حكايات الحرب الخفية بين جهاز المناعة والميكروبات

معرفة السيرة الذاتية للعلماء تفيد في استطلاع عاداتهم ومعتقداتهم وطرق معايشهم، مما لا يستغنى عنه في دراسة تاريخ الطب، وما يؤسف عليه أن تاريخ الطب جانب مهمل من التاريخ، رغم أن أثره في حياتنا اليومية واضح، ورغم أن دراسة تاريخ الطب تلقي ضوءاً مهماً على ماضي الإنسان بأبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية والحربية، ولعل السر في ذلك هو عزوف العلماء الذين يكرسون حياتهم لخدمة الطب عن طلب الشهرة، وإيثارهم حياة العزلة، ضناً بوقتهم على أن يبددوه فيما لا ينفع ولا يفيد غايات البحث العلمي.
ويرى هذا الكتاب أن تاريخ علم المناعة يسبح وسط غمائم التشويش وأدخنة الغموض، ولا شك أن سبب ذلك يكمن في تلك الجدران الأكاديمية القاسية التي تفصل بين الإنسان العادي ومصطلحات علم المناعة، وليس ثمة داعٍ لمناقشة أثر علم المناعة في صحتنا وأنشطة حياتنا اليومية، فهذا أمر واضح ولا يقل وضوحاً عنه أن معرفة تاريخ جذور علم المناعة، يلقي ضوءاً مهماً على قضايا الحاضر المتعلقة بأمراض المناعة، وهكذا يعكس هذا الكتاب فائدة أخرى لدراسة تاريخ علم المناعة، هي إلقاء الضوء على فهمنا لعلم المناعة ذاته.
ويسعى هذا الكتاب إلى سد هذه الثغرة، حيث يعرض لنا حياة علماء المناعة الحاصلين على نوبل في الطب، وأسهم كل هؤلاء العلماء الأفذاذ بمكتشفاتهم في تأسيس علم المناعة، وضع الطب الحديث، ولا تزال نظرياتهم تدرس في الجامعات والمدارس، ويلقي الكتاب الضوء على المحطات المهمة في حياة كل منهم، والصعوبات التي اعترضت مسيرتهم العلمية، ومدى الجهد الذي بذلوه في سبيل إنقاذ الإنسان من براثن القتلة الذين لا نراهم، وصد هجمات الميكروبات الفتاكة، فكانوا بحق «فرسان الحرب الخفية» وكان لهم ما أرادوا، وانتصروا في حربهم النبيلة، وتركوا لنا اكتشافات ومنجزات لا تحصى في علم المناعة.

يعرض الكتاب لحياة أربعة من علماء الطب الذين دخلوا التاريخ من بوابة علم المناعة، ويشرح فصولاً تفصيلية من حياتهم الشخصية والعلمية، ويكشف أسباب حصولهم على جائزة نوبل في الطب، ولم يكن انتقاء هذه الشخصيات عارضاً، بل ارتكز على الرواد الأربعة الأوائل، الذين خاضوا غمار الحرب الخفية «حرب الجهاز المناعي ضد الميكروبات»، قبل أن يكون لجهاز المناعة اسم، وقبل أن يقف علم المناعة على قدمين ويقدم نفسه للعالم، فالجهاز المناعي لم يكتشف دفعة واحدة، بل استغرق اكتشافه مراحل متعددة، ولم يغلق باب البحث والاكتشاف أبداً.
تكتب المؤلفة عن حياة كل شخصية منهم في صورة «الرواية التخيلية»، كما لو كان صاحب الشخصية ذاته يتحدث عن سيرته الذاتية، ويروي لنا مشوار كفاحه ضد الميكروبات، فخرج الكتاب عبارة عن أربع روايات تاريخية، يجمعها عنوان واحد «فرسان الحرب الخفية»، والرواية والتخيل التاريخي يعدان نوعاً متفرعاً من الخيال التأملي، لكن الرواية التاريخية تفتح باب المقارنة بين الوثيقة التاريخية وبين العمل الروائي، ما يوقع كثيراً من الالتباس بين الرواية باعتبارها عملاً تخيلياً، والتاريخ بوصفه مجموعة من الحقائق المستقرة عن الماضي.

قد يعجبك ايضا ...