تراث النهضة

مصطفى عبد الرازق.. نظرة جديدة للفلسفة

%d9%85%d8%b5%d8%b7%d9%81%d9%89-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%b2%d9%82-%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a9-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d9%84%d9%84%d9%81%d9%84%d8%b3%d9%81%d8%a9
القاهرة: «الخليج»

كان الشيخ مصطفى عبد الرازق أحد تلامذة الإمام محمد عبده، مهموماً بفكرة الإصلاح التي كانت مصر تتحرق شوقاً إلى تحقيقها، خاصة إصلاح الأزهر، وحين نشرت «آثار مصطفى عبد الرازق» بتقديم شقيقه «علي عبد الرازق» كتب طه حسين مقدمة للكتاب، يصف فيها الشيخ قائلاً: «كان صادق اللهجة، عذب الحديث، لا يرفع صوته إلا بمقدار، وكان قليل الحركة، معتدل النشاط، يمتاز عن رفاقه أولئك بهذا الوقار الهادئ المطمئن، الذي لا يتسم به الشباب عادة، وإنما هو سمة الشيوخ، ومن يجري مجراهم من الذين تقدمت بهم السن».

يصف طه حسين كتابات مصطفى عبد الرازق قائلاً: «أنت لا تجد فيما يكتب معنى نافراً أو فجاً لم يتم نضجه قبل أن يعرب عنه، وأنت لا تجد فيما يكتب لفظاً نابياً عن موضعه، أو كلمة قلقة في مكانها، وإنما كان كلامه يجري هادئاً مطمئناً كما يجري ماء الجدول النقي، حتى حين يداعب صفحته النسيم، وكنت أشبه له كتابته بعمل صاحب الجواهر: يستأني بها ويتأنق في صنعها لتخرج من يديه جميلة رائعة تثير في من يراها المتعة والرضا والإعجاب، كان يتأنق في فنه كما يتأنق في حياته كلها، وكما كان يتأنق في سيرته مع الناس جميعاً».
كان الشيخ مصطفى عبد الرازق قد تولى حقيبة «الأوقاف» في وزارة محمد محمود باشا عام 1938، وأقيمت في سبيل تعيينه شيخاً للأزهر عقبات مستندة في ظاهرها إلى قانون الجامع الأزهر، وتم تذليل هذه العقبات، ليتولى مشيخة الأزهر، ثم لم يمض على اختياره عام حتى اختير أميراً للحج، فخرج لأداء تلك الفريضة عام 1946، وعاد ليجري عدة إصلاحات بالأزهر الشريف، ليفارق الحياة في 16 فبراير/ شباط سنة 1947.

حمل الشيخ مصطفى عبد الرازق (1888-1947) راية الإصلاح بعد أستاذه الإمام محمد عبده، وكان له تلاميذ ومريدون، وقد أصدر أهم أعماله ومنها «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية» الذي صدر في طبعته الأولى عام 1944 وكتاب «الدين والوحي والإسلام» ثم «الكندي والفارابي» وكذلك ما كتبه عن ابن الهيثم وابن تيمية، وكذلك تحدث عن الصوفية والفرق الإسلامية، وكتب أيضاً عن بعض فقهاء الإسلام مثل الليث بن سعد والإمام الشافعي، الذي كان قد أعد رسالة الدكتوراه عنه في فرنسا، لكن لأسباب قاهرة لم يتمكن من مناقشة الرسالة، ولم ينل عنها الدرجة العلمية، وبالطبع كتب عن أستاذه الإمام الشيخ محمد عبده، كما أنه نقل بعض آراء المستشرقين إلى اللغة العربية للإفادة منهم ومن منهجهم، وللاطلاع على آرائهم في الإسلام والمسلمين، ثم نقدهم ورد عليهم، بعد أن تعارضت بعض آرائهم مع منطق العقل والوحي من جهة ثانية.

وعن كتاب «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية» قيل إن الشيخ مصطفى عبد الرازق وضعه ضمن إطار عقلانية القرن التاسع عشر وطيف رينان أمامه، يبدأه بدحض ما زعمه رينان من أن الفلسفة الإسلامية لم تكن إسلامية ولا عربية بأي معنى جوهري، ثم يؤكد المركز الرفيع الذي يحتله العقل في الإسلام، مع التوسع في معناه بقدر ما يستطاع، دون تحوير أو تشويه لتاريخ الإسلام، وهو يعالج المصادر التاريخية بدراية ويعتمد مفهوم التطور التاريخي، ما يدل على تأثير الدراسة الأوروبية فيه، لكن هذا التأثير بقي منضبطاً بإحساسه بما هو الإسلام فعلاً، وبما كان عليه من قبل.

هذا ما كتبه ألبرت حوراني في كتابه «الفكر العربي في عصر النهضة»، أما أحمد زكريا الشلق فقد ذكر كما ينقل عنه د. فيصل بدير عون في تقديمه الأعمال الكاملة لعبد الهادي أبو ريدة أن مصطفى عبد الرازق لم يكن صاحب رأي إلا بعد زيارته الأولى لأوروبا (1909-1912) ولهذا الأمر دلالته على كل حال، وكأن أوروبا كنموذج حضاري طاغ ومؤثر قد فجّر لديه أزمة مواجهة الذات والمجتمع كضرورة أولية لتحديث وتجديد مجتمعه الإسلامي، وكانت نقطة البداية هي تعرية العيوب ونقدها، وتصوير النموذج المغاير المتصل بالآخر، والدعوة إلى إقامة الجسور بين القديم والجديد على نحو غير مألوف.

يرى فيصل عون أن هذا الرأي يحتاج إلى مراجعة فالشيخ مصطفى عندما سافر إلى أوروبا كان في بداية العشرين من عمره، وهذه السن تمثل البداية المبكرة لمرحلة التحصيل العلمي، ومن ثم فإنه – سواء سافر أم لم يسافر – من غير المفهوم الحديث عن وجهة نظر لشاب لم يزل في المرحلة العلمية المبكرة من التحصيل والفهم، هذا مع الاعتراف بأن كل نتاج فلسفي فيه عنصر ذاتي لا يمكن تحديده بالمؤثرات الخارجية.
على أن ذلك لا يمنع من القول إن تجربة الشيخ الغربية، فضلاً عن تكوينه الديني، مع ذكاء فطري حاد، ورغد من العيش، يسمح له بامتلاك أدوات البحث العلمي، إلى جانب الجدية والإجادة في تحصيل العلم، ذلك كله أدى في النهاية إلى وجود «الشيخ» كعلامة بارزة من علامات المدارس الفكرية على الساحة العربية والإسلامية.

كانت جهود الشيخ مصطفى عبد الرازق قد تركزت في اتجاهين: الاتجاه الأول حرص من خلاله على تقديم نموذج علمي منهجي لكيفية التعاطي مع الفلسفة الإسلامية والتأريخ لها بفروعها الأربعة، لأن الشيخ جعل علم أصول الفقه أحد أفرع الفلسفة الإسلامية التي تضم إلى جانب أصول الفقه علم الكلام، التصوف، فلاسفة الإسلام.أما الاتجاه الثاني فتمثل في حرصه على تقديم نموذج حي لطلابه الذين توسم فيهم حمل راية الإصلاح من بعده، وقد نجح في هذا نجاحاً فائقاً، حيث كان يصعب على القارئ لأعمال الشيخ أن يفصل بينها وبين حياته العلمية، التي اتسمت بالوضوح والشفافية والصدق في القول والإخلاص في العمل – على حد تعبير فيصل عون – كما اتسمت بالتواضع والتسامح والبساطة والسمو الخلقي والروحي.

كما يرى عون فإن مدرسة الشيخ مصطفى عبد الرازق قد ضمت بين جوانبها مفكرين، لكل منهم توجهاته (العلماني، السلفي، الإصلاحي) إلا أن ما وحّد بينهم ولم يختلفوا بشأنه ارتباطهم الروحي والفكري بالأستاذ المعلم، فقد كان الشيخ يرى أن العقل مصدر رئيسي من مصادر العلم والمعرفة، وأنه يتقدم ظاهر النص في المتشابه لتأويله، فضلاً عن أن العقل مصدر من مصادر التشريع، ومع هذا كله فإن مصطفى عبد الرازق لم يثق في العقل ثقة مطلقة، وقد انعكس هذا على حديثه عن العلاقة بين منطق السماء (الوحي) وبين منطق الأرض (العقل)، فهو يرى أنه لا ينبغي أن تكون الفلسفة خادمة للدين، ولا ينبغي كذلك أن يكون الدين خاضعاً خضوعاً كلياً لسلطة العقل الحر، ينبغي أن نحتفظ للدين بقداسته، وللعقل بحريته في الفهم والدراسة، حتى تكون أحكامه موضوعية بعيدة عن الميول والأهواء.
إن الدين يقوم على الإيمان، أما الفلسفة فتقوم على البرهان، ومع هذا فلا بأس من أن ينشد الإيمان العقل، وأن يستأنس العقل ويسترشد بهدي الإيمان، مع عدم الخلط بين المنهجين: طريق الإيمان وطريق الفلسفة (الشريعة والحكمة) لأن هذا الخلط، إن حدث، أضر بالدين وبالعقل معاً، إن العقل يمكن أن يضر بالدين، لأنه يعرض عقائده، وهي عواطف قدسية تتأثر بها النفس، كما تتأثر بلهجة الجمال لمناقشاته العقل ومناقضاته.
أما ضرره بالفلسفة فلأنه سيحدد لمقدماتها نتائج تقليدية، ويجعل بحثها عن الحقائق موجهاً إلى غاية هي تأييد الدين، فتأخذ هي أيضاً شكلاً دينياً مقدساً لا يتناسب مع حرية البحث، على أن ذلك لا يعني عدم التعاون بين الفلسفة والدين، لأنهما في النهاية خطابان موجهان إلى الإنسان بقصد تحقيق سعادته من خلال الاعتماد على لغة العقل ولغة القلب، وإشباع الجانب الروحي في الإنسان، جنباً إلى جنب مع إشباع الجانب العلمي، المتمثل في السيطرة على الطبيعة، وتسخيرها لخدمة الإنسان.

You may also like...