دفاعاً عن التعليم الليبرالي

355
تأليف: فريد زكريا
عرض وترجمة: نضال إبراهيم

التعليم الليبرالي أو التحرري أو الحرّ، هو أحد تلك الأفكار التي يدعمها العديد من الناس على الصعيد النظري في الولايات المتحدة، لكن يمكن للقليلين تعريفها بشكل شفاف ودقيق. وفي هذا العمل للكاتب والمحلل السياسي فريد زكريا، يحاول، وبطريقة تختلف عن أعماله السياسية السابقة، أن يقدم رأيه من خلال سيرته الذاتية، وكيفية انتقاله مع عائلته إلى الدراسة في أرقى الجامعات الأمريكية، مقارناً بين الهند وبريطانيا والولايات المتحدة، خاصة في فترة الحرب الباردة.
ويؤكد زكريا في عمله هذا على أن التعدد في طرق المعرفة، والوضوح في الكتابة، والإبداع وعمق التفكير مسائل حاسمة لحياة مزدهرة وجيدة، وهو يأتي عن طريق التعليم الليبرالي، ويشير إلى أنه يدافع عن فكرة تعيش تحت الحصار عبر هذا العمل، ويوليها الكثير من الأهمية، لدورها المؤثر في الحياة السياسية والاقتصادية والعلمية.

يأتي هذا الكتاب الصادر باللغة الإنجليزية عن دار «دبليو دبليو نورتون آند كومباني» الأمريكية في 208 صفحات من القطع المتوسط، في ستة أقسام هي: المجيء إلى أمريكا، تاريخ مختصر عن التعليم الليبرالي، تعلّم التفكير، الأرستقراطية الطبيعية، المعرفة والقوة، دفاعاً عن شباب اليوم.
يأخذ الكاتب فريد زكريا القارئ عبر صفحات هذا الكتاب الذي يحتوي على جانب كبير من السيرة الذاتية، إلى التاريخ العريق لمفهوم التعليم الليبرالي الذي يعتمد على سلسلة مفتوحة من دراسة الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، والتي تساعد الطالب على كيفية الكتابة بشكل واضح، والتعبير عن النفس بشكل مقنع، وكيفية التفكير بطريقة تحليلية.
يتحدث عن الضغوط الموجودة على تعليم الكليات الصاعد، والطلاب الذين بشكل مفهوم قلقون من الحصول على مهارات تفيدهم في سوق العمل. يقلب زكريا ما يطرحه القادة الأمريكيون رأساً على عقب، حيث يرى أن وظائف التصنيع الروتينية في الولايات المتحدة تتحول إلى آلية أو يتم الاستعانة بمصادر خارجية، وغالباً ستتغيّر المعرفة المهنية المحددة في غضون سنوات قليلة، حتى أن الهندسة التي هي مهنة عظيمة، سوف تحتاج إلى مهارات ذات قيمة مضافة أيضاً مثل الإبداع والتفكير الإبداعي، والتصميم، والاتصالات، ورواية القصص، وأكثر من أي شيء، القدرة على التعلم باستمرار والاستمتاع بالتعلم، وهذا ما يتيحه التعليم الليبرالي حسب رأيه.
ويشير إلى أن حكام ولاية فلوريدا، تكساس، ونورث كارولاينا الذين تعهدوا بأنهم لن ينفقوا أموال دافعي الضرائب لدعم الفنون الليبرالية، معلقاً: «يبدو أن لديهم حليفاً غير متوقع هو الرئيس أوباما الذي يدعمهم في هذا التوجه، فعندما كان في مصنع «جنرال إلكتريك» في أوائل عام 2014، علق «أتعهد لكم بأنه يمكن أن يحقق الناس الكثير، وربما، مع العمال المهرة في التصنيع أو الصفقات التجارية، أكثر من أي شهادة في تاريخ الفن». ويقول: «هذه الرسائل كانت مؤثرة: فتخصصات مثل اللغة الإنجليزية والتاريخ، ذات شعبية كبيرة جداً ومحترمة للغاية، تشهد انخفاضاً حاداً»، ويرى زكريا أن الفنون الليبرالية تتعرض للهجوم، ولا بد من وقف هذا الهجوم المضر بتأسيس جيل الشباب.
يقول زكريا إن التكنولوجيا تعمل على تحويل التعليم، وتفتح الطريق للوصول إلى أفضل الدورات والصفوف في مجموعة من المواضيع المنوعة للملايين من أنحاء العالم، موضحاً أننا نعيش فجر أعظم توسّع لفكرة التعليم الليبرالي في التاريخ البشري، مشيراً إلى عدد من المحاولات التي تثير الاهتمام على صعيد الأشكال الجديدة من التعليم الليبرالي، من خلال الاستشهاد بنمط جامعة ييل الوطنية في سنغافورة كنموذج على مشروع تعليمي ليبرالي متعدد الثقافات والتخصصات.

معابد العصر الجديد

في الفصل الأول من عمله يروي زكريا قصة الرحيل من مومباي إلى الولايات المتحدة، ويتحدث عن طموحاته ودهشته الأولى بهذا البلد، الذي أصبح الآن فيه من بين أشهر الشخصيات في عالم الإعلام والسياسة، ويبدأ بالفكرة التي أخذته إلى أمريكا، وهي مسألة البحث عن تعليم في أفضل الجامعات، وعلاقة ذلك بسوق العمل، متطرقاً إلى تواريخ سياسية واقتصادية، ويشير إلى أن تعلم علوم الكمبيوتر والبدء بشركة تكنولوجيا أصبح الحلم الأمريكي الجديد.
في حديثه عن البدايات يقول: «نشأت في الهند سنوات الستينات والسبعينات، عندما كان ينظر إلى التعليم القائم على المهارات على أنه الطريق الوحيد إلى مهنة جيدة. كان لدى الشعب الهندي في تلك الأيام إيمان غامض بقوة التكنولوجيا. كانت مترسخة في الحمض النووي للبلاد منذ أن حصلت على استقلالها في 1947. وكان جواهر لال نهرو، رئيس الوزراء الأول للهند، شديد الإيمان بالمشاريع الهندسية الكبرى. آمن أن الهند يمكن أن تخرج من تخلفها الاقتصادي من خلال احتضان التكنولوجيا، وعمل كل ما بوسعه خلال سنواته الأربع عشرة في المنصب ليترك تلك البصمة على الأمة الهندية. نهرو الاشتراكي الحذر راقب بإعجاب كيف أن اقتصاد الاتحاد السوفييتي بدأ بالقفز في عقود قليلة فقط من خلال اتباع نهج كهذا. (لينين ذات مرة علق أن (الشيوعية هي القوة السوفييتية إضافة إلى كهربة البلاد بالكامل) أما نهرو فقد وصف السدود الهيدروليكية الجديدة للهند كأنها «معابد العصر الجديد».
ويشير زكريا إلى أن التأكيد المتزايد على التكنولوجيا، وبشكل عملي في سنوات السبعينات كانت بشكل جزئي نتيجة عوامل محلية: التضخم مرتفع، والاقتصاد متراجع، والقطاع الخاص مصاب بعجز نتيجة التأميمات والتشريعات. ويذكر أن الجامعات البريطانية حينها قدمت المنح للطلاب الهنود، إلا أن بريطانيا كانت تشهد أزمة اقتصادية، ما قلل من جاذبية جامعاتها، في حين أن الولايات المتحدة كانت تزداد في الثراء والطموح.

حديث عن العائلة

يلخص فريد زكريا في عمله هذا الكثير من القصص العائلية والأحداث التي أصبحت مفصلاً مهماً في صعوده اللاحق، ويستعيد بدايات والده في الدراسة، ثم عمله، وكذلك والدته قائلاً: «مهن والديّ كانت متنوعة ومتعددة. فقد بدأ والدي كمحامٍ قبل الانتقال إلى السياسة، والتدريس في الكليات الجامعية بعد نيله الدكتوراه في بريطانيا، ولاحقاً أسس شركة تصنيع صغيرة، وفي فترة تفرّغ لكتابة الكتب والمقالات. أما أمي فقد بدأت كعاملة اجتماعية، ثم أصبحت صحفية، حيث عملت لصالح عدد من الصحف والمجلات. (استقالت من منصبها الأخير في الصحافة في 2014، في عمر ال 78) لم يصر أي منهم على التخصص المبكر».
ويشير إلى أن والديه لم يقلقا على نفسيهما من الناحية المهنية، ولم يحاولا فرض أي شيء وهو ما وجده أمراً حسناً، ترك لهما المزيد من الحرية في الاختيار.
ويقول عن الانتقال للدراسة في الولايات المتحدة، أنه كان من الصعب إقناع الناس اليوم كم كان أمراً خطيراً وغريباً الإقدام على الدراسة في الولايات المتحدة. إذ إن النظام كان لا يزال أجنبياً وبعيداً. لم يكن الناس يعرفون حقاً ما كان يعنيه الدخول في جامعات أمريكية جيدة أو كيف ستترجم الدراسة إلى مهنة في الهند.
ويمضي في الحديث «سافرت والدتي إلى الولايات المتحدة لتوصل أخي في 1982، ولم يكن وقتاً سهلاً في التاريخ الأمريكي. كان المزاج لا يزال مزاج سنوات السبعينات، وليس ازدهار الثمانينات. كانت البلاد في أسوأ ركود اقتصادي منذ الكساد الكبير. وكنا ننظر إلى الاتحاد السوفييتي على أنه بلد صاعد في أذهاننا. فضلاً عن أن حالات الشغب، والاحتجاجات، كانت قد حوّلت المدن الأمريكية إلى أماكن خطرة حقيقية. تصورنا عن نيويورك جاء من أفلام تشارلز برونسون، والتقارير الإخبارية حول عالم الجريمة». مضيفاً أنه كان هناك اعتقاد راسخ لدى العائلات الهندية أن أي ابن لهم عندما يسافر إلى الولايات المتحدة، فإنه سوف يبتعد عن العائلة، والإيمان، والتقاليد الاجتماعية التي تربوا عليها، وسوف ينجذبون إلى الجنس والمخدرات، وموسيقى ال«روك آند رول»، بالتالي إرسالهم للدراسة فيها يعني «فقدانهم» بشكل أو بآخر.
يذكر أن والدته سجلت ملاحظاتها في مقال بعنوان «أمريكا الأخرى»، أرادت أن تزيل تلك الصورة النمطية عن أمريكا التي يعرفها الهنود، حيث تصف دهشتها بالجامعات واهتمام الآباء والأمهات بأطفالهم. كما يتحدث عن فترة الحرب الباردة، حيث كانت الهند حليفاً بشكل روتيني للاتحاد السوفييتي، وكانت تلقي بمشاكلها على «اليد الخارجية» أي وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي إيه)، إلا أن والدته – كما يقول فريد زكريا – كانت تدافع بعناد عن هذه الفكرة بعد زياراتها للولايات المتحدة.
ويقول فريد زكريا أن والدته خلال رحلاتها المتكررة إلى الولايات المتحدة، جلبت معها كتاباً لأحد التخصصات من الكتب المقررة في جامعة هارفارد، معلقاً: «بالنسبة لي، كانت وثيقة مدهشة». وبعد قراءاته استغرب أن الطلاب يمكن لهم أن يختاروا أي تخصص قائلاً: «على بعد ثمانية آلاف ميل، مع القليل من المعرفة ومن دون خبرة، وقعت في حبّ فكرة التعليم الليبرالي (الحرّ)».

تغيّر الحلم الأمريكي

يدافع الكاتب فريد زكريا في فصول الكتاب الأخرى عن فكرة التعليم الليبرالي، ويتأسف أن في الولايات المتحدة ما لا يفترض بالطلاب القيام به هو دراسة الفنون الليبرالية، معلقاً: «فكرة التعليم «الليبرالي» المبنية على نطاق واسع، في أنحاء العالم، هي مرتبطة عن قرب مع الولايات المتحدة وجامعاتها وكلياتها العريقة». لكن في الولايات المتحدة نفسها، التعليم الليبرالي أصبح بغيضاً، خاصة في عصر عنوانه التكنولوجيا والعولمة، يتحدث الجميع عن التعلم المبني على المهارات المطلوبة للدخول في هذا العالم، حتى أن السياسيين ورجال الأعمال، والمربين يرون أنها الطريقة الوحيدة كي تبقى الدولة في حالة من التنافس. ويحثون الطلاب على التوقف عن الحلم والبدء بالتفكير بشكل عملي حول المهارات التي يحتاجون إليها في سوق العمل».
يرى زكريا أن الهجمات على التعليم الليبرالي تحمل تأثيراً كبيراً، إذ إن هناك اليوم فقدان للتماسك والهدف الذي يحيط بفكرة التعليم الحر، حيث يتخذ أنصاره موقفاً دفاعياً عن محاسنه، في حين أن خصومه مقتنعون أنه في أحسن الأحوال يعد ترفاً باهظاً، وفي أسوأ الأحوال يأتي بنتائج عكسية.
ويقول إن «الولايات المتحدة كانت أول بلد تمول بشكل علني التعليم العام والجماعي، بداية على مستوى المدرسة الثانوية، وثم في الكليات. حتى الآن، التعليم العالي في الولايات المتحدة عالم غني وواسع أكثر من أي مكان آخر، ويعلق أن أولئك الساعين إلى إعادة توجيه التعليم العالي في الولايات المتحدة إلى شيء مركّز وتقني أكثر ينبغي أن يبقوا في أذهانهم أن عليهم التخلي عما كان تاريخياً مميزاً أو حتى فريداً في النهج الأمريكي بالنسبة للتعليم العالي.

نبذة عامة عن المؤلف

إعلامي ومحلل سياسي أمريكي من أصل هندي، ولد في 20 يناير 1964. درس في مومباي حتى مرحلته الجامعية، ثم حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة هارفارد الأمريكية 1993، وأشرف عليه أساتذة كبار مثل صاموئيل هنتنغتون وستانلي هوفمان، ومنظّر العلاقات الدولية روبيرت كيوهاني.
يقدم زكريا برنامجاً على قناة «سي إن إن» الأمريكية باسم «فريد زكريا جي بي إس»، ويكتب عموداً أسبوعياً في صحيفة «واشنطن بوست»، وكان يكتب عموداً في مجلة «نيوزويك»، كما كان يشرف على تحرير «نيوزويك إنترناشيونال». له العديد من المؤلفات منها: مستقبل الحرية: الديمقراطية ضيقة الآفاق في الداخل والخارج»، (2007)، «عالم ما بعد أمريكا» (2009)، و«من الثروة إلى القوة: الجذور الفريدة لدور أمريكا العالمي» (1999)، ويصف نفسه بأنه معتدل في أطروحاته، ونال عدداً من الجوائز منها جائزة المجلة الوطنية، على تعليقاته السياسية وآرائه الصحفية في الولايات المتحدة، كما فاز بجائزة مرموقة على برنامجه الذي يستضيف فيه شخصيات مرموقة وقادة عالميين، كما منحته الهند عدداً من الجوائز، وغيرها من التشريفات. يقيم في الوقت الراهن بمدينة نيويورك مع زوجته وأطفاله الثلاثة.

 

قد يعجبك ايضا ...