صادق جلال العظم.. رائد كتابات نقد الذات

علاء الدين محمود

رحل صادق جلال العظم بعد صولات وجولات في عرض الحياة وطولها، مقدماً إسهاماً معرفياً وفكرياً كبيراً، خاصة فيما يتعلق بالتراث، فقد كان نهضوياً حقيقياً، قارب سؤال النهضة العربية بأدوات مختلفة مستمدة من قناعاته الفكرية، وتميز بالشجاعة والوضوح في مواقفه الفكرية، وأنتج كثيراً من المؤلفات التي أوجدت جدلاً كبيراً في الأوساط الثقافية والفكرية في العالم العربي، وكان على صدام مستمر مع السلطات السياسية والفكرية، وكثير من المثقفين العرب، في قضايا حرية التعبير، وعند اندلاع الثورة في سوريا، وقف العظم إلى جانبها، وبذل كثيراً من الإسهامات في مجال الكتابات السياسية والنقاشات من قبل السوريين حول طبيعة هذه الاحتجاجات، وكان العظم على عكس كثير من المثقفين السوريين، يصف أحداث سوريا بالثورة، غير أنه لم يتخلَّ عن سلاح النقد الذي اشتهر به، وقدم صورة جيدة عن المثقف، ذلك الذي لا يجاري التيار، ولا يتخلى في ذات الوقت عن سلاح النقد.

ولد العظم في العاصمة السورية دمشق سنة 1934، درس الفلسفة بالجامعة الأمريكية، ثم جامعة يال بالولايات المتحدة الأمريكية، وعمل كأستاذ فخري بجامعة دمشق في الفلسفة الأوروبية الحديثة، وكذلك أستاذاً زائراً في قسم دراسات الشرق الأدنى بجامعة برنستون، تخصص في فلسفة «كانط»، عرف العظم كمفكر ومثقف ينحاز إلى الفئات والطبقات الشعبية، ملتصقاً بالجماهير وقضاياها، مقدماً النموذج النقيض من المثقف الذي يحبس نفسه في أبراج عالية، وربما ذلك ما شكّل عند العظم ذلك الوضوح، وتلك المباشرة التي عرف بها وسط أقرانه من المثقفين، والتي تصل ذروتها عند اشتداد الصراع بين المفكرين في القضايا التي تحتاج إلى الوضوح، وقد اشتهر بمبارزات فكرية مع كثير من المفكرين والمثقفين العرب، وهذا أيضاً نجده في كثير من مؤلفاته التي تأخذ الطابع الفلسفي والفكري.
كان اندلاع الموقف الاحتجاجي في سوريا سريعاً، الأمر الذي فاجأ كثيراً من المفكرين والمثقفين، ولا يخفي العظم في أحد الحوارات التي أجريت معه، أنه قد تفاجأ بالفعل بهذه العملية، غير أنه تفاجأ فقط على مستوى التوقيت، وتخوف من تداعيات مقابلة نظام الأسد لهذه الثورة من قمع، وربما هذا ما قاد إلى أن يفاجأ المثقفون بخروج الشعب السوري إلى الطرقات في عملية احتجاجية كبيرة، غير أن العظم لم يُفاجأ من نشوء شكل احتجاجي، قياساً بما عاشه السوريون، وكان العظم يرى أن المنهج الماركسي في البحث والتحليل والتفسير هو الذي يمنح القدرة الفُضلى على الفهم الأعمق لقيام الثورة وتحديد أسبابها، والبحث في خلفياتها التاريخية والاجتماعية، والوقوف إلى جانبها والدفاع عنها.
وجد العظم في الشوارع والطرقات وفي أفواه الجماهير ومعاناتهم ما جعله ينحاز مباشرة إلى الثورة في سوريا، رغم أن كثيراً من الخوف انتاب المثقفين على مستقبل سوريا، مما جعل بعضاً منهم يتخلون عن مواقفهم المناهضة، ويعلنون أن النظام قد فقد صلاحيته لكنه يبقى كصمام أمان، وعلى الرغم من موقف العظم المساند للثورة في سوريا فإنه لم يخفِ خشيته من بروز جماعات الإسلام السياسي في المشهد السوري، الأمر الذي ربما يهدد بإعادة إنتاج نظام الاستبداد مجدداً.

نقد الهزيمة

تميز العظم بالإنتاج المؤثر؛ إذ لم يكن غزيراً في إنتاجه، لكنه كان يرفد المكتبة بمؤلفات لها أهميتها؛ لتعبيرها عن الواقع العربي، إضافة إلى كونه شخصية سجالية، ملأ الدنيا بكثير من المبارزات الفكرية مع مثقفين عرب لهم شوكتهم المعرفية، وعلى رأسهم أدونيس، فقد سكنته منذ وقت طويل روح الفيلسوف الألماني كانط وأسلوبيته النقدية، فتأثر به وأفرد لفلسفته حيزاً كبيراً، أقبل به على نقد الفكر العربي المسكون بالماضوية، وربما لهذا الأمر لم يكن العظم في يوم من الأيام في مرمى الجوائز العربية في مجالات الفكر، كما أن الانتماء الماركسي قد مكنه من التحلي بمنهج علمي صارم في البحث والتحليل والتفسير، والكشف عن التناقضات، ورصد الوقائع، ومن بين مؤلفاته الكبيرة، التي تجلت فيها تلك المعارف يقف كتاب «النقد الذاتي بعد الهزيمة»، كشاهد على أن العظم قد تمثل كثيراً من المعارف لتفيده في نقد الواقع، وهو الكتاب الذي صدر عقب هزيمة 1967، ليرصد أسباب الهزيمة، كاشفاً أسباب تلك اللحظة التي أصابت الكبرياء حد تسميتها بالنكسة، مقدماً نقداً حقيقياً تجاوز به المرثيات التي سادت في ذلك الوقت، فقد قدم في الكتاب نقداً مباشراً وشجاعاً، في وقت سيطر فيه الخوف، ووضع المجتمع العربي أمام مشاكله، مشرّحاً الاختلالات التي لا زالت سائدة، لسيادة ذات الأفكار والأساطير المشكلة للعقلية العربية.

يناقش الكتاب كذلك تصورات العرب عن أنفسهم على نحو أيديولوجي، معتبراً ذلك وعياً زائفاً غير حقيقي، ويضع العظم تلك العقلية تحت التشريح، ويحكم عليها بالتخلف، وبروح التواكل، وأنها عقلية لا تبحث في ذاتها عند حدوث الأخطاء، بل تحيل ذلك الأمر إلى الخارج، وأن هذا الخارج هو سبب المشاكل والكوارث، وتتلبسها نظرية المؤامرة عند ساعة الهزيمة، فالهزيمة لم تنتج إلا عن مؤامرة ليس للذات علاقة بها، ويمارس العظم في هذا الكتاب عرضاً كثيفاً لمشكلات وأسباب تخلف المجتمع العربي، ويطرح الكثير من الأسئلة نحو عصف يقود إلى حلول جماعية، فالكتاب محرض نحو استنهاض الروح النقدية؛ من أجل مقابلة فكر الهزيمة، وإرجاع الهزيمة لأسبابها المنطقية وليست تلك المتخيلة، واستهدف الكتاب في مسار نقده للذات العربية ثلاثة محاور، اعتبرها مكمن الهزيمة وهي: المحور العسكري، والسياسي، والمحور الأيديولوجي، معتبراً في البدء أن ضعف الفكر العسكري هو نتيجة لخلل سياسي تمثل في سوء تقدير طبيعة ««إسرائيل»» ومكامن قوّتها، ويرجع الخلل في المجالين العسكري والسياسي لضعف تمثل الفكر الاشتراكي العلمي، وللأسف لا زالت تلك الإشكالات التي طرق عليها الكتاب بشدة ماثلة حتى اليوم، وربما من أجل ذلك طرح العظم ذات الإشكالات وذات الأسئلة المتعلقة بالفكر والعقل العربي مرة أخرى في مؤلفاته اللاحقة، بروح ناقدة ومتحررة من ثقل الأساطير المنسوجة حول شخصيتنا وواقعنا.

ويرى العظم أن أسباب التخلف تعود إلى الذات العربية وليس الآخر المتمثل في الغرب، وأن هزيمة كتلك التي حدثت في 1967، يجب أن تفهم في حدودها الطبيعية، لا أن تصبح شماعة يلقى عليها كل أسباب التراجع، وأن النهوض العربي سيجابه بتحديات كبرى على رأسها تحرر العقل العربي من هذه الأثقال عبر استدعائه الماضي من أجل محاكمته ونقده، من أجل الانفتاح على المستقبل، لذلك يعتبر الكتاب من أفضل الدراسات النقدية التي حللت العقل العربي، ومن الفوائد التي ترتبت عليها كثرة الإنتاج الفكري الذي تلا ذلك الكتاب متناولاً العقل العربي بالتشريح، وربما هذا ما دفع الكثيرين إلى وصف العظم برائد نقد الذات العربي.

رفد العظم المكتبة العربية والإنسانية بالكثير من المؤلفات والمقالات والمقابلات، تعبر عن مشروع وإرث فكري كبير.

تفسيرات لا علمية للتاريخ

إن العقل العربي (أو بالأحرى الخيال العربي) لا يزال يميل ميلاً شديداً إلى الأخذ بأبسط التفسيرات لمجرى الأحداث التاريخية وأكثرها سذاجة. إن أبسط السبل لفهم ظاهرة معقدة مثل السياسة الخارجية لدولة مثل الولايات المتحدة هي نسبتها إلى شخص ما أو إلى مجموعة من الأشخاص (حكماء صهيون مثلاً) نعتبرهم مسؤولين عنها كلياً، فنصبّ اللوم عليهم، ونستنتج أنه لو تلاشى هؤلاء الأشخاص من الوجود لتبدل مجرى الأحداث تماماً. أي أننا نبحث دوماً عن تعليل للأحداث يرجعها في نهاية الأمر إلى «قوة إرادية» كامنة خلفها أو إلى «نوايا وغايات» مستقبلية لأشخاص يتدبرون مجاريها وفق أهوائهم، ولكن بسرية تامة. وعليه يكون مجرى التاريخ على مدى قرن مثلاً، وفقاً لهذا المنطق، تنفيذاً دقيقاً لغايات ونوايا وإرادة جماعة حكماء صهيون مثلاً القابعين في الخفاء. لم يألف العقل العربي بعد تفسير الأحداث بأساليب علمية جديدة لا تعتمد على التعليلات الغائبة وإرجاع الأحداث إلى إرادات خفية وقوى شخصية، وإنما تعتمد على اعتبارات اقتصادية موضوعية مثلاً، أو قوى اجتماعية تضغط بصورة آلية، أو تتفاعل على نحو جدلي فيما بينها. لا يزال الخيال العربي في صميمه يفضل تفسير سياسة الولايات المتحدة بنسبتها إلى فئة غامضة شريرة من الرجال المتآمرين المسيطرين على كل شيء، بدلاً من تعليلها على أساس المصالح الأمريكية الاقتصادية والاستراتيجية، وحماية الاستثمارات الرأسمالية الأمريكية الضخمة في منطقة تشمل الشرق الأوسط بكامله وجنوب شرقي آسيا بأسره.

خصائص الشخصية «الفهلوية»

عندما تجد الشخصية «الفهلوية» نفسها في مأزق حرج سيفضح حتماً عجزها وتقصيرها، تبرع في إزاحة المسؤولية عن نفسها، وإسقاطها على قوى خارجية يمكن عن طريقها تبرير النتائج السلبية التي جاءت على يدها. وكما أن الطالب «الفهلوي» لا يلوم نفسه عند الرسوب في الامتحان، بل يلوم الحظ والأستاذ، والأسئلة الصعبة، والدولة، والنظام.. كذلك تلوم الأمة العدو، والاستعمار، والغدر، والحظ، وكل ما يخطر لها على بال، فتهوّن بذلك على نفسها، وتحفظ ماء الوجه، وتصون المظاهر، وتراعي المشاعر، وترفع المعنويات، عوضاً عن أن تنفذ إلى بيت الداء وتستأصله. لذلك لاحظنا في مطلع هذا البحث كيف أن الاعتراف بالمسؤولية العربية عن نتائج الخامس من يونيو/حزيران جاء متأخراً، وصيغ بلغة حذرة متحفظة مترددة، لا تتعدى مستوى التعميم الذي لا يخرق اللياقات التقليدية ولا يزعجها. كما أنه من الجلي أن «الفهلوة» ترتبط ارتباطاً مباشراً بمفاهيم الفروسية للرجولة والشرف والكرامة والشهامة والشجاعة… إذ تزدهر الشخصية «الفهلوية» في المجتمعات التي ترتكز في سلوكها ونظراتها على نمط الحياة التقليدي الإتْباعي، حيث تتوجه أنظار الأفراد وأفكارهم وردود فعلهم نحو التقاليد العريقة، والسنن المتوارثة، مما يجعل الفرد في مثل هذه المجتمعات إنساناً محافظاً عقلاً وجسداً، يدور دوماً في فلك محدود هو فلك إتْباعي يبقي القديم على قدمه، ويحافظ عليه لينقله إلى أبنائه. لذلك يتصف هذا الإنسان بالبطء الذي يعم إيقاع الحياة في بيئته ولا يتوجه، بحكم تربيته ونشأته، نحو تخطي ماضيه وتجاوز واقعه وابتكار الحلول الجديدة لمشاكله القديمة، أي أنه يفضل دوماً أن يسلك الطريق المتعارف عليها، وأن يقبع في القوالب الجاهزة التي يرتاح إليها. وعليه نرى أن هذا المجتمع يفضل كبير السن على حديثه والعجوز على الشاب، بمعزل عن الكفاءات التي يتمتع بها كل منهما، وكأن مجرد البقاء على قيد الحياة يرفع شأن الإنسان، أو يكسبه حقوقاً معينة، بغض النظر عما أنجزه أو حققه. وقد كشفت حرب يونيو/ حزيران عن عدد كبير من الشخصيات في المراكز الحساسة العسكرية والعلمية والتقنية، وكان رصيدها الوحيد ومبرر بقائها مرور الزمن والقدم، واحترام السن والمركز والقدر والمقام، بينما كان ينبغي أن يتولى أمور هذه المراكز أفراد يتمتعون بشخصيات لا تقيم وزناً في عملها إلا للنتائج الإيجابية الفعالة، أي للإنجاز والكفاءة والإنتاج الملموس فحسب.

طموح علمي مهدر

لا شك أن الأمة العربية وقادتها مدعوون، اليوم قبل الغد، لإنشاء معهد عربي للدراسات الاستراتيجية، ومعهد عربي للدراسات الإلكترونية، ومعهد آخر للعلوم الطبيعية، ومعهد للدراسات البترو كيميائية، وإلى إعادة النظر بصورة سريعة في برامج العلوم الطبيعية والرياضيات المقررة، والتنظيمات المؤتمنة على تنفيذها، ويفترض في هذه المعاهد أن تجمع شمل هذا العدد الكبير من العلماء العرب الشباب، العاملين اليوم في مختلف الجامعات والمعاهد العلمية خارج الوطن العربي، في أوروبا والولايات المتحدة على وجه التخصيص. الأمة العربية ليست عاجزة عن إنشاء وتمويل عدد من المعاهد العلمية على مستوى رفيع من التجهيز، تجمع فيها شتات علمائنا الذين نزحوا إلى خارج الوطن العربي، أو لم يعودوا إليه بعد انتهائهم من الدراسة، بسبب الأوضاع الرديئة السائدة في جامعاتنا الوطنية من الناحية العلمية والتنظيمية والإدارية. وكل من صارع هذه الأوضاع يعرف أنها لا تساعد العالم الناشئ على البحث أو الإنتاج، ولا تهيِّئ له الأجواء المطلوبة للاستمرار في العمل العلمي

المنتج، بل على العكس من ذلك أنها تحاول امتصاص طموحه العلمي باسم الروتين والأنظمة التي تعود إلى عهود ماضية عفا عليها الزمن، ولم تطلها يد الإصلاح والتغيير، لتجعلها مناسبة لمتطلبات البحث العلمي في النصف الثاني من القرن العشرين. أضف إلى ذلك أن كثيراً ما يكون المسؤولون عن الأقسام العلمية في الجامعات الوطنية أساتذة، لهم مكانة في الجامعة بسبب سنهم أو مدة خدمتهم أو بسبب إنجازات علمية قاموا بها منذ سنين طويلة، خلفهم بعدها موكب العلم وراءه، فأصبحوا عاجزين عن متابعة التطورات الجديدة التي تجري كل ساعة في حقول اختصاصهم. وكلنا يعلم أن جامعاتنا الوطنية هي في الحقيقة مؤسسات لامتحان الطلاب في نهاية العام الدراسي، وليست مؤسسات لحفظ المعرفة الإنسانية، ونقلها وتجديدها وتطويرها وتخطيها، ووضعها في خدمة الأمة والشعب.

من كتاب «النقد الذاتي بعد الهزيمة»

 

You may also like...