«بابا بارني».. رسالة فنية في أساليب التربية الحديثة

الشارقة: محمد ولد محمد سالم

على خشبة مسرح قصر الثقافة وفي ثانية ليالي الدورة الثانية عشرة من مهرجان الإمارات لمسرح الطفل، عرضت مساء أمس الأول مسرحية «بابا بارني» لمسرح دبي الأهلي من تأليف عبد الله صالح وإخراج عبد الله بن لندن.
تقدم المسرحية حياة عذاري البنت الوحيدة لأبويها، اللذين يحبانها حباً شديداً، ومع انشغال أبويها في شؤون الحياة تتعلق بالألعاب، التي أخذت تشغل كل وقتها وتصرفها عن الاهتمام بواجباتها المدرسية، فتقرر الأم سحب جميع ألعابها من غرفتها، لكي تتفرغ مما أصاب البنت بصدمة، تحولت إلى عجز عن النطق، وأصبحت تمتنع عن الخروج من غرفتها، وبدأ الأبوان رحلة مضنية للبحث عن علاج لابنتهما، ويقررا أن يعيدا لها الألعاب كجزء من العلاج، وبدأت بشائر التعافي عندما حلُمت في الليل أن «بارني» الشخصية الكرتونية المحببة للأطفال، جاءها، وقد لعبا كثيراً وضحكا، وفي الصباح بدأت تتكلم بصعوبة، وقصت حلمها على أمها، وأصبح أبواها يتنكران من دون علمها في زي بارني وغيره من الشخصيات الكرتونية، ويأتيان إليها، ويلعبان معها، فكانت تفرح بذلك.
اضطر مرضُ البنت الأبوين إلى قراءة كل شيء يتعلق بأمراض الأطفال النفسية، وبتربية الأطفال عموماً، ما جعلهما يكتشفان أنهما كانا على خطأ في طريقة تعاملهما مع ابنتهما، فقد أهملاها، وعاملاها بجفاء وغضب، وأكثر من ذلك كان شجارهما الدائم، وخصامهما في حضورها، مصدر قلق وخوف لها، يشعرها بعدم الأمان.

غير الوالدان من تعاملهما مع ابنتهما بعد أن أصبحا يفهمان ويعرفان كل شيء حول الطريقة الصحيحة لتربية الأطفال، فأصبحا يوليانها الاهتمام، ويلعبان معها، ويحرصان على ألا يقع منهما شجار وخصام في حضرتها، وعن طريق الألعاب يحببان إليها القراءة، والمذاكرة، ومع الوقت تشفى، ويصبح اهتمامها بالمذاكرة وحل الواجبات المدرسية أكبر، حتى يستولي عليها، وشيئاً فشيئاً يقل اهتمامها بالألعاب لصالح الدراسة، وحين تكتشف أن أبويها كانا يتقمصان أدوار الشخصيات الكرتونية من أجل علاجها وإدخال الفرح إلى قلبها، تبتهج بذلك، وتعبر لهما عن حبها واعتزازها بهما.
قدم عبدالله صالح نصاً محكماً من الناحية الدرامية، وعالج قضية من صلب اهتمامات الأسرة الإماراتية، بشكل مباشر، ودون أي قناع رمزي، وقد أحسن عبد الله بن لندن الإخراج، وكان اعتماده على ممثليْن محترفيْن (عبد الله صالح، بدور محمد) موفقاً فقد رفع أداؤهما العمل، وكانت مساحة الفكاهة كافية لإضحاك الجمهور من دون مبالغة أو طغيان على الطرح الدرامي، كما أن اختيارات الديكور والسينوغرافيا كانت في كثير من الأحيان معززة للحدث، وقد ساعده ذلك على إيصال رسالة العرض التي تحدد التعامل التربوي المتزن مع الأبناء، وضرورة أن يسود الحب والتفاهم بين أفراد الأسرة، وأن يعطى للقراءة حقها وللعب حقه.
العرض سبقه لقاء مع عبد الله مسعود شخصية المهرجان في قاعة المحاضرات بقصر الثقافة، وقدمه رفيق دربه وصنوه في المسرح عبد الله راشد، سارداً حياة عبد الله مسعود المسرحية بدءاً من دخوله ميدان العمل المسرحي عام 1989 إلى اليوم، حيث مثّل في عشرات المسرحيات، وعمل مصمم إضاءة في الكثير من العروض، وكتب نصوصاً كثيرة، وأعطى كل وقته للمسرح الذي تفرغ له منذ نهاية التسعينات، وأخلص له، فنال فيه الجوائز والتكريمات، وشارك في كل المهرجانات الوطنية، وفي مهرجانات عربية ودولية كثيرة. اللقاء كان مناسبة للمسرحيين لكي يقدموا شهاداتهم عن عبد الله مسعود، وتحدث بهذه المناسبة مرعي الحليان ورائد الدالاتي، وعلاء النعيمي، ود. محمد يوسف، ود. حبيب غلوم، وحافظ أمان، وأحمد ناصر، وأجمعوا على أن عبد الله مسعود يتميز بالصدق والإخلاص في العمل والتواضع، فهو حاضر وجاهز يضع نفسه بسهولة ودون شروط تحت تصرف كل من يريده للعمل في المسرح، ويمتاز بالمرونة التي تجعله وهو ممثل رفيع المستوى يقبل بأي دور يعرض عليه مهما كانت مساحته صغيرة، ولا يناقش أمور التعويض المادي بأي حال، وهذه الصفات تجعله من الفنانين النادرين الذين أخلصوا للخشبة، ومن كنوز المسرح الإماراتي كما وصفه مرعي الحليان.

You may also like...