دور نشر لبنانية تُنازع للبقاء

%d8%af%d9%88%d8%b1-%d9%86%d8%b4%d8%b1-%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%8f%d9%86%d8%a7%d8%b2%d8%b9-%d9%84%d9%84%d8%a8%d9%82%d8%a7%d8%a1

بيروت: «الخليج»
حالة النشر في لبنان ليست في أحسنها. هذا ما أقر به عدد كبير من أصحاب دور النشر في لبنان خلال استطلاع رأي أجريناه، ليتبين أن الدور ال700 المسجلة على الصفحة الإلكترونية لنقابة اتحاد الناشرين في لبنان، انخفضت إلى 325 دارا، غالبيتها تنتج من 20 إلى 40 كتاباً في السنة، والقلة القليلة تطبع حوالى 300 إلى 350 كتاباً. وتخف حدّة التشاؤم لدى الدور التي تمتلك مكتبات وبخاصة منها «بيسان» و«أنطوان» التي وجدت في التوأمة بين الدار والمكتبة وسيلة خلاصها.
وتعترض حال النشر جملة معوقات، فنقابة اتحاد الناشرين في لبنان، ووزارتا التربية والثقافة، والدعم الرسمي والمؤسساتي غائب كلياً، أما القارئ فهو عازف عن القراءة، والأسواق بعضها مغلق في وجه الكتاب، والبعض الآخر تعتريه المنافسة الشرسة، ودور النشر وحدها، وفق ما أفاد أصحابها، تنتج الكتب وتحميها من السرقة والتزوير، وتسوّق لما تنتجه وتأخذ على عاتقها ضرورة استمرار النشر ولو استدعى الأمر أن «تقلع الشوك بيديها»،

كل دار تُجابه أوضاعها المأزومة بطرق خاصة أبرزها: الإصدارات الكلاسيكية التي تمتلك الدار حقوق نشرها، لتمويل إصدار إبداعي جديد، أو «تمرير» إنتاج الكتب التجارية، وكتب الطبخ والأبراج، وتفسير الأحلام التي تبيع لتغذية إنتاج الكتب الثقافية والأدبية والإسلامية والفكرية، أو تنتج وفق محسوبيات خاصة مع وزارة التربية والتعليم، الكتاب المدرسي الأكثر مبيعاً بسبب إلزاميته، وإزاء هذا الواقع تطفو على السطح ظاهرة اجتذاب الكتّاب العرب لنشر كتبهم في لبنان، ففي ظل تأزم الأوضاع السياسية وانكماش الحريات العامة في سوريا والعراق واليمن والسودان، فإن دور النشر اللبنانية تتكل في استمرارها على إنتاج الكتاب العربي، وتستأثر بطباعة 30% من مجموع العناوين الصادرة في الدول العربية، نظراً لجودة الطباعة والورق والتدقيق، وهي إن كانت ظاهرة إيجابية في بعض أوجهها إلاّ أنها تثير القلق لأن بعض الدور تطبع دون إطلاع على المضمون، أو تبني لمحتوى الكتاب أو وضع «اللوغو» الخاص بالدار عليه.
وهذا ما يرفضه غسان شبارو مدير الدار العربية للعلوم ناشرون، مؤكداً على تبني داره لكل كتاب تصدره، معرجاً على اختلاف طرق التعامل مع الكتاب، فالمؤلف الجديد نتدخل في كتابه صياغة وتدقيقاً لغوياً ومطبعياً، أما المؤلف المخضرم فندقق لغوياً وطباعياً فحسب، والناشرون كلهم نعتز بهم ونضع «لوغو» المؤسسة على كتبهم لأننا دار ولسنا مطبعة، والفارق بين الاثنين كبير، فالدار شريك في الإنتاج وأساس في التسويق والحث على القراءة التي تصنع فكراً، ولا يرضينا أن نطبع فحسب. مضيفاً: «رغم أننا ننتج كتاباً يومياً إلاّ أننا نشهد على التراجع الحاصل في حالة النشر، وذلك لأسباب أمنية واقتصادية وحداثية، فالناس عزفت عن الكتاب الورقي التثقيفي إلى الفيس بوك وتوتير والانستغرام للتسلية، وصار علينا مجابهة التحديات أولاً عبر مجاراة المكننة فقد بتنا نعتمد في إصداراتنا على إنتاج الكتاب ورقياً والكترونياً، وكل كتبنا تباع ورقياً في الأسواق وإلكترونياً عبر «النيل والفرات»، ونعتمد على إنتاج الكتاب العربي ونجتذب المؤلفين من عدة بلدان، ونشارك في كافة المعارض التي تُقام في الإمارات ودول الخليج والجزائر وفرانكفورت والقاهرة وغيرها من البلاد التي تقدّر إنتاجات الدار العربية للعلوم ناشرون وجهودها في نشر الكتاب الفني بمضمونه وورقه وغلافه وصفحاته الإلكترونية، فنحن نجاهد ونواكب المتغيرات لنبقى على ما كنّا عليه سابقاً، صحيح أن التراجع يحدث، لكننا مستمرون ونطبع الكتب التي نملك حقوق نشرها أكثر من طبعة حتى يظل حضورنا قوياً في السوقين المحلي والعربي.
وتشير مديرة دار الآداب، رنا إدريس، إلى أن الحديث عن حال النشر راهناً يفرض التمييز بين حركة الغليان الإبداعي عبر مواقع التواصل الإلكتروني وصفحات الإنترنت، وحركة إنتاج ونشر الكتاب، فالناس تكتب روايات وخواطر وقصص إبداعية، لكن لا يمكننا استقطابها كلها طباعياً، لأن السوق لا يستوعب، فالطلب المحلي ضعيف جداً، وعموم الأسواق مغلقة في وجهنا، أما هنا فإننا كدار مستمرون، وننتج حوالى 40 إصدارا جديدا سنوياً، ونقيم توازناً بين المادة الإبداعية والسلعة التجارية، بحيث يغذي الكتاب التجاري كتاباً إبداعياً ويضمن استمرارنا في العطاء.
وتتابع: في ظل غياب الدعم الرسمي مساندة وزارتي الثقافة والتعليم صرت مجبرة على تقديم الكتاب التجاري كي أضمن إنتاج الكتاب الذي أعرف سلفاً أنه خاسر، لكنني أتبناه وأدعمه لإيماني بأن صناعة الكتاب ليست مربحة، الهدف هو صناعة الفكر والغنى، والتسويق للثقافة التي هي سلاحنا الوحيد الباقي، ولست أعيش الصعاب وحدي فدور النشر ال325 المسجلة في نقابة الناشرين كلها تعي أن حال النشر تردت، وأن عدد دور النشر ذات الرأسمال الكبير والإنتاج العالي لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.
وعن المشاركة في معارض الكتب أشارت إدريس إلى أهميتها على أكثر من صعيد فهي باب بيع وتسويق وتلاقي وتعارف على المؤلفين والأدباء، كما نسعى لإقامة تجمع خاص لحماية صفحاتنا الالكترونية من القرصنة، وكتبنا من التزوير، فهذه من المهام المنوطة بنا أيضاً.
ووصف سليمان بختي مدير دار «نلسون»، حال الناشرين بالمترقبين والمنتظرين، مشيراً إلى إعلان إفلاس عدد من دور النشر، جراء عدم قدرتها على مجابهة الضغوطات السياسية والاقتصادية في المنطقة، إلى جانب الهجمة الإلكترونية التي يُساء استخدامها في بلادنا، وعزوف الأنظمة التربوية عن أداء واجبها في إنتاج قارئ، باستثناء القراء باللغات الفرنسية والإنجليزية التي تخصص لها مساحات واسعة في مكتبات انطوان وفيرجين، ما يدل على السياسة المنتهجة ضد الحضارة العربية. وهذا الأمر يحزنني بعمق لأنه يترتب علينا أن نعبّر بلغتنا ونحاكي هويتنا وانتماءنا، وننشر ونبني المكتبات في المدارس والجامعات ونعيد بناء القارئ الذي هو الضلع الأساس في عملية النشر، خاصة وأن المؤلف يبدع والناشر يوفر كامل طاقاته لإنتاج الكتاب.
ويتابع: نحن مستمرون في تبني إنتاج الكتب التي تراوح بين 20 إلى 30 كتاباً في السنة، وهي إبداعية، ونشارك بها في المعارض، ونرفض إنتاج الكتاب التجاري، ونقيم المهرجانات التثقيفية في بيروت، وآخرها كان في حديقة «الصنائع» حيث أتحنا الفرصة لقراءة 5 آلاف كتاب مجاناً تحت عنوان «الكتاب زوادة»، نظراً لإيماننا بضرورة إنتاج القارئ والكتاب معاً.
وعن خوض غمار الكتاب الإلكتروني أشار بختي إلى خوضه اختيارياً وتبعاً لرغبة الناشر، فهناك كتّاب يحرصون على العلاقة الروحية بين الكتاب الورقي وقارئه ولا يريدون مجاراة التجارب الرقمية، وشخصياً أنحو لتأييدهم، فالعبرة في الساعد وليس في السيف، والقارئ إن وجد سيقرأ ورقياً ورقمياً، المهم أن نوجده، ونؤسس لحالة فكرية وثقافية ونبني الإنسان، ونؤكد أن مهام دور النشر لا تتجلى في الطباعة بل في نشر اللغة والتراث والحضارة، وهذا ما تحرص عليه «نلسون» وتتكبد العناء لأجله.

You may also like...