تحرير المرأة.. رؤية من تونس

القاهرة: «الخليج»

عندما ظهر كتاب «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» للطاهر الحداد (1899 1935) اعتبر المؤرخون نشره حدثاً جوهرياً في مسيرة الإصلاح الاجتماعي بوجه عام، والنسائي على وجه الخصوص، إضافة إلى أنه يمثل رؤية جديدة، مهدت لصدور مجلة «الأحوال الشخصية» التونسية سنة 1956 مانحة المرأة حقوقاً قانونية ما زالت النساء العربيات لم ينلنها إلى اليوم.
كانت قضية المرأة من القضايا المحورية، التي رفع لواءها دعاة الإصلاح في العالم العربي والإسلامي، منذ رفاعة الطهطاوي إلى الآن، ويعد هذا الكتاب أحد أهم الكتب في هذا السياق؛ بما أثار من قضايا، وما جلب على صاحبه من مشكلات، وما واجهه من ردود فعل، وما حصل عليه من تأييد ودفاع، وفي ذلك الوقت كان لظهور كتاب «تحرير المرأة» دوي هائل، اهتزت له كل الأوساط الدينية والثقافية والاجتماعية في الوطن العربي كله، وانقسم المفكرون إزاءه، فمنهم من دافع عن آراء المؤلف، ومنهم من سخر منه، وتصدى له في مقالات ومؤلفات.

انتقلت هذه الأصداء إلى تونس، وكان كتاب «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»، أحد هذه الانعكاسات، التي ثارت حول قضية تحرير المرأة، ووجدت هناك من يساندها، وأيضاً من يعارضها، وانقسم رجال الإصلاح تجاه هذه القضية إلى تيارين، مثّل التيار الأول «خير الدين التونسي» (1810 – 1879) صاحب كتاب «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك»، الذي ذكّر في مقدمته المتزمتين، الذين رفضوا اقتباس أي شيء حسن من الحضارة الغربية، واستنكر التخوف من تعليم المرأة، ومثّل التيار الثاني جماعة المحافظين، ومنهم المؤرخ «أحمد بن أبي ضياف»، الذي وضع رسالة في المرأة «رد فيها على أسئلة المستشرق «ليون روش» قنصل فرنسا في تونس، عن الوضع السيئ الذي كانت عليه المرأة المسلمة في القرن التاسع عشر، ونقد الغربيين لهذا الوضع، الذي أرجعوه إلى نظرة الإسلام إلى المرأة، فكانت أجوبة أحمد بن أبي ضياف دفاعاً عن الإسلام، لكنه يكشف عن تحفظه على المساواة بين المرأة والرجل، واستمر هذا التيار المناهض لتعليم المرأة، بدعوى أنه محظور شرعاً تعليمها، حتى الربع الأول من القرن العشرين حين تجدد التيار الداعي إلى تعليمها.
يشتمل كتاب«امرأتنا في الشريعة والمجتمع»على قسمين أساسيين: قسم تشريعي وآخر اجتماعي، بدأ الحداد كتابه بالقسم التشريعي، وقد أشار أبو القاسم محمد في تقديمه للكتاب إلى أن هدف الحداد من هذا القسم إثبات أمرين خطيرين: الأول أن الحقوق التي أعطاها الإسلام للمرأة لم تعد تتمتع بها، وتمارسها بنفس الدرجة والمستوى اللذين وضع الإسلام المرأة فيهما، والثاني أن الإسلام حينما شرع هذه الحقوق للمرأة لم يكن يريد أو يقصد أن يقف عندها؛ وإنما كانت غايته أن يمهد بها إلى المساواة التامة بين الرجل والمرأة، لكن المسلمين بسبب ظروفهم التاريخية فيما بعد وقفوا في طريق التطور، بل أرجعوا المرأة إلى الوراء.

أثار هذا القسم التشريعي حفيظة رجال الدين، ليس بسبب آراء الكاتب حول المرأة؛ وإنما بسبب آرائه حول الإسلام وموقفه من تدرج التشريع، فقد نبه الحداد إلى وجوب التفرقة في الأحكام الدينية بين نوعين من الأحكام، أحدهما: أحكام جوهرية خالدة بخلود الإسلام وعقيدته ومبادئه، التي منها: إقامة العدل والمساواة بين الناس، وأحكام عرضية أوجبتها الظروف، ولم تكن غرضاً من أغراض الدين.
في الجزء الخاص بالقسم التشريعي، يشير الحداد إلى أن وضعية المرأة تحسنت كثيراً في الإسلام عن الجاهلية، ولا أدل على ذلك من أنه جعل لها في القرآن سورة طويلة سماها «النساء»، وذكرها في آيات وسور متعددة، مبيناً حقوقها وواجباتها، وساواها في ذلك بالرجل، مراعياً الظروف التي عاشتها المرأة في صدر الإسلام.
ومن الحقوق المدنية التي يثبتها الحداد للمرأة: حق الشهادة والقضاء، وقد اعترف الإسلام لها بذلك، وأفتى الإمام أبو حنيفة النعمان بجواز تولي المرأة القضاء، وفي رأي الحداد، أنه يستحيل أن يفتي أحد الأئمة الأعلام بهذا الأمر، وهو غير مقبول في الإسلام؛ خاصة أن الإمام أبو حنيفة كان قريب العهد بالصحابة، فلا يتصور أن يصرح بشيء يخالف الشريعة؛ أو يجتهد بما يناقض جوهر الدين وأصوله، وما تزال هذه القضية مطروحة منذ عهد الحداد حتى وقتنا هذا؛ حيث تقف تشريعات بعض البلاد الإسلامية أمام تولي المرأة منصب القضاء.
تناول الحداد مسائل عدة في موضوع الزواج، وصرح بجملة أفكار ثورية، تعد سابقة لأوانها؛ حيث استوعبها المجتمع التونسي بعد ذلك، ويأتي على رأس هذه المسائل حرية الاختيار بالنسبة للزوجين، ويستشهد الحداد برأي جماعة من العلماء، منهم أبو حنيفة، على حق المرأة في اختيار زوجها، كالرجل تماماً متى كانت رشيدة، كما اعتبر الحداد أن الزواج دون البلوغ جريمة، وهذا ما أخذت به تونس فيما بعد في قانون الأحوال الشخصية، وإذا تم الزواج فلا بد من القيام بواجباته، وهي كما حددها الحداد«نفقة الرجل على زوجته وأبنائه اعتباراً لضعفهم عن الارتزاق».
يتحدث الحداد في القسم الاجتماعي من الكتاب عن كيفية تثقيف المرأة لكي تكون زوجة وأماً صالحة، ويقسم هذا التثقيف إلى: صناعية، ومنزلية، وعقلية، وأخلاقية، وزوجية، وصحية، ويضع مخططاً تعليمياً خيالياً بالنسبة إلى ذاك العصر؛ إذ يستهدف تربية الروح الدينية في المرأة التونسية المسلمة، وتهذيب ذوقها وتكوين عقلها، وتدريبه على الصواب، وتنشيطه بالألعاب الرياضية، وكان ذلك المشروع التعليمي يتجاوز إمكانات بلاده في الثلاثينات، لكنه أصبح واقعاً في تونس بعد الاستقلال.
تمنى الحداد أن تصل المرأة إلى التعليم الجامعي، وهي دعوة لم يسبقه إليها إلا القليل، لكن من المسائل التي عرضها الحداد في هذا القسم مسألة الزواج بالأجنبيات، وعارضها بشدة من باب حرصه على قومية الشخصية التونسية، وعدم انصهارها في الشخصية الغربية، وكان الحداد يرى أن الأم الأجنبية سوف تلقن أولادها أخلاقها وعاداتها وثقافتها، فينشأ هذا الجيل بعيداً عن الروح الإسلامية والشخصية العربية التونسية، واعتبر أن الإسلام والمرأة هما خط الدفاع عن الذات والهوية ضد الاستيطان المادي والمعنوي.
ومن أكثر المسائل إثارة للجدل مسألة «سفور المرأة»، وقد طُرحت هذه المسألة من جانب الطهطاوي والأفغاني، ومحمد عبده، وقاسم أمين، وملك حفني ناصف، ونبوية موسى، وكان رأي الحداد أن السفور ضرورة لخروج المرأة إلى نور التمدن الصحيح، وكان مناصراً للسفور، الذي لا يعني عنده الخروج عن حدود اللياقة والأدب، وكشف الجسم والتجميل والتزين، وإثارة الشهوات، وحمل الأنظار على الاهتمام؛ بل إن السفور وسيلة لتطوير المرأة المسلمة، وإعدادها الإعداد اللائق الذي أشار إليه الإسلام وحدد إطاره.
وكما تقول الدكتورة منى أبو زيد، في تقديمها لطبعة حديثة من الكتاب، فإن رؤية الحداد تمثل صرخة أطلقها الحداد ضد المتزمتين في عصره، وفي عصور الانحطاط، وضد التقاليد العقيمة، وتحجر عقول بعضهم، وقد تأثر المؤلف في هذا الكتاب بالحركات الإصلاحية، والنهضة النسائية، التي ظهرت بوادرها في العالم الإسلامي، وعلى إثر صدور الكتاب ثارت ضده حملات عارمة، وامتلأت الصحف الفرنسية والعربية بالمقالات المختلفة مناهضة ومناصرة، وفي الأخير فإن الطاهر الحداد كان مصلحاً اجتماعياً وليس مصلحاً دينياً، لأن تأويل النصوص الدينية لها قواعد تحكمها.

You may also like...