً معه نافذة بيته، وربما أدوات بيته ذاتها، بما فيها حتى من وسائط طبخ ونقل عفى عليها الزمن، فتجده لايفهم ما يدور حوله وما تبصره عيناه إلا بحدود ما يمنحه إياه إطار نافذته ومساحتها، وغالباً ما يكون هذا الإطار والمساحة ضيقين إلى درجة أن الناظر من ورائهما لا يكاد يرى إلا صوراً وعلائم ودلالات مشوهة لا تمت لمشهد العالم الذي سافر إليه بصلة. ولدينا في انطباعات العرب المعاصرين العائدين من أكوان رحلوا إليها أدلة على ما نقول، فالنادر منهم من عاد يحدثك عن مكتبة عامرة أو متحف أو دار أوبرا، أو تاريخ أمة، أما الكثرة الكاثرة فحديثها عن النساء، وعن حفلات الشواء والطعام (مشاهد الصيد والقنص وذبح الأغنام المألوفة لديها).. وهكذا يتحول الكتاب إلى سجن لا واع للعقل والمخيلة، لا وسيلة تحرير لهما.

* * *

عن مصاير الكتابة والكتاب يُثار حديث وجدل. محل النظر عادة هو منع الكتب ومصادرتها، وهي عوامل خارجية لم تعد ذات أهمية في وقت اتسع فيه العالم، وحلّ العالم الرقمي هذه المعضلة، ولم يعد الوصول إلى الكتاب الممنوع والمحرم صعباً. وأجد الآن أن الأكثر جدوى ومعنى إثارة الحديث عن العوامل الداخلية؛ أعني عن العقول المصادرة والمحتجبة ذاتياً لا بأوامر سلطة خارجية أو نفوذها. يمكن أن يحرّر الإنسان ذاته في أي زمان ومكان من النص الجامد حين يحوّل ما يقرأ إلى عناصر تتفاعل مع بيئتها وعالمها، ومع ذاته قبل كل شيء. يمكنه أن يقفز قفزته الحرة في الفضاء بمظلة أو من دونها، يمكنه أن يجرب قفزة «الإيمان» بالتعبير الإنجليزي، أي القفز في المجهول، وقد تكون النتيجة سقوطاً على أرض، أو هبوطاً آمناً، وقد تكون بقاء في الفضاء بلا مكان يحط عليه الإنسان؛ المهم أن الحرية ممكنة، والخلاص مما قال فلان أوعلان ممكن، وتشكيل هوية للذات تطرزها يد هذا الإنسان بخيوط من عنده في المتناول.

دعوة الكتاب، أي كتاب، هي دعوة للتحرر، وليس للدخول وراء القضبان، سواء كانت قضبان الماضي أو الحاضر المتلاطم. ومن هنا ينبع الهوس بالقراءة، من نزعة إلى المعرفة بكل أجنحتها، حين نحبّ الكتاب أو نكتبه، ولكن من هنا أيضاً تنبع كراهية الكتاب والكتابة، وتعني كراهية الحرية، كراهية أن يتحمل الإنسان مسؤولية نفسه، أن يأخذ على عاتقه ابتكار نظرة إلى العالم تحمل سمات شخصية، لا سمات عامة مما تجمع وتركز في الصحائف، المنطوقة والمكتوبة، واستظل بها الكلّ آمناً مطمئناً.

* * *

يسأل الكثيرون عن أثر الكتاب، عن سرّ عجزه عن التغيير في الأزمنة الحديثة، عن قلة الإقبال عليه، وجوابنا هو أن الكتاب، مع أنه يحمل في ذاته دينامياته الحركية بمعزل حتى عن من يتناوله أو يتجاهله، إلا أن فاعليته وفعله في الجموع تشبه فاعلية وفعل الخميرة وسط عجنة ضخمة، يتسرب مفعوله عبر وسائط؛ عبر الكتب المدرسية، عبر استشهادات به ومقتطفات منه في المناسبات، عبر تحوله إلى فيلم وثائقي أو روائي، إلى أعمال مسرحية أو موسيقية.. إلخ. وعبر تحوله إلى وسيلة تثقيف ضروري لا غنى عنها للصعود في المراتب الاجتماعية. ولا يولّد هذه الضرورة غير البيئة بمجملها. من يحول الكتاب إلى ضرورة وجودية ليس الكتاب ذاته، ولا كاتبه مهما برع في نسج علاقات وتحبير مدائح، بل شيوع قيم تعلي من شأن حرية الفكر والمعرفة في تحقيق الولادة الثانية للإنسان، تلك التي تختلف عن الولادة البيولوجية الأولى؛ ولادة كل الكائنات بمختلف أنواعها نباتاً كانت أو حيواناً أو حجراً. الولادة الثانية هي الجديرة بأن تكون ولادة «إنسانية» حقاً، وليس ولادة من ذلك النوع الذي هو نصيب الحيوان الأميبي كما هو من نصيب الجنين البشري، أعني ولادة الثقافة لا ولادة الجسد والحجر والرمال والنبات. ومثلما تفقد الخميرة فاعليتها وفعلها إن ظلت معزولة عن العجين، ولا أثر لها في إعطاء الخبز طعمه المميز ونكهته المعروفة، كذلك يكون مصير كتاب لم تتداوله الأفهام، ولم تجله الألسنة في المدرسة والندوة والبيت، ولم ينشأ عليه الصغار، ولا دل عليه الكبار.

يقال أحياناً، ويتم التركيز بلا وعي في أحيان أخرى، على مسألة الكاتب المظلوم وحقه في نتاج عمله، وحقه في أن يكون شهيراً، والحظوة في الأوساط الاجتماعية، ولكن لا أحد حسب علمنا تساءل عن حق القارئ المظلوم، حين يُحجب عنه الكتاب وصاحبه، وحين تتحكم به وبما يقرأ مصالح تجار الكتب، أو سياسات فئوية حاكمة، أو أنماط تفكير النوافذ المغلقة دون العوالم الحية القائمة وراء الجدران. آن أوان رفع الصوت والقول إن القارئ، فرداً كان أو جماعة، له الحق أولاً في معرفة كتابه أيضاً، له الحق في أن يرى ويبصر مثل أي كائن على وجه الأرض، وأن من يمنع وصول الكتاب/الخميرة إلى العجين، إلى البيئة الاجتماعية لا يرتكب حماقة فقط، بل يرتكب جريمة أيضاً بحقنا في أن نولد ولادتنا الثانية.

 

You may also like...