داخل بلاط فلاديمير بوتين

رجال الكرملين

تأليف: ميخائيل زيغار
عرض وترجمة: نضال إبراهيم

رغم أن سيرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أصبحت واضحة أمام العالم، فإن علاقاته داخل الكرملين، بقيت مجهولة، خاصة فيما يتعلق بأبرز الرجال الذين يحيطون به، وشكل تأثيرهم فيه.
يتطرق هذا العمل إلى توضيح هذا الجانب، من خلال الاستناد إلى سلسلة غير مسبوقة من المقابلات مع دائرة فلاديمير بوتين الداخلية.

يعرض مؤلف الكتاب وجهة نظر مختلفة جذرياً عن رؤية السلطة وسياستها في روسيا، فنقرأ فيه مقاربة ورؤى جديدة لعالم الكرملين. وهذه المرة، المؤلف، ليس أحد مراسلي الحرب الباردة المخضرمين من صحيفة بريطانية أو أمريكية، بل هو روسي شاب يعيش ويعمل في موسكو، قام بإجراء مقابلات مع مئات من كبار الشخصيات السياسية والحكومية الذين عملوا مع بوتين، وتفاعلوا معه في السنوات ال 16 الأخيرة.
ماذا يمكن لكتاب حديث أن يضيف لما سبق أن كتب ونشر عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؟ أي نواحٍ جديدة يمكن مقاربتها، وما التفاصيل التي يمكن التعرض لها ومعالجتها بالتوصيف والتحليل والنقد والتفسير، عندما يكون موضوع الكتاب شخصاً مثيراً للجدل، يتمتع بالصلابة والمثابرة، والذكاء والحرص، والبراغماتية والرزانة، وفضلاً عن ذلك صاحب اهتمام – يصل إلى حد الهوس، بحسب تعبير البعض- بصورته الشخصية التي تظهر في وسائل الإعلام.
يملك طموحاً، ويؤمن بالولاء المطلق؛ إذ ما من مساحة وسط، فإما أن يكون المرء مخلصاً وذا ولاء مطلق للدولة والرئيس والنظام، وإما أن يكون خائناً ويتحمل تبعات ذلك حتى لو كان من المقربين.

صورة الزعيم بطلاً

هذه الفكرة هي تلخيص موجز لما يحمله كتاب «كل رجال الكرملين: داخل بلاط فلاديمير بوتين» الذي نشرت طبعته الإنجليزية في 400 صفحة عن دار «بابليك أفيرز» الأمريكية في سبتمبر 2016، للصحافي الروسي الشهير ميخائيل زيغار. نال الكتاب اهتماماً واسعاً لدى وسائل الإعلام الغربية، ونُشرت العديد من المراجعات التي ركّزت على كونه يقدّم نظرة من الداخل، مع ما يتسم به من أسلوب صحفي استقصائي، وعلى اعتبار أن مؤلفه قد استغرق سنوات من البحث والمقابلات مع شخصيات على دراية عميقة بواقع صناعة القرار في الكرملين، وعلى مسافة قريبة من الرئيس فلاديمير بوتين الذي لايزال من غير المعروف بالفعل ما هي المساحة التي يعطيها للمقربين منه، وما هو دورهم في توجيهه نحو اتخاذ قرارات حساسة، سيما مع ما تمر به روسيا من معركة نفوذ شرسة في سبيل عودتها إلى الساحة العالمية، بعد التقلبات التي مرت بها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، والفترة التي سميت ب «العقد السمين»، أو «سنوات الصفر» التي انتهت مع مجيء بوتين إلى السلطة عام 2000، لتبدأ رحلة الطموح السياسي والاستراتيجي الكبير، ومعركة سياسية خفية خاضها الرئيس بغية إمساك جميع الخيوط بيده، وجمع كلّ الشخصيات المؤثرة لصالحه، مع دعاية سياسية مدروسة تكرّس موقعه وتثبت مكانته. وبهذا، يكون الكتاب نوعاً من حكاية عن السياسة الروسية تقوم على الشخصيات، الأنا، والطموح أكثر منها على السياسة والقناعات والإيديولوجيا.
هذه الدعاية السياسية بالتحديد هي ما تعمل عليه وسائل الإعلام الموالية؛ التي تستثمر «الصورة» لخلق التأثير الشعبي المطلوب للرئيس «الظاهرة». وحول هذه النقطة بالذات، يستعرض الكتاب عدداً من الأمثلة المهمة، كما في تلك اللقطة الشهيرة التي يظهر فيها الرئيس بوتين، وهو يمارس سباحة الفراشة في بركة في سيبيريا أو ظهوره عاري الصدر ممتطياً حصانه، حيث كان الهدف من التقاط هذا النوع من الصور «هو إقناع الرأي العام الروسي بأن فلاديمير بوتين لايزال شاباً مفعماً بالحيوية. كما أنه رجل بكل ما تحمله الكلمة من معنى». لكن ما قد يخفى على القارئ هو أن الرئيس قد سبح- بحسب ما يرد في كتاب زيغار- ثلاث مرات ذهاباً وإياباً إلى أن تم التوصل إلى اللقطة المناسبة التي نشرت لاحقاً.

بوتين قلب الأسد

يقع الكتاب بعد المقدمة في أربعة أقسام رئيسة؛ تضم عشرين فصلاً بتبويبات داخل كل فصل، وخاتمة. وعلى اعتبار أن الكتاب يزخر بالكثير من التفاصيل والشخصيات التي قد يكون من الصعب للقارئ غير الروسي أو المتابع للشأن الروسي معرفتها، فقد أورد الكاتب في الطبعة الإنجليزية مسرداً للشخصيات التي ترد في الكتاب، مع شرح قصير لكلّ منها، وبلغ عددها 113 شخصية من سياسيين ورجال أعمال وإعلام وذوي نفوذ في الشأن السياسي والاجتماعي والاقتصادي الروسي.
يقول الكاتب في مقدمته: «عندما جلست لكتابة هذا الكتاب، تخيلت أنه سيكون تاريخاً لروسيا خلال حكم فلاديمير بوتين، مفصّلاً التغييرات التي حدثت في عقل ورؤية الرجل ذاته، وفي الدائرة الضيقة المحيطة به: كيف بدأ ذلك كله؟ وإلى أين قاد ذلك؟ ومع تطور الكتاب، توصلت إلى إدراك أن المشاركين في الأحداث التي تحدثنا عنها لم يتذكّروا ما حصل بدقة. لقد كان لدى أولئك الناس نزعةٌ لإعادة تشكيل ذكرياتهم وصياغتها بحيث يكون لهم موقف بطوليّ أو يستحق الذكر، أو أنهم – وهو الأهم – كانوا محقين على الدوام.
خلال سنوات بحثي في هذا الكتاب، قابلت عشرات الأشخاص من الدائرة المحيطة بالرئيس فلاديمير بوتين، وعلى اعتبار أنني استطعت جمع معلومات من طيف واسع من الشخصيات من مختلف المناصب والدرجات، فقد كانت الصورة واضحة بالشكل الكافي».
في القسم الأول «بوتين (الأول) قلب الأسد»، يرصد الكاتب ظهور فلاديمير بوتين في المشهد السياسي الروسي وتدرجه وصولاً إلى الرئاسة. ووفقاً لما يرد في الفصل الأول من الكتاب، فإن «فريق بوتين لم يوفر وقتاً في البدء بالإصلاحات. وحتى قبل تنصيبه رسمياً، فقد أمر بوتين عدداً من أصدقائه ومعارفه القدامى في سان بطرسبرغ – من الاقتصاديين الليبراليين- بوضع خطة إصلاحية للحكومة الجديدة. وبعد انتخابه، تلقى بوتين خطط التنمية الاقتصادية والتمويل. بدأ بالتخطيط للمستقبل، واكتشف أفراد فريقه أن ثمة شيئاً من الحظ يقف بجانبهم: ففي عام 1999، عندما كان بوتين معيناً كرئيس للوزراء، بدأت أسعار النفط بالصعود، وفي عام 2000، كان بمقدور وزير المالية الروسي تحقيق فائض في الميزانية، وكان لا بدّ من استغلال هذا الظرف المهم».

القبضة الحديدية

مع سرد إمساك بوتين جميع الخيوط السياسية والاقتصادية بقبضته، يأتي الكاتب على ذكر الكيفية التي أقصى بها بوتين شخصيات عامة، بدا له أنها تمتلك طموحاً سياسياً يمكن أن يقوّض مكانته ويهددها، ولعلّ أبرز هذه الشخصيات الملياردير الروسي الشهير ميخائيل خودوركوفسكي، الذي أورد الكاتب قصته في الفصل الثالث «حيث يفقد الرجل الأكثر ثراء في روسيا؛ ميخائيل خودوركوفسكي عمله وحريته وتختفي العائلة». ويسرد المؤلف لقاءه مع هذا الأخير في 2011 إبان خروجه من السجن، ويصفه بالرجل المتواضع والخجول. لكن التركيز يبقى على وجهة نظر بوتين، الذي لا يتساهل أو يتسامح فيما يمسّ سلطته كزعيم قويّ يريد تحقيق طموحه على المستوى الفردي، وعلى مستوى الدولة الراغبة في استعادة مكانتها كقطب ثانٍ في العالم بمواجهة القطب الأوحد الأمريكي.
في القسم الثاني «بوتين (الثاني) العظيم»، يستعرض الكاتب كيف أدخل بوتين ديمتري ميدفيديف (ديما) إلى المشهد السياسي، وهو من يصفه الكاتب في الفصل الرابع بالشخص الذي «خلق طبقة روسية جديدة». وللحق، فإنه حتى مع العلاقة الوطيدة بين بوتين وميدفيديف، والتي دفعت الأول للتنازل عن الرئاسة مؤقتاً للثاني قبل العودة للرئاسة من جديد في 2012، لا تعني أن هناك من يمكنه نيل ثقة الرئيس كاملة، خاصة مع سعي هذا الأخير للظهور دائماً بمظهر الرجل القوي، والمسيطر الحقيقي على مقاليد الحكم، وهو المضمون الذي كانت معظم الصور التي تنشر آنذاك تحاول تكريسه. إضافة إلى أن صفات ميدفيديف تختلف عن بوتين، حيث إن هذا الأخير لا يمكنه الظهور بموقف المتساهل أمام الغرب، وهو ما كان يراه، وإن لم يصرّح بذلك مباشرة، في شخصية ميدفيديف الذي بدا وكأنه يسعى للانفتاح على الغرب.
وتزخر الفصول اللاحقة في سرد أحداث داخلية تتعلق بواقع الحكم في الكرملين، والعلاقة مع الخارج وأسلوب إدارة الأزمات، كما حدث إبان الأزمة الأوكرانية، حين أدرك بوتين ضرورة القيام بشيء ما، حتى وإن كان ذلك من خلال قرار سياسي مباشر، لا خطة سياسية بعيدة الأمد. ونعني بهذا تحركه لضم شبه جزيرة القرم. إضافة إلى الشد والجذب الذي مارسه بوتين مع سياسيين مؤثرين في المعارضة والموالاة على حد سواء، مستخدماً حنكته وبراغماتيته للإبقاء على كافة الخيوط في قبضته.

بارانويا الرئيس

وبالتوازي مع صورة بوتين كزعيم مكرّس، يذكر المؤلف في الكتاب أمثلة عديدة على الدور الذي يقوم به بعض المحيطين المخلصين لبوتين، مثل الناطق باسم الرئاسة ديمتري بيسكوف الذي لمس في زعيمه عدم الرغبة في استضافة روسيا للألعاب الأولمبية الشتوية (سوتشي 2014) التي كانت ستكلف مليارات الدولارات، فقام بوضع خطة ترويجية يمكن من خلالها إقناع الرئيس، وإن بأسلوب غير مباشر، بقبول استضافة الحدث الرياضي العالمي.
في القسم الثالث بعنوان «الأمير ديمتري» يقدم الكاتب صورة متعددة الوجوه عن أسلوب بوتين السياسي، عبر فصول «كيف حافظ الرئيس ميخائيل ساكاشفيلي على السلطة – وعلى شيء أكثر قيمة بكثير»، و«كيف أصبح باراك أوباما أفضل أصدقاء الكرملين وأسوأ أعدائه» والذي يذكر فيه الكاتب إنه «عندما ألقى الرئيس باراك أوباما خطابه الأول في روسيا عام 2009، كان واضحاً أن المستمعين قد شعروا بالنعاس. وحتى مع حمّى الأوبامية (أوباما مانيا) التي كانت في ذروتها آنذاك، إلا أن طلاب كلية الاقتصاد الجديدة في موسكو بدوا غير مكترثين بهذه الظاهرة».
ويمرر الكاتب قصصاً رواها له أشخاص مقربون من الدائرة المحيطة بالرئيس (أو من داخلها)، حول تصديق بوتين للدعاية السياسية التي يعمل على تكريسها، حول كونه مستهدفاً بشكل شخصيّ من قبل الغرب عموماً، وأمريكا خصوصاً، بسبب مواقفه السياسية الشجاعة غير المتساهلة. ناهيك عن دعوته للمقربين منه لمشاهدة مسلسل الدراما السياسية الأمريكي «هاوس أوف كاردس» لكونه يقدّم صورة واقعية عن انتهازية السياسيين الأمريكيين.
يضم القسم الرابع «بوتين الرهيب» سبعة فصول، ستة منها كانت في الشأن الروسي والشخصيات الروسية، أما الفصل الأخير فكان ذا عنوان لافت: «كيف أصبح بشار الأسد صورة عن بوتين». ويروي الكاتب لقاءه مع الرئيس السوري بشار الأسد، ورؤية هذا الأخير لأحداث جورجيا آنئذٍ، وتصريحه بأن القيادة الروسية ستكون على خطأ، إذا ما افترضت أن هناك في القيادة الأمريكية من يمكن أن يعدّ صديقاً.
ويركز الكاتب على الكيفية التي يحاول بها الأسد التماهي مع شخصية الزعيم فلاديمير بوتين. ويطرح الكاتب أسئلةً من نوع: هل الرئيس بوتين الذي نراه في الإعلام موجود حقاً، أم أنه يقدَّم لنا كصورة تختصر عمل «كل رجال الكرملين»؟

الكاتب في سطور

ميخائيل زيغار صحفي روسي شهير، ولد عام 1981. كان مراسلاً حربياً لصحيفة «كوميرسانت» ثم أصبح من مؤسسي شبكة «دوزهد» الروسية في 2010 ورئيس تحريرها، وكانت القناة المعارضة الوحيدة في البلاد قبل أن يأمر الرئيس بوتين بإغلاقها عام 2014، لتستمر بالعمل عبر موقعها على الإنترنت. غطت القناة العديد من الأحداث الحساسة سياسياً واجتماعياً، لا سيما في ما يتعلق بالأزمة الأوكرانية، وكانت تقدّم رؤية مختلفة عما تقدمه القنوات الروسية الرسمية، التي تعمل وفق أجندة تدعم نظام الرئيس بوتين وتكرّسه في إطار بروباغندا وبروباغندا مضادة. نال زيغار الجائزة الدولية لحرية الصحافة عام 2014. له ثلاثة كتب: «حرب في خرافة» عام 2007 وهو مجموعة ضمت مقالاته عن مناطق الحروب في لبنان، العراق، قيرغيزستان وغيرها. و«غاز بروم: سلاح روسي جديد» عام 2008. وكتابه الثالث الذي بين يدينا «كل رجال الكرملين» ( الطبعة الروسية في 2015). كما شارك في ثلاثة أفلام وثائقية: «أن تدفن ستالين»، «مَن في السلطة» و«الماضي والدوما».

 

You may also like...