ظل كيسنجر.. التأثير الطويل لرجل الدولة الأكثر إثارة للجدل في أمريكا

355-4

تأليف: غريغ غراندين

عرض وترجمة: نضال إبراهيم

لفهم الأزمة المعاصرة في الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بحروبها التي لا تنتهي في الخارج، وكذلك الاستقطاب السياسي في الداخل، فإنه يبدو علينا أن نفهم هنري كيسنجر، الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي السابق للولايات المتحدة في أواخر الستينات ووزير خارجيتها من 1973 إلى 1977، بحسب المؤرخ غريغ غراندين، الذي يسلط الضوء في كتابه هذا على كتابات كيسنجر وأفكاره، ويتطرق إلى فترة دراساته العليا في جامعة هارفارد، ونظرته إلى الفلسفة والتاريخ والسياسة. ويحلل تأثير كيسنجر في جيل من السياسيين، الذي أعلنوا سياسة الحروب المفتوحة للولايات المتحدة، من دون اكتراث بالعواقب والضحايا، ويقدم تفسيراً جديداً للتأثير المستمر لهذا الدبلوماسي، ويركز على كيف نظر وينظر إلى دور الولايات المتحدة في العالم خلال 288 صفحة من القطع المتوسط.
بعد دراسة الكتابات الخاصة لكيسنجر، ومجموعة كبيرة من الوثائق التي رفعت عنها السرية حديثاً، يكشف غراندين في عمله هذا كيف أن كبير مستشاري الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون (1969 – 1974) في السياسة الخارجية، ساعد على إحياء نسخة يضفي عليها طابع العسكرة من الاستثنائية الأمريكية محورها الرئاسة الإمبريالية، حتى أنه كان يشرف على الهزيمة الأمريكية في فييتنام، والحرب الكارثية السرية وغير المشروعة في كمبوديا، ورغم ذلك كان كيسنجر يصرّ على أن الحدس لديه هو أكثر أهمية في تحديد السياسة من الحقائق الثابتة، وتعهد بأن أخطاء الماضي يجب ألا تعيق الإقدام على أي عمل جريء في المستقبل حتى أنه توقع، بل ساعد في تمكين صعود المثاليين من المحافظين الجدد الذين أخذوا أمريكا إلى حروب مدمرة في أفغانستان والعراق.
يتناول المؤلف بالتحليل كتابات كيسنجر وأفكاره، ومراحله الحياتية خاصة دراسته الجامعية وفترة الدراسات العليا لديه في جامعة هارفارد، ونظرته في فلسفة التاريخ، وفن الحكم وإحساسه بدور الأخلاق في السياسة. ثم يحلل قرارات كيسنجر في وقت لاحق في المجالات السياسية وصنع القرار من خلال هذه العدسة. ويعتقد أن المنشورات الأكاديمية الأولى لكيسنجر توفر معلومات مهمة حول تطور الفكري الكيسنجري.

ويحتوي الكتاب على عشرة فصول بعد تمهيد بعنوان «عن عدم رؤية الوحش»، ومقدمة بعنوان «التكهن بسجل وفيات»، وهي «ضربة كونية»، «الغايات والوسائل»، «ابتسم كيسنجر»، «نمط نيسكون»، «في مواجهة كيسنجر»، «عكس الوحدة»، «السرية ومشهد مسرحي»، «ما لا يمكن تصوّره»، «السبب والأثر»، «نحو الخليج»، «ظلام في الضوء»، والخاتمة جاءت بعنوان «كيسنجرية من دون كيسنجر»، بالإضافة إلى ملاحظات وهوامش في النهاية.حروب مفتوحة

لا يركز هذا الكتاب في مجمل الفصول التي ذكرناها على شخصية كيسنجر ذاتها، بل بالأحرى على الدور الكبير الذي كان لديه في خلق العالم الذي نعيش فيه اليوم بالشكل الراهن، والذي بات يقبل حرباً لا نهاية لها بطبيعة الحال.
ويشير الكاتب إلى أنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبداية الحرب الباردة، كان هناك العديد من نسخ الدولة الأمنية الوطنية، أي مؤسسة حربية شبه سرية وصفها مؤخراً المنظر السياسي مايكل غلينون بأنها «حكومة مضاعفة». إلا أن اللحظة التحويلية في تطور تلك الدولة حدثت في أواخر الستينات وأوائل السبعينات، عندما عجّلت سياسات هنري كيسنجر، خاصة حرب السنوات الأربع في كمبوديا، تفككها، وأضعفت الأسس التقليدية – تخطيط النخبة، إجماع الحزبين الجمهوري والديمقراطي، والدعم العام – التي استندت إليها. ومع ذلك حتى حينما كان تفكك دولة الأمن القومي القديم يسير على قدم وساق، كان هنري كيسنجر يساعد على إعادة هيكلتها في شكل جديد، رئاسة إمبريالية مستعادة قادرة على التحرك نحو عالم ما بعد فييتنام. (قائمة على مشاهد عنف مذهلة أكثر، وسرية مكثفة أكثر، واستخدام متزايد للحرب والعسكرة لدعم المعارضة المحلية والاستقطاب لتحقيق الفائدة السياسية).
ويقول: «إن الحرب الأمريكية الفاشلة في جنوبي شرقي آسيا دمّرت قدرة العامة على تجاهل عواقب أفعال واشنطن في العالم». أزيحت الستارة إلى الخلف، وبدا أن علاقة السبب والأثر كانت تظهر إلى المشهد، في تغطية من قبل سيمور هيرش وصحفيين استقصائيين آخرين عن جرائم الحرب الأمريكية، وكذلك في منح دراسية لجيل من المؤرخين الشكاكين الجدد، وفي عمل مخرجي الأفلام الوثائقية إيميل دي أنطونيو «في سنة الخنزير» وفيلم «القلوب والعقول» للمخرج بيتر دافيس، وبين مؤمنين حقيقيين سابقين مرتدين، مثل دانيال إيلزبيرغ، وفي المنطق الشرعي للمثقفين المعارضين مثل نعوم تشومسكي. الأسوأ، هو أن الإحساس بأن الولايات المتحدة كانت مصدر الكثير من السوء كما الخير في العالم، بدأ يتسرّب إلى الثقافة الشعبية، والروايات، والأفلام، والكتب الكوميدية».

واقعية كيسنجر

لا تبدو صــورة هنري كيسنجــر في الكتاب جذابة، إذ نقرأ عنه صفات الغطرسة والأنا والغرور، خاصة أن الكاتب يتطرق إلى أغلب الذين كتبوا عن كيسنجر وحياته ومواقفه ودور السياسي مثل سيمور هيرش، كريستوفر هيتشنز، والتر إيزاكسون، ومؤخراً، غاري باس.. «وعلى الرغم من المحاولات العديدة من بعض الكتّاب لتغيير هذه الصورة، إلا أن الأدلة ضد كيسنجر قوية، ولم يحاول أن يقف ضدها، إذ إن الأمر عبء لا يمكن تحمّله» كما علق أحد النقاد في صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية.
يتحدى غراندين في عمله هذا الحكمة التقليدية التي تصنف كيسنجر بأنه ينبغي أن يكون «واقعياً»، أي كرجل دولة يسير وفق حساب واقعي للمصلحة الوطنية العليا ومعايرة موازين القوى. بدلاً من ذلك، يرى غراندين أنه يمكن فهم كيسنجر على نحو أفضل على أنه «وجودي» اعتقد أنه في عالم خال من حقيقة موضوعية أو أنماط تاريخية لا مفر منها، يميز رجال الدولة العظماء أنفسهم من خلال العفوية والإجراءات الحازمة المتجذرة في الحدس بدلاً من التفكير العقلاني. «فلسفة العمل» لدى كيسنجر كما يراها غراندين، عاملت «الواقعيّة» ليس كعائق بل كشيء يتم إنشاؤه من قبل أفراد شجعان بما فيه الكفاية للتغلب على الجمود، وكسر أغلال البيروقراطية الطائشة، والمعارضة السياسية والمفاهيم القانونية مثل حرمة السيادة الوطنية.
ويهاجم المؤلف من خلال هذا الوصف كيسنجر وينتقد قراراته في كمبوديا وتشيلي وغيرها كتعبير عن وجهة نظر عالمية مشوهة تجاهلت عمداً العواقب الإنسانية. ويوجّه غراندين الاتهام إلى كيسنجر أبعد من ذلك، إذ يعتبر أن فلسفته وضعت أنماطاً معينة اعتنقها واضعو السياسات اللاحقة، خاصة على صعيد تنظيم تدخلات مريبة في دول عديدة في العقود التالية. وبهذه الطريقة، يجد الكاتب أن كيسنجر، الذي لم يشغل أي منصب حكومي كبير خلال ما يقرب من أربعة عقود، له دور مركزي في السياسة الأمريكية، بدءاً من فضيحة إيران كونترا في أواخر الثمانينات من القرن المنصرم، إلى الحرب الأخيرة في العراق وحملة الرئيس أوباما في إطلاق الطائرات بدون طيار، بالإضافة إلى القبول الضمني بين القادة الأمريكيين لـ «حرب لا نهاية لها كأمر مفروغ منه».
كما يتطرق غراندين أيضاً بعض الشيء للحديث عن الساحات التي استعرض فيها كيسنجر ميوله الواقعية الأكثر وضوحاً وهي: خلال العلاقات الأمريكية -السوفييتية والعلاقات الصينية -الأمريكية. ويشير إلى أن كيسنجر بذل جهوداً لتخفيف حدة التوتر مع الاتحاد السوفييتي وفتح العلاقات مع الصين، إلا أن الأمر كان يعكس الرغبة في تحقيق مبادرات أكبر جاءت على حساب الديمقراطية وحقوق الإنسان.

كيسنجرية من دون كيسنجر

ويشير الكاتب في الفصل الأخير بعنوان «كيسنجرية من دون كيسنجر» إلى كتابه الصادر أخيراً بعنوان «النظام العالمي»، حيث يناقش بعض النقاط الواردة فيه، وخاصة فيما يتعلق بمعنى التاريخ، حيث يجد كيسنجر أن التاريخ يجب أن يتم اكتشافه، وليس إعلانه، مشيراً إلى أنها مسألة ينبغي علينا أن نحاول الإجابة عنها، بكل جهودنا في اعتراف بأنها ستبقى مفتوحة للنقاش.
ويشير غراندين إلى أن كيسنجر يجد أنه «من الضروري التعلم من الماضي كطريقة لتصور المستقبل: ربما بعض المزج لمعاهدة وستفاليا للسلام في 1648 ومؤتمر فيينا 1815، سيكون نموذجاً انصهارياً جيداً لاحتواء الإسلام وتوازن القوى بين الحلفاء المتنافسين».
ويقول «منذ أن ترك كيسنجر منصبه كوزير خارجية في 1977، وسمعته تشهد تقلبات. فقد كانت أوائل التسعينات سنوات جيدة له، حيث احتضنه الديمقراطي بيل كلينتون. صحيح أنه كانت هناك اختلافات لدى الرجلين بشأن السياسة العسكرية، لكنهما اتفقا على الاقتصاد، خاصة الحاجة إلى التقدم عبر اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية، والتي ساعدت كيسنجر، بشكل غير رسمي، على التفاوض فيها».
ويشير المؤلف إلى ما كتبه الاقتصادي جيف فوكس عنه قائلاً: «رجل الدولة السابق كان المعلّم المثالي لرئيس ديمقراطي جديد يحاول أن يقنع الجمهوريين وحلفاءهم التجاريين بحيث يعتمدون عليه لتأييد رؤية ريغان».
ويعلق هنا الكاتب: «لكن بعد ذلك بعقد، مع موت بول بوت واعتقال بينوشيه في لندن آثار الأشباح القديمة، ليتم التذكير بأفعال كيسنجر في كمبوديا وتشيلي. وبعد ذلك بوقت قصير، نشر كريستوفر هيتشنز كتاباً حقق أعلى المبيعات يتهم فيه كيسنجر بارتكاب أعمال إجرامية، إلى درجة المطالبة بمحاكمته كمجرم حرب».
وبعد التفجيرات الإرهابية التي ضربت برجي التجارة في نيويورك، أصبح كيسنجر مقرباً من بوش الابن، حتى أن بوش وضعه كرئيس التحقيق الرسمي في الهجمات، إلا أنه لقي اعتراضات بسبب تعاملاته التجارية السابقة. ويقول الكاتب في خاتمة الكتاب أنه ما من مستشار أمن قومي سابق أو وزير خارجية فرض سيطرته بهذا الشكل، بعد مغادرة المنصب، كما فعل كيسنجر.
كما يعود الكاتب ليذكّر أن بوش الأب عين العديد من حلفاء كيسنجر المقربين في مناصب السياسة الخارجية، وكيسنجر نفسه، عبر زملائه، أصبح صاحب نفوذ عالمي. ففي سنوات الثمانينات والتسعينات، تصرف كمبعوث في الظل للصين، وبدأ التنسيق مع الرئيس المكسيكي ليصلا إلى ما أصبح منطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية «نافتا».
كما قدم استشارات لحكومات أمريكا اللاتينية حول أفضل طريقة لخصخصة صناعاتهم.
ويذكر الكاتب أيضاً جملة من الانتقادات التي توجهت لكيسنجر، حيث كان يستخدم العقود بشكل خاص، في الوقت الذي كانت حكومية رسمية، وآخرون أشاروا إلى أن عمله الاستشاري هو صراع المصلحة، وأوضحوا أن زملاءه قد استفادوا من نتائج ساسة كيسنجر الخارجية حينما كان في منصبه وغيرها.
ويقول الكاتب عن كيسنجر الذي تجاوز العقد التاسع من عمره «إن كيسنجر يحرض على حرب مفتوحة لا نهاية لها اليوم، ليبرر ما فعله في كمبوديا وتشيلي و(أماكن أخرى) قبل ما يقارب نصف قرن من الزمن. إلا أن ما فعله قبل ما يقارب نصف قرن خلق الظروف الراهنة لحروب اليوم التي لا نجد نهاية لها».

نبذة عن المؤلف

الدكتور غريغ غراندين مؤلف لعدد من الكتب الحائزة جوائز مرموقة، من بينها «إمبراطورية الضرورة: العبودية، الحرية، والخداع في العالم الجديد»، والذي فاز بجائزة بانكروفت في التاريخ الأمريكي، وكان على قائمة الكتب المرشحة لنيل جائزة صمويل جونسون في المملكة المتحدة. وله أيضاً كتاب فوردلانديا: صعود وسقوط مدينة الغابة المنسية لهنري فورد (2009)، وصل إلى القائمة النهائية لجائزة بوليتزر في التاريخ، بالإضافة إلى جائزة الكتاب الوطني وجائزة دائرة نقّاد الكتاب الوطني، واختارته العديد من الصحف الأمريكية كأفضل كتاب في التاريخ سنة إصداره.
غراندين أيضاً مؤلف «ورشة عمل الإمبراطورية: أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة، وصعود الإمبراطورية الجديدة» (2005)، ومن كتبه أيضاً: «مجزرة المستعمرة الأخيرة: أمريكا اللاتينية خلال الحرب الباردة» (2004)، و«دم غواتيمالا: تاريخ العرق والأمة» (2000)، الذي فاز بجائزة مرموقة على مستوى أمريكا اللاتينية. يعمل حالياً أستاذ التاريخ في جامعة نيويورك، وعضو في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، ويكتب عن سياسة الولايات المتحدة الخارجية، وأمريكا اللاتينية، والإبادة الجماعية، وحقوق الإنسان. وينشر في أبرز الصحف الأمريكية والبريطانية. كما عمل غراندين أيضاً كمستشار لجنة لتقصي الحقائق للأمم المتحدة في غواتيمالا.

قد يعجبك ايضا ...