المسرح يقرأ أيضاً

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%b1%d8%ad-%d9%8a%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%a3%d9%8a%d8%b6%d8%a7%d9%8b

محمود أبو العباس
الرهان الحقيقي على قيام مسرح للطفل بمحتواه الإنساني في التأثير على معرفة الطفل ، لا زال مثار دهشة المسرحيين أنفسهم ، حيث يدور النقاش حول أهمية المسرح للطفل في ظل الثورة المعلوماتية والتطور التقني الذي أوهم الكثيرين بأن الطفل لا يحتاج لنص وخشبة ومؤدين ، بقدر ما يحتاج لجرعة من الخيال كان يبحث عنها والآن وفرت له الألعاب الإلكترونية ما يريد ، وهذا الأمر لم يزل قيد الدراسات النفسية وما تمليه العزلة في العوالم الخارقة أو التفرد في الاستهلاك لكل ما يثير الغرائز ليس أقلها العنف الذي تصوره الأفلام والتي تولد انطباعات غاية في التعقيد وتنعكس بشكل آنٍ على سلوك الطفل .
هنا نحتاج لدراسات أخرى في سبيل إنقاذ الطفل من غربته ، ولأن المسرح نشأ من رحم الترابط الاجتماعي ، بل هو منبر لتعليم الديمقراطية وبرلمان للفكر، حيث يلقي بظلاله الوارفة على الطفل ليكون مساحته في التفكير الحر، فلطالما بقي يرزح تحت سلطة الكبار، ونحن اليوم نبحث عن وسائل تدعم فكرة «إلغاء الوصاية» معرفياً على الطفل والابتعاد عن فكرة النزول لمستوى الطفل والاستعاضة عنها بالارتقاء لمستواه ، أو تلك الفكرة الغائرة في القدم وهي «التلقين» .

إننا في صراع مع الزمن لإنقاذ الطفل من الصورة الشائهة للعالم بكل الدمار الذي خلفته الحروب والتطرف الأعمى بأنواعه ، إنها دعوة لترميم ذاكرته التي تحولت من خيال مترامي الحدائق بزهورها إلى بيوت محطمة تراكبت فوق بعضها أنقاضاً، فالوسائل المبتكرة كلها تسعى للحاق بعجلة العلم والتطور، ولكن ما يمكن التركيز عليه الآن هو دعوة الطفل لفكرة جماعية التفكير والعمل والموقف، وهذا يترتب منا أن نقرب وجهات النظر للأطفال في إنشاء فكرة توحدهم في إنتاج إبداعي خارج حدود الفردية والشعور بالتفوق ، الذي يعزز الأنا ، إنها دعوة لبراءة العلاقات بعيداً عن التحجيم، وهي أننا نعترف ببراءة وصدق الطفل في تخيل العالم دون تشكيل مفروض عليه ، ولذا نجد أن مشروع القراءة رغم أنه جهد فردي ولكن بالإمكان تحويله لفكرة جماعية تصب في مجال يشبع رغبة التفكير الجمعي الطفولي ، ومن هنا تبدأ جماعية العمل ونبذ الغربة التي وفرتها الوسائط للطفل بالعمل على مشروع يجمع بين القراءة والمسرح اسمه «المسرح يقرأ أيضاً» حيث خصصنا لهذا العمل خطة امتدت لأشهر وبخبرة ميدانية من سنين مضت ، بأن يشارك الأطفال في مشروع القراءة الذي أطلق في دولة الإمارات العربية المتحدة ووفرت له الظروف المناسبة لإعادة فكرة القراءة بعيداً عند تصنيفات القراءة الورقية والإلكترونية ، بل نذهب أعمق للهدف الأساسي، فقد رصدت التجربة ابتعاداً واضحاً عن القراءة ، بل الاتكال على ما توفر من مقتطفات يوفرها الحاسب الآلي ، وهذا يشكل خطورة على الأجيال في اقتصار المعلومة ، وضعف التوصيل ، مما يؤثر على القدرات العقلية لديهم .
المسرح فضاء للثقافة والفنون والعلوم ، ولذا انفتح على فكرة القراءة التي وإن تنوعت أسماؤها ولكنها تتوحد في الدعوة للقراءة، فهنا تجتمع ميزتان في المسرحية، وهي القراءة كأدب، والتجسيد كفعل تعبيري، لأن المسرحية هي الأدب الوحيد الذي تكتمل شروطه في التجسيد، فكان لمراكز أطفال الشارقة، وهي إحدى مؤسسات المجلس الأعلى لشؤون الأسرة، والذي يلقى دعماً منقطع النظير من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وقرينته سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي رئيس المجلس الأعلى لشؤون الأسرة ، منذ تأسيس المكتبات في كل أحياء الشارقة في ثمانينات القرن الماضي ، والتي تحولت فيما بعد لمراكز للأطفال متنوعة التخصصات ومواهب الأطفال.
ومن ذلك نشاط المسرح الذي أطلق مشروع «المسرح يقرأ أيضاً» بنظام الورش المنتجة هذا العام، حيث يقوم المشرف العام للمسرح في المراكز بزيارة مراكز الشارقة ، والتي عددها 13 مركزاً، تمتد في مناطق الشارقة الثلاث ، الشرقية بمراكز
(كلباء خورفكان وادي الحلو دبا الحصن) والوسطى بمراكز (المدام المليحة الثميد الذيد الطائح) ثم المدينة بمراكز
(الخالدية الرقة حلوان الحيرة) حيث يدعو المشرف العام بمساعدة المنشطين أطفال المركز الواحد بشكل طوعي وحسب رغبة الطفل للمكتبة، ويدعوه لانتقاء ما يحب من القصص ليبدأ بقراءة القصة وبصوت عالٍ، بشكل منفرد، وهنا نحقق مفهوم «القراءة الجماعية» وهي الخطوة الأولى في إنشاء التفكير الجمعي لدى الأطفال ، فإذا قرأ الأطفال عشر قصص، فنحن حققنا لكل طفل قراءة قصته التي يحبها ويسمع تسع قصص بأصوات وانفعالات مختلفة تفيض في مخيلته وتسمعه أساليب متنوعة في القراءة أولاً ، ثم ينتخب الأطفال نصاً قصصياً واحداً من هذه القصص بأسلوب ديمقراطي ليتم تحويله إلى نص مسرحية.
يقوم المشرف العام بتذكير الأطفال بورشة «المؤلف المسرحي الصغير» والتي انعقدت لسنوات في المراكز وتحولت الكثير من القصص إلى نصوص مسرحية من قبل الأطفال أنفسهم، وفيها يتم التركيز بشكل مبسط على البناء الدرامي للنص المسرحي والتعريف بالفروقات بين السرد القصصي والتكثيف في النص المسرحي، ويتم كتابة النص ومن ثم قراءته على الأطفال بمساعدة المنشطين والمشرف المسرحي، وتوزع الأدوار حسب رغبة الأطفال ، وبمساعدة بعضهم ، ثم يبدأ التمرين معهم كممثلين هذه المرة، وللطفل الحق في إبداء الرأي في الحركة أو مساعدة الزميل، وللأطفال ابتكار بيئة الحدث
«الديكور» أو حتى التدخل في نوعية الأزياء التي يحبون تصميمها، حيث نوزع للأطفال مجموعة مكعبات من الفلين يسهل عليهم نقلها أو تشكيلها.
بل يقوم بعض الأطفال بترديد الأشعار في النص للغناء بإشراف منشط مختص، ثم يأتي العرض ليُقدم في أي مكان وأي فضاء، فالعرض يكون بسيطاً في التنقل، شرط أن يحمل فكرة عميقة، ولاكتمال عقد التجربة، لا بد أن يكون للمشاهد نصيب في مناقشة العرض مع الأطفال بهدف إطلاق التفكير الحر وتلقي الآخر.
لقد تم تدريب الأطفال على 13 نصاً مسرحياً، وقد عُرضت ستة منها في ورش معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الجديدة، وقدمها أطفال المراكز مسرحياً وهي: «ستظل صديقي» إخراج فاطمة الكعبي لمركز الطفل بخورفكان ، مسرحية «الروبوت العجيب» إخراج رامز محمود وإشراف مجدي محفوظ لمركز الطفل بالحيرة، ومسرحية «النقطة السوداء» إخراج أسماء عبدالرازق لمركز الطفل بوادي الحلو، وأيضاً «الدجاجة الحمراء» إخراج محمد تاتان لمركز الطفل بالبطائح، و«معاً ودوماً» إخراج فاطمة محمود لمركز الطفل بكلباء، و«حي بن يقظان» إخراج هناء جاسم حمادي لمركز الطفل بالخالدية، بإشراف المسرحي محمود أبو العباس، وقد تفاعل جمهور الأطفال مع هذه المسرحيات التي ستمتد فيها التجربة للمراكز الأخرى وبنفس الطريقة لتقديمها بالمهرجان الوطني لمسرح الطفل (تحت 13 سنة) في دورته الثالثة الذي تقيمه الإدارة العامة لمراكز الأطفال بالشارقة في المركز الثقافي بالذيد بإمارة الشارقة احتفالاً بالعيد الوطني لدولة الإمارات حيث ستقدم المسرحيات في 17 من ديسمبر المقبل.
التجربة فيها الكثير من الأفق في التفكير والابتكار الجماعي للأطفال بالإضافة لكونها تنمي الثراء اللغوي والجرأة وتطلق الخيال في تشكيل الفضاء فضلاً عن تنمية المؤهلات والقدرات الأدائية للطفل عدا إنها تعتمد الجهد البشري وبكلفة بسيطة غناها في القدرات الخلاقة للطفل، فالمسرح مدرسة في الهواء الطلق وهو المجال الأرحب لخيال الطفل.

You may also like...