المشترك الإنساني سؤال المستقبل

محمد الأسعد
قد يكون النص سؤالاً أحياناً، إلا أنه يحتفظ، في سياق حياة كاتبه وثقافته، بصفة كونه جواباً، حتى وإن جاء في صيغة سؤال. ونحن ككتاب -وعينا هذا أم لا نجيب بطريقة أو بأخرى، عمّا نفترضه سؤالاً موجهاً إلينا. ولو بحثنا في نصوص المعلمين الكبار، وأحاديثهم في الماضي والحاضر، من كونفوشيوس، ولاوتسي، وشري كريشنا؛ وصولاً إلى السيد المسيح، والنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- لوجدنا أنها أجوبة. ولكن عن ماذا يجيب النص أو الحديث؟
هناك أسئلة تتفاوت في قيمتها، ولذا لا يكتسب الكلام نفوذاً إلا بمقدار عمق الإجابة التي يناسبها عمق السؤال.

من بين كل الأسئلة التي عرفتها البشرية، يظل في حوزتها واحدٌ يختصر الكلّ، وكأنه النهر العظيم الذي تنتهي إليه الجداول الصغيرة: السؤال عن معنى الحياة البشرية، أي سؤال الكينونة الحقّة. سؤال لابد أن يُسأل في نهاية الأمر، يسأله الناسك الهارب من الضجيج، وتسأله الحضارة، ويسأله الكاتب، ويسأله الثوري، ويسأله صانع مُعداتنا المنزلية. سؤال يبدأ به الإنسان حياته طفلاً، ويُنهي به حياته هرماً؛ ولذا هو سؤالٌ جدير بتفسير النص والحياة، قبل غيره من جداول الأسئلة.

حين يُسأل أحدنا هذا السؤال، لا يستطيع الإجابة بتلك السذاجة والبساطة التي يجيب بها أدبنا العربي المعاصر، فإلى جانب ذاكرة النص التي تُقيم في اختبار التاريخ وهي ذاكرة ضحلة في نصوصنا العربية هنالك الإقامة في الاختبارات الجديدة: اكتشاف الأجناس، والقارات، التي لم تعرفها هذه النصوص بعد. وقياساً إلى طموحنا، أو طموح أي نص، على جوابنا أن يحظى باهتمام سكان جزر الملايو، مثلما يحظى باهتمام سكان العواصم العربية والدولية. أليس هذا هو طموح النص وكاتبه في الحقيقية؟
المدوّنة الشيفرية لعدد من الأيديولوجيات (ماركسية، وقومية، ودينية..) أعطت بعض المفاتيح لعدد من النصوص العربية، في زمن مضى، مثلما أعطتها لنصوص ثقافات أخرى، ولكن ما يُكتب الآن، وما سيُكتب في المستقبل، لم يعد يستند إلى أيّ مدونة من هذا الطراز. إنه خطابٌ بلا مرجعية. وسيكون على الكاتب العربي أن يتدارك وضعيته العجيبة هذه، ويبدأ تكوين مرجعيته؛ أي البدء باكتشاف ما حوله، وما يبعده عن نفسه هذه المرة، كأنه إنسانٌ أول، مولود وسط انحطاط وخراب شاملين، وليس إنسان كهف يُطل على فجر الوجود. هو لا يمتلك إلا أن يبدأ هذه المغامرة التي لم تتوقف اليوم؛ بل توقفت منذ بضعة قرون، ليكون جديراً باهتمام سكان هذا الكوكب.
نحن إذاً أمام إحراج ثقافي، أمام اختبار، وعلينا أن نعي أولاً هواجس أناس من هذا العصر، وعلينا ثانياً أن نكتشف المعادلة الصعبة: الأسئلة الجوهرية ذات الصلة بمصيرنا، ومصير غيرنا. علينا أن نعي هواجس الماضي، ونجيب عنها، وبعد كل هذا علينا أن نعي هواجس المستقبل، حتى نكون جديرين بالعودة إليه. أليس هذا هو طموح النص؟ إذاً، لابد أن يكون الجوابُ مما يجيب عن أسئلة الموتى والأحياء، ومن سيولدون. هذه هي مسؤولية الكاتب تحديداً.
أمام سؤال كينونة من هذا النوع، سؤال أن نكون، وكيف نكون، لا نتجرد من طابعنا المحلي ولا نبرة لغتنا، ولكننا نتجرد من ضيق الأفق، والحماقة اللذين يُغطيان العجز بخطابية جوفاء، هي مما اعتدنا عليه منذ الطفولة، خطابية حوّلتنا إلى كائنات بلهاء، نتداول مسكوكات نقدية لا رصيد بها، إلا في أوهامنا، مسكوكات تثير السخرية حين تطرح في الأسواق الخارجية، مهما بالغنا في تزويقها وتخطيطها، ودفع الناس كي يُقبلوا على تداولها، مسكوكاتٍ لا نستطيع الوصول بها إلى الإنسان البعيد، القابع أمام مدفأته في أعماق أمريكا اللاتينية، أو في مرتفعات التبت، أو في أيّ قرية عربية قريبة. إن من لا يستطيع الإجابة عن سؤال الكينونة، أو يهمله، ومن لا يعتني بالإجابة عن أسئلة الإنسان من أي جنس أو لون كان، لن يحظى بميزة الوجود حقيقة لا مجازاً.
هكذا نتخيل النص الإبداعي جواباً عن سؤال إنساني، وليس جواباً عن أسئلة دولة، أو حزب أو عائلة. نتخيّله جواباً لا يساوم، بحثاً عن ضمير الكاتب الأخلاقي. نتخيله جواباً عن سؤالٍ يضع أدنى خصوصيات الكاتب تحت شمس كبرى. فحين يُسأل عن معنى الحياة لا يتذكر مسار حياته اليومية، وهواجسه فقط، بل ويتذكر أنّ عليه الاستجابة لسؤال يسأله الناس في كل زمان ومكان.
في هذه الحالة سيكون الجواب، مع هذا الحضور الكثيف لتاريخ الروح، مختلفاً، وسيكون أعمق مما اختبرنا، إنه جوابٌ يتوجه إلينا من ضمير يعلو على اللحظة العابرة، بالضرورة، ليصلنا باللحظة الجوهرية التي يصير إليها الزمان.
بهذا المعنى؛ إما أن يكون النص إنسانياً أو لا يكون. إنه لا يمتلك طريقاً ثالثاً. إما أن يعني الآخر بقدر ما يعنيني، أو لا يعني أحداً. والآخر هنا ليس البشري فقط؛ بل والطبيعة وكائناتها أيضاً، هذه الصامتة التي يتوقف مصيرها على الجواب الذي يعطيه الإنسان. هي ليست صامتة في وجودها الحق، إذا عرفنا أن تخريبها يعكس خراباً إنسانياً داخلياً، وتتبادل الفعل وردّ الفعل مع ما يفعله الإنسان، كأنها وعي مجهول. ولا يتسنى للنص أن يعني إلى هذا المدى، إلا إذا استند إلى تراث إنساني مشترك، وليس إلى تراث فقير، وإلا إذا كانت ذاكرته غنية باختبارات التاريخ، وكان له نصيبٌ في مغامرة الإنسان الروحية الكبرى.
لدينا في تاريخنا واحدٌ من أسئلة نفوذ الثقافات، لم يُفهم حق فهمه، حين امتلكت أجوبة الثقافة العربية بين القرنين السابع والحادي عشر الميلاديين نفوذاً واسعاً، ليس بسبب الامتداد الإمبراطوري للكيان السياسي؛ بل بسبب الجيولوجيا الثقافية التي استند إليها النص العربي آنذاك. هذه الثقافة احتضنت علوم الأوائل من الأمم الأخرى، وأغنت ذاكرتها بتراث شاسع، تمكنت معه من امتلاك نفوذ على الواقع والخيال الإنسانيين، امتدّ وتشعّب حتى بعد غياب كياناتها السياسية. السبب الجوهري كما نرى هو أنها أجابت عن أسئلة كينونة تتعلق بالأجناس البشرية، ولم تحصر نفسها في الإجابة عن أسئلة الكيانات السياسية، التي ما تزال تحاصرها حتى اليوم، وتحاصر آمادها.
ولنأخذ هذا التفصيل الصغير من تفاصيل ثقافة تتهيأ لامتلاك النفوذ؛ منهج تكوين المعلمين العرب الكبار. كانت هناك مرحلتان في طلب العلم: يبدأ الطالب الأولى في محيطه الثقافي، فيتلقى علومه، ويكتشف جغرافية روح المكان الذي نشأ فيه، ويختبر معاييره، وذاكرة نصه الموروث، وتأتي بعد ذلك مرحلة الرحلة في طلب العلم. تمدّه الأولى بمقاييس كونه الصغير، وذاكرة أمته، التي تظل محدودة مهما كان شأنها، وتمدّه الثانية بمقاييس كونه الكبير، وذاكرته الإنسانية. معنى هذا أن القيم الأولى التي ينشأ عليها الطالب، ليست كافية لتجعله معلماً، ولابد له من المرور باختبار القيم الثانية: قيم العالم الواسع من حوله، بنظمه، ومعاييره، وأجناسه. ومن هنا دلالة الرحلة في طلب العلم. إنها مرحلة الإحاطة بأساس متين لقيم وأخلاق أشمل من القيم الخاصة.

وهكذا، لا تتعلق ذاكرة النص، ونفوذ الكلام، وأسئلة الكينونة بلغة الكتابة؛ بل بتملّك ثقافة هذا العالم بمستوياتها المتعددة؛ بماضيها وحاضرها. ومن العبث البحث عن أسباب الفقر الروحي لثقافة ما، وانحسار نفوذها، في مشكلات ترجمة النصوص إلى اللغات الحية كما يشاع، أو عدم الكتابة فيها، ما دام النص لا يتوفر على الجدارة الذاتية من النوع الذي وصفنا.

 

You may also like...