«جاتسبي العظيم».. رواية نهاية الحلم الأمريكي

القاهرة:  «الخليج»

في تقديمها لترجمة رواية «جاتسبي العظيم»، تقول المترجمة سارة العناني، إن هذه الرواية التقى معها كل طالب أمريكي، مر بالمرحلة الثانوية، منذ فترة الستينات من القرن الماضي إلى اليوم، أحبها كثيرون وكرهها كثيرون، المهم أنها كانت مقررة على الطلبة، ومهمة إلى حد أن تفرض نفسها، رغم أن كاتبها «ف.سكوت فيتزجيرالد»، كان يخشى ألا تجد ابنته حين تكبر، وترغب في الفخر بأبيها ككاتب، نسخة من روايته الأقرب إلى قلبه في أية مكتبة، تلك الرواية التي تنتقد بقسوة الحلم الأمريكي وتبشر بنهايته.
كان فيتزجيرالد يحتفظ بقائمة تحمل أسماء كل قصصه ورواياته وتواريخ نشرها، وما حصل عليه من مال لقاءها، وكل مصير مرت به خارج حدود بيته، خارج حدود أوراقه هو، ذهل إيرنست هيمنجواي عندما رأى تلك القائمة بيدي فيتزجيرالد، لكنه ذهل أكثر للمصير المرعب الذي يحوم حول صاحبها، دون أن يدري أو يحاول له دفعاً، أصر هيمنجواي على أن السبب في هذا المصير هو زوجة فيتزجيرالد «زيلدا»، لكن الأمر كان أعقد من ذلك بكثير، ولم تفك تشابكه تماماً عشرات الكتب التي بحثت الموضوع، واتهم كل منها بتحيز لأحد الطرفين على حساب الآخر، إما متحيز لزيلدا وإما مدافع عن فيتزجيرالد.لكن ما علاقة الكاتب وزوجته بهذه الرواية، ببساطة لم يكتب فيتزجيرالد إلا عن نفسه وعن زوجته بالذات، فكل ما كتب، كل شخصية نسائية هي بالتأكيد زيلدا أو تحمل شيئاً منها، وكان فيتزجيرالد يحلم بأن يصبح أفضل كاتب، وفصل من الجامعة؛ لأنه اهتم بالكتابة أكثر من دراسته، ثم جاءت الحرب العالمية الأولى، تلك التي ينسب إليها الجيل الأدبي المدعو بالجيل الضائع، عاش فيتزجيرالد تحت رعب أنه لن يحيا بعد أن يرسل للحرب، وهو لم ينجز شيئاً من عبقريته الأدبية، فكتب رواية بسرعة، رفضت على الفور، إلى أن التقى بزيلدا التي كانت مصابة بشيزوفرينيا، ومفعمة بالحياة والإبداع، ابنة قاضي المدينة، لكنها كانت تحمل جموحاً يقص عنها سلطة والدها. كانت زيلدا راقصة ورسامة وهو كاتب، فكيف تستقيم الحياة بينهما، انتهت نقودهما وسقط الكاتب في بئر عدم الكتابة، والاكتئاب، وفي لحظة ما قرر أن يكتب رائعته، رواية له، لا رواية ترضي الجمهور، بالكثير من الرقص، والكثير من الرومانسية، لكنه لن يستطيع أن يكتب سوى عن «روحه الأثيرة» قصته معها: فماذا لو لم أتمكن من الزواج بها، تلك الفتاة المرغوبة من الجميع؟، ماذا لو كنت قد أرسلت للحرب فخسرتها؟ من هذه الافتراضات بدأت الرواية.
وفي النهاية يجب أن يطل انكساره الإيماني بالعصر كله، بالحلم ذاته، الذي عاش فيه، فكتب الرواية التي حملت، كما ستوصف لاحقاً، نهاية الحلم الأمريكي، الذي كان قوامه المساواة في الحصول على الفرص، مع أبواب تحتاج فقط لمن يدفعها، عالم جديد بلا وزن لعالم العائلات الأرستقراطية القديم، ولا فرق بين من يحمل اسماً يمتد إلى دوقات مدينة أوروبية عتيقة، وبين طفل ملجأ، لا يجد بعد اسمه شيئاً، العمل، والذكاء هما الفارق فقط.

أراد فيتزجيرالد أن يكتب «الرواية الأمريكية» تلك التي تصف أمريكا، كما يعرفها هو فقط، وكما لن يعرفها أي شخص آخر بعده، بلغة صنعها هو، ففيتزجيرالد من طائفة الكتاب الذين أرادوا اختراع لغة خاصة بهم، ونجحوا، وفوق ذلك.

قد يعجبك ايضا ...