سارة والغراب.. المعرفة وسيلة لمواجهة مشكلات الحياة

نص محكم ومعالجة درامية رشيقة

الشارقة: محمد ولد محمد سالم

شهدت الليلة الرابعة من ليالي مهرجان الإمارات لمسرح الطفل مساء أمس الأول، عرض مسرحية «سارة والغراب الجاهل» لمسرح دبي الشعبي تأليف أحمد الماجد وإخراج محمد سعيد السلطي، وذلك على خشبة مسرح قصر الثقافة في الشارقة.
تتناول المسرحية حياة الفتاة سارة، والحلم العجيب الذي عاشته وقادها إلى أن تغير نمط حياتها، كانت سارة تقضي الإجازة مع جدتها بعد أن سافر أبواها في إجازة خارج البلاد، وأثناء وجودها هناك كانت تقضي كل وقتها في الألعاب الإلكترونية، ومجموعات الواتساب، والفيس بوك، وتلاحظ الجدة أن حفيدتها منهمكة في متابعة الهاتف طوال الوقت، ولا تعينها في أعمال المنزل، ولا تهتم بقراءة الكتب، بينما الجدة، منهمكة في تدبير أعمال المنزل، وقارئة نهمة، وتستنكر الجدة ذلك، فتقول لها سارة إن وقتها مشغول مع صديقاتها في مجموعة الواتساب، وأنها لا تجيد أعمال المنزل، ولا تحب قراءة الكتب، فهي تصيبها بالملل والكآبة، فتنصحها الجدة بأن تعود نفسها على قراءة الكتب، فهي مفيدة، تنمي العقل، وتوسع المدارك، وتحاول بشتى الوسائل أن تحبب إليها المطالعة، وتحتال عليها الجدة بحيلة ذكية حيث تقص عليها قصة، وعند منتصفها تتوقف، وتقول لها: إن عليها أن تستكمل القصة بمطالعتها في الكتاب، وتترك لها الكتاب، وتذهب لغرفتها، وكانت سارة متشوقة لمعرفة نهاية القصة، فتتذمر مما فعلته جدتها، لكنها تلتقط الكتاب وتبدأ في القراءة، حتى تأتي على نهاية القصة، وتستهويها العملية، فتبدأ في قراءة قصة جديدة.
تقرأ سارة قصة الغراب والببغاء والشجرة، فقد كانت هناك شجرة جميلة وارفة الظلال تنعم فيها العصافير والطيور بالراحة، فجاء إليها غراب وببغاء، وأراد كل منهما أن يستولي عليها، ويستأثر بها دون الآخرين، وأصبحا يتنازعان بشكل دائم، ويفسدان حياة الشجرة، وحياة العصافير التي تأذت منهام أشد الإيذاء، وبينما كانت سارة تقرأ أصابها النعاس، فنامت، وحلمت بأنها دخلت الغابة، وجاءت إلى تلك الشجرة، وعندما رأتها العصافير هرعت إليها واستنجدت بها لتنقذها من الغراب والببغاء المتسلّطيْن، وبدأت تبحث مع العصافير عن وسيلة للتخلص منهما، لكنّ الغراب والببغاء أدركا الخطط التي تدبرها سارة مع العصافير، فتركا النزاع واتحدا لمواجهة الخطر الداهم.

في هذه المرحلة أصبحا شرسيْن، فكان يهاجمان سارة والعصافير، ويفتكان بكل ما يقع في أيديهما من العصافير، وزاد ذلك من خسائر العصافير وضحاياها، وأصبحت الحياة بالنسبة لهم لا تطاق، وعجزت سارة عن مساعدتهم، فصارت تهرع إلى جدتها لترشدها إلى الحل، لكنّ الجدة كانت في كل مرة تقول لها الحل في الكتاب، وتسمعها قول المتنبي «وخير جليس في الزمان كتاب»، فتعود إلى الكتاب، وتبدأ في قراءته بحثاً عن حل للقصة، لكنها بعد شوط من القراءة لا تجد الحل، وتقف مفكرة، بينما الغراب والببغاء يهاجمانها هي والعصافير، وبعد عدة محاولات، وبعد قراءة جميع القصص التي في الكتاب، يختطف الغراب والببغاء الكتاب، ويبدآن في التأمل فيه، فتقول سارة على مسمعيْهما «إن الحل هو في صفحة معينة من الكتاب، فيبدآن في البحث عن الصفحة، ويقرآن فيها: أن هناك ذئباً وثعلباً قادمين سيقتلان الغراب والببغاء، ويحتفلان مع لحم الغراب، والمعكرونة مع لحم الببغاء، فيصابان بالهلع ويهربان من المكان نهائياً».
وتأتي العصافير إلى سارة لتشكرها على إنقاذها، فتخبرها سارة أن ما قرأه الغراب والببغاء في الصفحة المذكورة، لم يكن وارداً في القصة الأصلية، لكنه من قصة أخرى مشابهة، وأنها تعمدت أن تعطيهما رقم الصفحة والسطر بالتحديد لتوقع بهما، وتمتدح سارة والعصافير الكتب، وتثني عليها، وعلى ما يمكن أن تصنعه من عقول ثاقبة، ويغنون معاً فرحين، وحين تنتهي الأغنية، يتغير المشهد فإذا سارة نائمة على سريرها في بيت جدتها، وقد استيقظت فزعة، وبدأت تنادي جدتها التي تسرع إليها لتهدئها.
من الناحية الدرامية قدم أحمد الماجد نصاً محكماً، ولجأ إلى تقنية الحلم للعبور بالبطلة إلى عالم الحيوانات، وكان موفقاً في ذلك، وعالج المخرج محمد سعيد السلطي تلك الرؤية الدرامية برشاقة، ودون مبالغة في الديكورات والاكسسوارات، وخدمه الموضوع في اختيارات واضحة في الأزياء والاكسسوارات، لكن الإضاءة كان فيها تشويش في بعض الأحيان، كما أن التمثيل شابه ضعف، إلا أن ذلك لا يلغي كون المسرحية بلغت رسالتها وأوصلت بسلاسة رؤيتها القائمة على أن الكتاب هو وحده القادر على بناء العقول وصناعة الوعي السليم، والمعرفة هي السبيل إلى مواجهة مشاكل الحياة.

قد يعجبك ايضا ...