تشكيليات إماراتيات.. الفن نبض المكان

%d8%aa%d8%b4%d9%83%d9%8a%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a5%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%86-%d9%86%d8%a8%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%83%d8%a7%d9%86

الشارقة: غيث خوري

أخذ الفنان التشكيلي الإماراتي ومنذ بدايات الحركة التشكيلية في الدولة على عاتقه مهمة ترسيخ الفن في المجتمع، ليكون أحد الأشكال التي تعبر عن حياة الإنسان الإماراتي بكل تفاصيلها الاقتصادية والاجتماعية والتراثية، وكان للتشكيليات الإماراتيات دورهن الثابت والراسخ في ظل هذا المشهد الفني، حيث انخرطت الفنانة التشكيلية الإماراتية بكل تفاصيل الحياة وتطوراتها، فأخذت تنقح وتفرز تجربتها عاماً بعد عام ومرحلة تلو أخرى، لتقدم جملة من الاشتغالات البصرية المتنوعة شكلاً ومضموناً، ومعبرة عن جملة القضايا الماثلة في الحياة على الصعيد النفسي الخاص وما يعتمل الفنان من أحاسيس ومشاعر، أو على الصعيد العام المرتبط بالمحيط وتأثيراته.

عبر متابعة جملة الاشتغالات التي قدمتها التشكيلية الإماراتية، نلحظ ذلك الارتباط الطبيعي بالبيئة ومعطياتها البصرية والاجتماعية، حيث سعت الفنانات إلى رصد هذه التأثيرات عبر رؤيتهن الفنية وتجربتهن العملية في ميادين التشكيل المختلفة، وبطبيعة الحال فإنها لم تتوقف عند رصد المؤثرات البيئية بل اجتهدن على الدوام في اختبار طرق ومواضيع تعبير جديدة تفتح الأفق أمام بروز وظهور الأشكال المعاصرة في الساحة الفنية الإماراتية، عبر مجموعة من الأسماء التي تركت بصمتها وروحها الإبداعية الخالصة، مثل: فاطمة لوتاه وسلمى المري وخلود الجابري ونجاة مكي وكريمة الشوملي ومنى الخاجة وابتسام عبد العزيز وغيرهن.

مساحات من التفاؤل

في تجربة الفنانة خلود الجابري تظهر صورة المرأة الإماراتية على وجه الخصوص، والعربية بوجه عام، فهي بطلة معظم لوحات الجابري، حيث جسدت عطاءها وتضحياتها، وتقاليدها، واعتزازها بهويتها وصناعتها للحضارات والأجيال، وما واجهته من صعوبات ومعاناة، وما تحلم به وتتمناه. ‏وتبدو أعمال الجابري وخصوصاً الحديثة منها مفعمة بألوان قوية مثل الأحمر والبرتقالي والأخضر، لرغبتها في تلوين عالم المرأة بمسحة التفاؤل والانطلاق.
وقد شهدت تجربتها الفنية عدة محطات، كانت بدايتها مع اسكتشات بالفحم قدمتها بين عامي (1983-1984)، ومن بينها لوحة مستوحاة من رواية «أنا حرة» للكاتب المصري إحسان عبد القدوس، كما ظهرت شخصيات حقيقية وسجلت الفنانة الاسم إلى جانب الصورة، مثل بورتريه للفنانة الإيطالية صوفيا لورين، المرحلة التالية كانت للوحات الطبيعة الصامتة، وتميزت باتجاه الجابري لاستخدام الألوان الزيتية، كما ظهرت في تلك المرحلة رموز وطنية، إضافة إلى ظهور واضح للمرأة بأوجه عدة، ارتبط أغلبها بتجسيد الوطن أو بعض من رموزه.
المحطة التالية عند الجابري حملت بعضاً من الملامح الخاصة للفنانة، التي اتسمت باستخدامها للألوان المائية بدلاً من الزيتية، كما حملت نضجاً واضحاً في الأعمال على المستوى الفني وكذلك المحتوى، خصوصاً في اتجاهها لاستخدام الواقعية من وجهة نظر تتصف بالخصوصية بإضفاء لمسات تجريدية مدروسة عليها، وبعد انقطاعها لفترة عن الفن عادت الجابري عبر محطة جديدة اتسمت بتجريدية تتناسب مع ميلها لطرح مفاهيم ومضامين ذات أبعاد إنسانية، مع التركيز على المرأة، التي كانت بارزة في موضوعات اللوحات التي قدمتها في هذه المرحلة، التي امتدت حتى الآن لتبدو الأعمال كأنها تطور متواصل في الأسلوب والفكر.

تميزت تجربة د. نجاة مكي بخصوصية يمكن تلمسها في قراءة أثر الصحراء والبحر وروح المكان، التي لم تنقلها نقلاً حرفياً إلى أعمالها، إنما وظّفت تفاصيل منها في أعمالها التجريدية، التي تسعى إلى التوأمة بين البحر والصحراء، حيث إن لكل منهما أفقاً قابلاً للتأويل ومفتوحاً على التأمل والحوار اللوني.
وقد خلقت مكي لنفسها (موتيفات) امتازت بها، فنجدها منبثقة من عالم زخرفي عايشته في رسم الحناء وزخارف الزي الصحراوي وسجادة الصلاة، وهي عناصر وليدة بيئتها العربية، ونجد لوحاتها التصويرية استنطاقاً لعالم آخر صنعته نجاة لنفسها من زرقة البحر التي تنضح برقة في معظم أعمالها ووهج الصحراء وحرارتها ورحابتها فتحلق في فضاءاتها، فتتضافر تلك المعطيات وتنتج واقعاً رمزياً قد لا نراه ولا ندركه من مساحات هندسة وخطوط بسيطة ومسطحات لونية تحمل دلالات جديدة مغايرة لما هو مألوف، لكنها لا تتنافر مع أصوليته ورصانته الراسخة في الطبيعة، مستندة على إدراكها الكلي للأشياء ومضمونها الفكري، ولا ينفي ذلك تشبعها بالإدراك الحسي لها، فأعمالها دائماً ما تومئ بعراقة التراث العربي الذي تقدمة بشكل حداثي بحت ينصهر في وجدانها وأحاسيسها ونظرتها الفلسفية مما ينم عن شخصيتها المتشبعة بثقل ثقافي وإلمام بكل جديد في الفن.
تكشف أعمال د. مكي عن انشغالات لونية تقدم اقتراحات عديدة ومتشابكة، ومنضوية على هاجس كبير من البحث والتقصي في الطاقات الكامنة والمتحفزة للألوان الزيتية والإكليريك وكذلك في الأنماط والمسطحات المدهشة التي تتشكل من المزج بين الألوان والخامات المختلفة، للخروج بابتكارات بصرية تعزز من معنى التجريب في الفن، ومعنى الذهاب إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه من افتتان ولعب ومغامرة.
تأتي تجربة سلمى المري لتعكف على شخصية الإنسان وما يدور في فلكه، فتبحث في أنماطه، ومخزونه التراثي والنفسي، فتجربة المري تجربة خاصة تقف على تماس مع الواقع بتغيراته وتبدلاته وتأثيراته العميقة في النفس الإنسانية، وهي في الوقت نفسه لا تغفل التفاصيل الدقيقة التي نشأت في ظلها، وفي تقاطعاتها مع تطور الفنون المعاصرة التي تقف على تخوم العالم بتناقضاته المختلفة.
تبحر المري داخل ذاكرة التاريخ لتفتش عن الماضي، في محاولة لفك شيفراته وبعض طلاسمه لتربطه بالحاضر والمستقبل، وقد قدمت في هذا المجال اشتغالات بصرية تبحث في مختلف الجوانب التي خلفها الإنسان الإماراتي على مر العصور ومنها، الآثار المكتشفة في أرض الإمارات بداية من العصور الحجرية البرونزية، العصر الحديدي، فترة ما قبل الإسلام، العصر الإسلامي، كما تبحث في الحكايات الشفهية الشعبية الإماراتية، التي كانت تقصها الجدات، فضلاً عن تناول العملات المتداولة قديماً في المنطقة.
في رسوماتها عوالم من الألوان والكائنات التي تبني مجموعة من العلاقات البصرية وتعكس حالات وجدانية وفكرية، وقد يصح في تفسير هذه اللوحات، ما يصح في تأويل النتاجات الأدبية والفكرية، بمعنى أنها قابلة لقراءات متعددة، وقد يصح أيضاً أنها تجارب زمنية، أي نتاج لحظتها الراهنة، لكنّ ذلك لا يمنع قراءتها في الزمن المقبل وهنا تحقق اللوحة كمنجز فني شرط المعايشة الإنسانية، بمعنى انفتاحها على الثقافات المعاصرة، ومحاكاتها إلى التراث، وربما قدرتها على استشراف المستقبل.

التأمل الفكري

في تجربتها الطويلة بين أوروبا والإمارات، تقدم الفنانة فاطمة لوتاه ملمحاً من التأمل الفكري لخصائص اللوحة، وأبعادها الاجتماعية والثقافية والنفسية، مجددة في المعاني الجمالية من خلال تجربة الرسم الرقمي، معتبرة أن التحدي هو المحرك الفعلي لتطور أشكال الفن وتنوعه في عمق الفنان، وسبيله لابتداع محاور لحراك التكوين الفني في الرسم والصورة البصرية ذات الدلالة الإنسانية بسماتها وصفاتها المتشكلة.
تستخدم لوتاه الكثير من الوسائط، فقد تبدأ اللوحة بالديجيتال آرت وتنتهي بإعادة صياغتها بعد طبعها على القماش بالأكريليك لتصبح نصاً مختلطاً بعدة تقنيات يندرج تحت ما يسمى فنون ما بعد الحداثة.. أعمدة ومكعبات مفرغة ومضيئة من الداخل وأشياء أخرى في تجهيزات فنية لتأثيث الفراغ المحيط ورسمه ليصبح عملاً فنياً هو الغاية في الكثير من الأحيان.
إذا استعرضنا تجربة الفنانة الغنية، ومنذ البدايات، نجدها متطورة نتيجة اندماجها مع الفن وبحثها المتواصل سواء النظري أو العملي، حيث تنقلت بين مختلف الأساليب الفنية بتدريج وبدراية وحرفية واعية.. لوحاتها كبيرة حجماً ومكانة، غنية بألوان تتحرك، بل قل تسبح في عوالم تبدو مجهولة أحياناً، ورغم مغامرتها في شكل العمل الفني، نجدها وفية لبيئتها مستوحية ألوانها وأجواءها، كألوان حارة تسبح في فضاءات اللوحة.
الفنانة منى الخاجة تبحث في المضمون حيث تشتغل لوحاتها على الذات الإنسانية، ومحاولة هذه الذات الحفاظ على صفائها ونقائها، عبر أسلوبها التجريدي والرمزي الذي يدل على قوة النفس البشرية وقدرتها على مجابهة التقلبات الحادة، هذه النفس التي تسعى للمحافظة على إشراقها وتوازنها في معمعة التغيرات، فهي تشير إليها بضربات الفرشاة التي تظهر الحركة والصراع المستمر الذي تحدثه، وأيضاً من الوحدات الخزفية الجميلة المستمدة من التراث القديم، التي تتكئ عليها الخاجة بوصفها رمزاً للقيم البشرية النبيلة التي تجابه وتواجه هذه التحديات.
في سعيها لتقديم تجربة خاصة تلتفت الخاجة بشكل خاص للبحث عن القيم الإنسانية النبيلة، وغالباً ما تصورها باستخدام عناصر ومفردات من التراث، إيماناً منها بوجه الشبه الكبير بينهما، والمتمثل في الأصالة والسمو.

ترتبط أعمال الخاجة بشكل قوي بالمكان، فهي تشد الرحال بذاكرتها دوماً نحو الشارقة، ببيوتها الصغيرة وأبوابها وشبابيكها ورمال البحر البيضاء والقوارب الصغيرة الراسية على الشاطئ والحبال الممدودة منها إلى الشاطئ والصيادين والشباك وأكوام الصخور البحرية المستخرجة من البحر لاستعمالها في بناء البيوت، وهذه الذكريات البعيدة هي الزاد والمعين الذي تغرف منه الخاجة اشتغالها البصري، أو كما تعبر عنه هي في قولها: «اللوحة عالم آخر، أسبح فيه بأفكاري وأمارس حريتي التي من خلالها أرى العالم كما أريد، أرتبه وفق خيالي وأعيد لأماكنه النبض، فهناك أماكن لا يستطيع المرء أن يتجاوزها إلا بعد الوقوف عندها، حيث تتحرك فيه مشاعر وأحاسيس متداخلة وكل يعبر بطريقته عن المكان، الشاعر يترجمه شعراً والأديب قصة أو رواية والرسام لوحة، وقد تبقى مجرد زفرات حارة معبرة عما يجول في أعماق النفس ويمور فيه».

 

قد يعجبك ايضا ...