تودوروف.. يشعل «الأنوار» من جديد

380347_972352

سلمان عز الدين
«على أي أساس فكري وأخلاقي نريد بناء حياتنا الاجتماعية بعد انهيار اليوتوبيات؟». هذا السؤال هو المنطلق الأساسي ل «تزفيتان تودوروف» في كتابه «روح الأنوار»، وسرعان ما يحدد المؤلف وجهته، موضحاً الخطوط العريضة لإجابته: «لا شك أننا في حاجة، حتى نتصرف بمسؤولية، إلى إطار مفهومي كفيل، لا بوضع أساس لخطاباتنا فحسب، بل كذلك لأفعالنا. لقد شرعت في البحث عن هذا الإطار وأثناء ذلك وجدت نفسي منساقاً إلى التأمل في تيار فكري وحساسية ثقافية معينة، هو تيار الحركة الإنسية في عصر الأنوار».
إذاً، وحسب تودوروف، فلا يزال عصر الأنوار صالحاً لتقديم إجابات مفيدة عن أسئلتنا الراهنة، ما يجعله مصدراً خلاقاً وخصباً لصياغة ذلك الإطار الفكري والأخلاقي المنشود واللازم لحياتنا المعاصرة. ولكن ماذا عن القرون الثلاثة التي باتت تفصلنا عن ذلك العصر؟، ألا ينطوي الرجوع ثلاثمئة عام إلى الوراء على أصولية فكرية من نوع ما؟، ثم ماذا عن حملات التشكيك الواسعة التي جابهت، وتجابه، الأنوار الأوروبية، وتتراوح بين اتهامها بالتفاؤل المفرط في سذاجته، وصولاً إلى تحميلها المسؤولية عن كثير من الانحرافات والمظاهر السلبية كالفاشية والنازية والاستعمار والعدمية..؟.

يؤكد تودوروف أن مجرد العودة إلى الماضي أمر غير ممكن وغير مرغوب فيه، وأن كتّاب القرن الثامن عشر ليس بوسعهم حل المشكلات التي استجدت منذ ذلك الحين والتي ما انفكت تمزق العالم كل يوم. ومع ذلك فإن فهماً أعمق لهذه النقلة الجذرية التي تجسدت في عصر الأنوار «من شأنه دون شك أن يساعدنا على العيش على نحو أفضل اليوم. وعلى هذا الأساس أردت الكشف عن الخطوط العريضة لفكر الأنوار دون إغفال مشاغل عصرنا وذلك في سياق حركة مراوحة مستمرة بين الماضي والحاضر ذهاباً وإياباً».
قام مشروع الأنوار على ثلاثة أفكار رئيسية هي: الاستقلالية، والغائية الإنسانية لأفعالنا، والكونية. وتتمثل الاستقلالية في جعلنا نفضل ما نختاره ونقرره بأنفسنا على ما تفرضه علينا سلطة خارجة عن إرادتنا. وبالطبع لا يمكن الحديث عن الاستقلالية إلا باقترانها بالتحرر، إذ لا بد من توفر الحرية الكاملة في النظر والمساءلة والنقد والتشكيك، بحيث لن يكون هناك تقديس لأية فكرة أو مؤسسة. وقد أدى «هذا الاختيار إلى نتيجة غير مباشرة لكنها حاسمة تمثلت في نوع من القيد المفروض على السلطة، حيث صار لزاماً عليها أن تكون متناغمة مع البشر، بمعنى أن تكون سلطة طبيعية، لا سلطة فوق طبيعية».
مبدأ الاستقلالية قاد إلى الحد من سلطة الماضي لصالح المشروع المستقبلي، وأبطل طغيان التقاليد الموروثة لحساب العقل والتجربة، فتحررت المعرفة وازدهر العلم، ونشأ ميل إلى العلمنة (أي فصل الزمني عن الروحي)، وصار الإنسان مستحقاً للتقدير كما هو كائن بالفعل لا كما يجب أن يكون، وصارت الآداب والفنون تحتفي بعالم المحسوسات، وبمشروعية بحث الإنسان عن السعادة على هذه الأرض..في هذا العالم، بعد أن كان دوره مقتصراً على إعداد نفسه للخلاص..
لقد تحررت الإرادة الفردية باعتبارها إرادة الجماعات من الوصايات القديمة، لكن هل معنى ذلك أنها أصبحت حرة تماماً، وأنها لم تعد تعرف حداً تقف عنده؟.
كلا يجيب تودوروف لأن روح الأنوار لا يمكن اختزالها بمطلب الاستقلالية وحده، ف «الأنوار جاءت ومعها أدواتها النقدية التي تساعد على التعديل.. تعديل مسارها هي بالذات». وأولى هذه الأدوات هي غائية الأفعال الإنسانية، فإذا كانت أفعال البشر قد تخلصت من هيمنة التقاليد البالية والغيبيات والغايات الميتافيزيقية، فهذا لا يعني أنها أصبحت بلا غايات على الإطلاق. بل إن الغائية توجهت نحو الإنسان نفسه، سعادته ورفاهيته، استقرار المجتمعات، وإمكانية تطورها وازدهارها..
أما الأداة النقدية الثانية فهي الكونية، ذلك أن الإنسان، وبحكم كونه إنساناً ودون أي تعيين آخر، له حقوق مقدسة لا يجوز التعدي عليها أو الانتقاص منها، وسواء كان هذا الإنسان أوروبياً أم إفريقياً، أبيض أم أسود، غربياً أم شرقياً.. فإن له الحقوق الأصيلة نفسها: حق الحياة، والحق بكامل حرمته الجسدية، وكرامته الشخصية..

الغائية الإنسانية والكونية تشكلان حداً للأفعال الإنسانية ومعياراً لها كذلك. فمدانة هي السلوكات التي تفسد سعي الإنسان إلى سعادته وتحد من حريته أو تهدد استقرار المجتمع وتعيق تطوره، وكذلك مدانة هي الأعمال التي تهدر أرواح أناس آخرين، في أي مكان من المعمورة، أو تنتهك أجسادهم تحت أي ذريعة كانت..
ولكن هل سارت الأمور على هذا النحو دائماً؟ هل مضى مشروع الأنوار وفق هذه الصيغة من التوازن؟.
يقول تودوروف إن فكر الأنوار سرعان ما شهد العديد من التحريفات وعمليات تغيير الوجهة. فقد تم تبسيط الكثير من الأفكار واختزال بعضها الآخر. ومن ذلك، مثلاً، أن العلمنة التي عنت أساساً فصل الحيز الزمني عن الحيز الديني، صارت لاحقاً مادية متطرفة معادية لكل بعد روحي عند الإنسان. وكذلك فإن تأكيد فكر الأنوار على استعداد الإنسان للترقي، تطور إلى فكرة مختلفة تقول بحتمية التقدم.. وهكذا فإن الكثير من النقد الذي يوجه للأنوار هو في الواقع نقد لتحريفاتها ولصورها الكاريكاتورية ليس إلا.
ومن الانتقادات التي توجه عادة إلى الأنوار أنها قد وفرت المستندات الأيديولوجية للاستعمار الأوروبي خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. ويقوم هذا الانتقاد على المنطق التالي: بما أن الأنوار تقر بكونية القيم، ولما كانت الدول الأوروبية مقتنعة بأنها تحمل قيماً أرقى من القيم السائدة عند غيرها من الأمم، فقد اعتقدت أن من حقها حمل حضارتها إلى الذين هم أقل حظاً منها، وكي تضمن نجاحها كانت مجبرة على احتلال المناطق التي يقطنها سكان تلك الأمم..
هناك نقد آخر يلاحق فكر الأنوار، ويقول إن هذا الفكر أسس، عن غير قصد، للأنظمة الشمولية في القرن العشرين، فبعد أن صار الناس يضعون بأنفسهم معايير الخير والشر، فإنهم لم يتوانوا عن محاولة تشكيل العالم وفق مثال أعلى لديهم، ما جعلهم يقدمون على أعمال فظيعة، برروها بالهدف الأسمى والمثل الأعلى..
يتصدى تودوروف لدحض هاتين التهمتين وغيرهما، مستعيناً بنصوص لرموز عصر الأنوار: روسو ومونتسكيو وكوندورسيه.. وآخرين، ولكنه يقر أن «الاعتداءات على الأنوار قد لا تنتهي أبداً ومن حقنا أن نخشى ذلك». ويتوقف مطولاً عند مآلات الأنوار في أيامنا هذه، مستعرضاً المشكلات الكثيرة التي تعصف بالحياة الاجتماعية المعاصرة، والتحديات التي تهدد إرث الأنوار، مؤكداً الحاجة إلى «المحافظة على روح الأنوار» ذلك أن «الأنوار لا يمكنها أن تمضي لأنها صارت لا تشير في نهاية المطاف إلى مذهب محدد تاريخياً فحسب، بل كذلك إلى موقف من العالم.. فالأنوار ما زالت معاصرة لنا»

 

You may also like...