المجتمع المدني وإصلاح السياسات الإعلامية في أمريكا اللاتينية

تأليف:ماريا سوليداد سيغورا وسيلفيو ويسبورد
ترجمة وعرض: نضال إبراهيم

تؤثر الحركات الاجتماعية في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية المعاصرة بنجاح في السياسة الإعلامية وصياغتها،.  ولعل هذا الكتاب من بين الكتب القليلة التي تتطرق إلى تأثير حركات المجتمع المدني في شكل السياسة الإعلامية في بلدان أمريكا اللاتينية، وفي الوقت ذاته يبين كيف أن الفئات المهيمنة على قطاع الإعلام تمارس دوراً بعيداً عن تعزيز قيم العدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان.
يقدم مؤلفا الكتاب تقييماً وتحليلاً لتأثير تعبئة مواطني أمريكا اللاتينية فيما يتعلق بصنع السياسات، فضلاً عن آثار التشريعات على الملكية والتمويل والإعلام المجتمعي ووسائل الإعلام غير الربحية، ووسائل الإعلام العامة.

يحاول الكاتبان الدكتور سيلفيو ويسبورد أستاذ الإعلام في جامعة جورج واشنطن الأمريكية، والبروفسورة ماريا سوليداد سيغورا عضوة هيئة التدريس في جامعة قرطبة الوطنية في الأرجنتين، في هذه الدراسة المفصلة والمتعمقة، التدقيق في الأهداف، والتكتيكات، وتأثير الحركات الإعلامية المدنية في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، ويظهران التأثير الكامل للنشاط الإعلامي على السياسة العامة والسياسة الداخلية.
ومن خلال عرض وجهة نظر تاريخية عن وسائل الإعلام والمجتمع المدني وتحليل معمق للوضع المعاصر، فإن الحركات الإعلامية تتجاوز المفاهيم البسيطة من «الوطني» مقابل «العالمي» للكشف عن العملية المعقدة من صناعة السياسة الإعلامية، وتقييم أهمية النخب المحلية السياسية ومواطني أمريكا اللاتينية، والجهات الفاعلة العالمية، والأطر القانونية.

صناعة السياسة الإعلامية

يتركز اهتمام الكاتبين في هذا العمل الصادر حديثاً عن دار «زيد بوكس» البريطانية في 214 صفحة من القطع المتوسط، حول معاينة مساهمة حركات مواطني أمريكا اللاتينية في فترة مكثفة من الإصلاحات السياسية في الاتصالات العامة في القارة بشكل فريد خلال 2000 إلى 2005، حيث يعاينان سلسلة من تجارب مشاركة المواطنين في إعادة صياغة الأنظمة الإعلامية، وتغيير عمليات صناعة السياسة الإعلامية الموجهة في هذه القارة التي شهدت تحولات سياسية واقتصادية.
ويتطرقان إلى تحليل حالات من النشاط الإعلامي على صعيد القارة ككل، ويوضحان طريقة عملهما عندما يقولان: «إننا أقل اهتماماً في إنتاج تحليل منفرد عن تجربة كل بلد بذاته، أو نوع من الإصلاح الإعلامي، بل نهتم أكثر بإيجاد خيوط متصلة بين الحركات الإعلامية من ناحية الأهداف والاستراتيجيات والتأثير، في الوقت الذي نأخذ فيه تحليلنا بشكل رئيسي من حالات الأرجنتين والإكوادور والمكسيك والأورغواي، فإننا نقوم أيضاً بوضع إشارات على تجارب البلدان الأخرى. اخترنا هذه البلدان، لأنها، على الرغم من كونها تقدّم مستويات متشابهة من نشاط المواطنين بخصوص السياسات الإعلامية المتنوعة، فإن النتائج كانت مختلفة على نحو سييء».
يدور الكتاب في مجمله حول «الحركات الإعلامية» أي المبادرات المدنية التي تستهدف تحويل السياسات الإعلامية لتشجيع التعددية في الاتصالات العامة. ويقارب الكاتبان الحركات الإعلامية كحركات اجتماعية، أي شبكات من المواطنين والجمعيات التي تهدف إلى تحقيق التحولات الاجتماعية عبر الأفعال الجمعية مثل التأييد، والتعليم والاحتجاج. ويقولان إن «الحركات الإعلامية تنتمي إلى عائلة النشاط الإعلامي الواسع التي تستهدف توسيع التعبير الديمقراطي وقوة التنافس في المجتمعات المعاصرة. وفي الحقيقة، ليس النشاط الإعلامي حقلاً موحداً حول التكتيكات والأهداف لتشجيع التغيير الإعلامي والخطاب الديمقراطي. إنه يتضمن سلسلة من الممارسات» إنتاج القاعدة الشعبية والتشويش الثقافي والتنظيم عبر الإنترنت، والاحتجاج الإعلامي، والحوار المجتمعي، والمراقبة الإعلامية. وفي الوقت الذي ندرك فيه التنوع المطلق للنشاط الإعلامي، نركز على التعبئة المدنية التي تركز على قيادة تغيرات السياسة.
ويوضحان أن «الحركات الإعلامية هي أشكال من العمل الجمعي المرتبط بالإنتاج والتوزيع واستهلاك البضائع غير المادية والمعلوماتية التي تستهدف الدولة لإدخال تغيرات في الأنظمة الإعلامية. وعلى وجه التحديد، هذه الجهود جزء من الصراعات الواسعة لأجل دمقرطة المجتمع والسياسة والأسواق. وهي لا تعكس فقط توسع أنماط الارتباط المدني عبر وكالات جديدة وأهداف. إنها تعبر أيضاً عن أشكال من المشاركة المدنية في مجتمع المعلومات المرتبط بتحسين توزيع الفرص لأجل التعبير المدني».
ويؤمن الكاتبان أن الحركات الإعلامية موضوع ذات أهمية يهدف إلى كسب فهم أفضل للقضايا الأساسية ويعلقان: «تهدف دراستنا إلى تقديم رؤى تزيد في فهم أفضل للسياسة التشاركية وتعبئة المواطنين والتأثير على الجودة الديمقراطية والحوكمة الإعلامية».

مختبر استثنائي

يشير الكاتبان إلى أنه «منذ منتصف التسعينات، كانت أمريكا اللاتينية مختبراً استثنائياً لإصلاحات السياسية الإعلامية. وحتى وقت متأخر، أغلب الأنظمة الإعلامية في هذه المنطقة عملت أساساً وفق قوانين سنت قبل عقود مررتها الأنظمة الاستبدادية».
ويجدان أن تحويل القوانين الإعلامية بما يتناسب والمبادئ الديمقراطية والواقع الجديد من التطورات التكنولوجية كان متأخراً لفترة طويلة، رغم أنه كانت هناك مجموعة من المقترحات والقوانين التي تمت مناقشتها بشكل مكثف في أمريكا اللاتينية خلال العقدين الماضيين. ولم تكن أجزاء صغيرة من القوانين أو التعديلات على القوانين الموجودة. بل كانت محاولات طموحة لإصلاح الجوانب الأساسية من الاتصال العام والأنظمة الإعلامية.
ويضيفان: «لقد تم تمرير عشرات قوانين تداول حرية المعلومات على المستوى المحلي والوطني عبر أمريكا اللاتينية. في الوقت الراهن، فقط أربعة دول هي: الأرجنتين، بوليفيا، وكوستا ريكا وفنزويلا، ليس لديها قوانين وطنية تسمح بالوصول العام للمعلومات الحكومية. فقوانين ازدراء المحكمة التي تجرم ما يشكل انتقاداً للسلطات والمؤسسات ألغيت أو تم إلغاء العقوبات المرتبطة بها في أغلب البلدان. كما أن قوانين الاتصالات السلكية واللاسلكية والبث الجديدة غيرت الإطار القانوني للأنظمة الإعلامية في الأرجنتين وبوليفيا والإكوادور، والمكسيك، وأورغواي، وفنزويلا بالكامل».
ويذكر الكاتبان أن المستويات الأخيرة من النشاط السياسي والتغيرات القانونية لم يسبق لها مثيل. ولكن بالنظر إلى الممانعة التقليدية من النخب السياسية ومالكي وسائل الإعلام للدخول في نقاشات عامة حول السياسة الإعلامية، ناهيك عن قلب الإطارات القانونية، فإن الحالة الراهنة من النقاشات حول السياسة والخطط والعمل استثنائية. ويعلقان على ذلك: «اعتنق مالكو وسائل الإعلام بشكل تقليدي فكرة أن أفضل قانون هو «اللاقانون» بعيداً عن الخوف من أي سياسة يمكن أن تتدخل في مصالحهم العملية. وكانت النخب السياسية غير راغبة في دعم التشريعات القانونية التي من ِشأنها أن تؤثر بشكل سلبي في الشركات الإعلامية الكبرى، وبدلاً من ذلك، فضلت القوانين الإعلامية لحماية سلطتها ومصالح الحلفاء الإعلاميين».

التعددية المحدودة

يقدّم الفصل الأول من الكتاب بعنوان: «التعددية المحدودة والسياسة التي تهيمن عليها النخبة» ملخصاً عن السمات الأساسية للأنظمة الإعلامية في أمريكا اللاتينية لأجل فهم مطالب ومقترحات المواطنين لمعالجة المشكلات الأساسية التي من شأنها أن تضعف الاتصالات العامة الديمقراطية. إذ إن الأنظمة الإعلامية تتميز بالتعددية المحدودة نظراً لهيمنة مصالح السوق، وغياب أو ضعف البث العام، كما أن الممارسات الحكومية التقديرية فيما يتعلق بالشؤون الاقتصادية تؤثر في الاتصالات العامة والأنظمة الإعلامية، والحالة غير المكتملة للمجتمع والإعلام البديل.
ويعلقان: «كانت هذه السمات نتيجة إرث من السياسات الإعلامية التي تتحكم بها الطبقة النخبوية وعملية اتخاذ القرار التي أقصت المصالح العامة. إن التاريخ الطويل من سياسات الباتريمونالية (شكل حكماً تكون فيه كل صور السلطة عبر الحاكم) الإعلامية التي بموجب سياساتها فضلت المصالح التجارية وأفادت المسؤولين الحكوميين»، ويوضح الكاتبان في هذا الفصل سبب عرض الأنظمة الإعلامية الظروف المحدودة لأجل التعبير العام للجماهير المتعددة. كما يعطي الفصل خلفية تاريخية لتأطير تحليل كيف أن الحركات الإعلامية المعاصرة حاولت أن تؤثر في السياسات العامة لإعادة توزيع الفرص لأجل التعبير العلني.
ويستطلع الفصل الثاني «حقل النشاط الإعلامي المنظمات ومطالب الحركات الإعلامية في أمريكا اللاتينية» تركيز المسؤولين التنفيذيين الذين عملوا على ثلاث قضايا: أنظمة البث، الوصول العام للمعلومات الحكومية وقوانين الكلام. ويشمل الحقل مجموعة من الشبكات التي تكون أساسية في توضيح مطالب المواطنين، وترجمة الجدالات الدائرة إلى مقترحات، وتحويل الأفكار إلى سياسات عامة. إنه يقدم توسيع الفرص المؤسساتية لأجل مشاركة المواطنين والتمثيل في نقاشات السياسة الإعلامية.
ويركز الفصل الثالث بعنوان «الاستراتيجيات» على القواعد الاستراتيجية للحركات الإعلامية. وتشير الاستراتيجيات إلى التكتيكات المستخدمة من قبل المسؤولين التنفيذيين والتحالفات لتحقيق أهداف محددة.
يوضح الكاتبان أن «الحركات الإعلامية حاولت التأثير على فاعلين عديدين (الدولة، الإعلام، الرأي العام، الحلفاء المحتملون، والمعارضون) من خلال تعميم الاستراتيجيات المنوعة عبر العديد من المجالات العامة مثل الرأي العام، المحاكم، السلطة التشريعية، الإعلام والانتخابات. وقد كانت مرنة من ناحية اختيار الاستراتيجيات وفقاً للظروف والأهداف المحددة. وهذه المرونة الاستراتيجية للحركات الإعلامية هي طور استثنائي جديد في سياق تقليد قوي للاحتجاج والمقاومة في النشاط الإعلامي في أمريكا اللاتينية. ويدل توسيع القرارات الاستراتيجية والتكتيكات على التغيرات في الطريقة التي تصوّر فيها الحركات الإعلامية كيف أن الإصلاحات ممكنة في السياقات السياسية المحدّدة».

إصلاحات وفرص

يناقش الفصل الرابع من الكتاب بعنوان «إصلاحات السياسة والخطط» تأثير الحركات الإعلامية على القوانين الجديدة، ويبين الكاتبان كيف أن الحركات الإعلامية كان لها تأثير على إصلاحات السياسة في ثلاثة مجالات: البث والإذاعة، والوصول العام للمعلومات الحكومية، وقوانين التعبير. كما أن مرور ومحتوى إصلاحات السياسة الأساسية لا يمكن تخيلها من دون الأفعال الجمعية. والمواطنون المعبأون لعبوا أدواراً رئيسية في العمليات التي توجت بإصلاحات مهمة غيرت المشهد التشريعي في العديد من الدول في المنطقة.
وتحت عنوان «الفرص السياسية» يعاين الفصل الخامس المنعطفات السياسية، بهدف توضيح التأثير المتفاوت للحركات الإعلامية، حيث يناقش حالات نجاح وإخفاق الناشطين الإعلاميين التي تحتاج إلى أن تفهم من خلال معالجة منعطفات سياسية محددة شكلها حضور حلفاء النخبة والظروف السياسية. ويؤكدان فيه أنه بقدر أهمية دفع الإصلاحات إلى الأمام، فإن التحرّك الجمعي غير كاف لبلورة التغيرات السياسية المؤثرة من دون الدعم من الظروف الحكومية المختارة والتوقيت الملائم.
ويشيران إلى أن «أهمية هذه العوامل السياسية تطالب بفهم كيف أن الحركات الإعلامية مستعدة بالقياس إلى السياسة الحكومية. حينها فقط، نستطيع أن نوضح نتائج العمل الجمعي للسياسة المتشعبة».
ويضع الفصل السادس بعنوان: «لماذا يهم النشاط خارج الحدود القومية» النشاط الإعلامي المحلي في سياق العمل الجمعي خارج الحدود القومية في سبيل دعم الإصلاحات الإعلامية المتقدمة. خاصة أنهما يجدان أن المنظمات العالمية والائتلافات تساهم في تقوية البنية التحتية التنظيمية وفي دعم الأهداف الاستراتيجية للناشطين المحليين؛ حيث تقدم الفرص لأجل ربطها مع مجتمعات الممارسة خارج الحدود القومية، والحصول على التمويل، ورفع الشرعية ورؤية المنظمات المحلية، وتعبئة سلطة «الإقناع الأخلاقي» بين الحكومات والفاعلين الآخرين. ويقولان: «على الرغم من هذه المساهمات المهمة، فإن النشاط خارج الحدود القومية لا يقود التغيرات من دون مساعدة في إصدار القوانين الإعلامية. فقط عندما يتم الاتصال بالناشطين المحليين يمكن لهم المساهمة بشكل مؤثر في الإصلاحات الإعلامية عبر الأدوار الداعمة. والسبب هو أن آفاق الإصلاحات السياسية متأسسة بشكل أساسي في التحركات المحلية والمنعطفات السياسية. ولم تغير العولمة حقيقة أن سياسة صنع السياسة الإعلامية هي محلية. إنهم يستمرون في الربط بحزم بين الديناميكيات والحسابات المحلية. إن الحركات الإعلامية تفكّر بطريقة «عالمية»، لكنها تتصرف بشكل محلي».
ويركز الفصل السابع «تنفيذ السياسة» على تحليل مشاركة المجتمع المدني في تنفيذ السياسة، وهو تطور جديد استثنائي في تاريخ الحوكمة الإعلامية في أمريكا اللاتينية. فإصدار قوانين جديدة يتضمن آليات تشاركية يكون أداؤها متفاوتاً. وتؤكد التجارب الأخيرة في دول من القارة أن التعبئة المدنية الدائمة ضرورية لضمان تنفيذ القوانين التقدمية، وانتقاد وتعديل القوانين التي تكون متناقضة مع التعددية الإعلامية.
يقدم الكتاب في الخاتمة استعراضاً للنتائج الأساسية للكتاب، ومساهمات الحركات الإعلامية للسياسة التداولية وصناعة السياسة الإعلامية التشاركية. ويختمان بطرح العديد من الأسئلة التي تتطلب انتباهاً وجدالاً وأبحاثاً أكثر. ومما يقولانه: «تبقى إنجازات الحركات الإعلامية غير مستقرة وعرضة للتغيرات السياسية والهياكل المتمردة. التراجع دائماً ما يكون ممكناً، والنجاح غير مضمون. إن الالتزام الثابت للحركات الإعلامية يبقى ضرورة على الدوام. فهي مطلوبة للاستمرار في مناقشة تمرير وتنفيذ الإصلاحات الضرورية، وتذكير الحكومات بإصدار القوانين الوطنية والدولية القائمة على حقوق الإنسان».

 

قد يعجبك ايضا ...