المسرح الجديد.. الخشبة تعلن الثورة

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%b1%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b4%d8%a8%d8%a9-%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%88%d8%b1%d8%a9

القاهرة: «الخليج»

حالة الغليان والفوران والثورة والتمرد والمعارضة والرفض، وغير ذلك من الصفات التي أصابت شعوب العالم وأوروبا بخاصة في أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، هذه الحالة التي استشرت في الأوساط الأدبية والفنية بصفة أخص، تلخصت في نوع من النقمة على كل ما هو سائد في الغرب، وفي القطيعة لكل ما حققته الحضارة الغربية من إنجازات، لم تتمكن من المحافظة عليها أمام آلة الحرب المدمرة.

جاء أول تعبير عن هذا الموقف الرافض للعقل الأوروبي في صورة ديوان من الشعر بعنوان «المجالات المغناطيسية»، صدر عام 1919 للشاعرين أندريه بروتون وفيليبي سوبو، تطبيقاً للكتابة التلقائية التي لا تخضع للعقل والتفكير الواعي، وإنما يمليها العقل الباطن في أثناء جلسات التنويم المغناطيسي.
يقول د. حمادة إبراهيم في كتابه «المسرح الجديد.. الرواد الأوائل» إنه إذا كان هذا الجديد أو الحديث الرافض لكل قديم وتقليدي سمي بالدادية ثم بالسريالية، فالذي يهمنا في المسرح هو أنه كان جديداً في سائر مجالات العمل المسرحي، فإذا أخذنا نموذجاً لهذا المسرح الجديد مسرحية «المغنية الصلعاء» ليونسكو، وجدنا عناصر الرفض تتمثل أول ما تتمثل في عنوان المسرحية، فالمسرحية لا تتضمن مغنية صلعاء أو مغنية، بشعر، وإذا كان الكاتب بهذا العنوان يرفض برمجة عملية التلقي عند المشاهد، فذلك لأن المسرحية لا تتضمن دروساً ولا رسالة، بل إن اللغة وسيلة الاتصال التقليدية تصبح موضوع المسرحية فهي تهترئ وتتمزق وتتحطم أمام أعيننا، ومن ثم كان العنوان الجانبي الذي أضافه المؤلف «مأساة اللغة».

ومن ناحية أخرى – كما يوضح حمادة – فإن هذا المسرح الجديد يقوم عليه رجال مسرح جدد، لهم توجهات جديدة، داخل قاعات عرض جديدة، إلى جمهور جديد، فهو مسرح جديد في كل شيء، في كل ما يتعلق به، جديد في رجاله، في توجهاته، في قاعاته، في جمهوره، فالمغامرة المسرحية خاضها رجال من خارج الحركة المسرحية، حتى المخرجين القدامى منهم، الذين كانوا يعملون في المسرح فعلاً مثل جان لوي بارو وجان فيلار، فهؤلاء – كما يقال – ركبوا القطار وهو سائر، كذلك بالنسبة إلى مهندسي الديكور الذين تعاونوا مع المخرجين، فقد كانوا أيضاً جدداً على المسرح.

أما المؤلفون فقد كانوا أيضاً يقدمون باكورات أعمالهم المسرحية فهذا يوجين يونسكو كان مدرساً للغة الفرنسية في رومانيا ويعترف ببغضه للمسرح: «كنت أستمع إلى الموسيقى، وأزور المعارض الفنية، لكنني لم أكن أذهب إلى المسرح مطلقاً»، وكان بيكيت مدرساً جامعياً متخصصاً في الروائي مارسيل بروست الفرنسي، والشاعر الإيطالي دانتي، وكان روائياً يكتب الرواية الجديدة، بل لقد رفضت مسرحية «في انتظار جودو»، عدة مرات من عدة مخرجين، ولم أكتب للمسرح في الأصل، وكان جان جينيه شاعراً وروائياً، ويعترف بأنه لم يكن يحب المسرح، وآداموف بدأ يكتب للمسرح في سن الأربعين بعد أن اكتشف ستير ندبرج.

أما عن التوجيهات فقد تأثر المسرح الجديد بمصدرين أو رافدين متناقضين: المصدر الأول جاء من الألماني بريخت الذي يرى المسرح أداة للتحرر السياسي والاجتماعي، والمصدر الثاني يتمثل في الفرنسي أرتو صاحب فكرة «مسرح القسوة»، والمسرح الشامل لوسائل التعبير المتعددة، ويمكن أن نضيف رافداً ثالثاً يتمثل في الدعوة إلى مسرح «الاحتفالية الاجتماعية»، الذي يلغي الحواجز والقواعد.

الفريد جاري أبو للينير تريستان تزارا كوكتو أراجون، كل هذه الأسماء وغيرها، يكشف لنا الكتاب كيف أعلنت معارضتها للتقاليد الجامدة والأعراف الراسخة في سبيل إرساء قواعد المسرح الجديد أو المسرح المعاصر أو الطليعي أو مسرح اللامعقول، ذلك هو السؤال الذي يحاول هذا الكتاب أن يقدم الإجابة عنه في إطار تمرد الفنان وثورة الفنون.

 

You may also like...